رواية

فصول من رواية ” رسائل نادية ” ج 3 لـ نهى عاصم

    بقلم 

نهى عاصم 

4

 العنود، أميرةٌ شابّة في عمر نادية أو أصغر قليلاً، تزوّجت بابن عمّها منذُ أتت للحياة، إذ اتّفق والديهما على ذلك، هي لا تحبّه ولكنّها علمت أنّه زوجُها منذ الطفولة، ولم تعلمْ لها رجل سواه، فرضخَ القلب مرغَمًا للتقاليد.

ترتدي العنود كلّ يومٍ فستانًا لا ترتديه مرّةً أخرى، وأحيانًا تحتاج لثوبين أو مجموعةٍ ثياب إذا سافرتْ خارج البلاد مع زوجها الذي يعمل بوزارة الخارجية.

تزوّج والدها أمّها المحامية المصريّة الشابّة، وأنجب منها العنود، التي طالبت بحقّها في العمل في وظيفةٍ تليق بمكانتها كمحاميةٍ ناجحة، فرفضتْ عائلة الزّوج الفكرة، وتمّ الطّلاق في هدوء، وعادت الزّوجة إلى الإسكندرية؛ حيث عملتْ وذاعَ صيتُها كمحامية وحقوقيّة، وكانت تلتقي الأميرة دومًا في رحلتي الشّتاء والصيف كما تتندّران، الأولى في الكريسماس حيث تلتقي الأميرة بأمّها في إحدى الدّول الأوروبية، والثّانية في صيف الإسكندرية حيث تعيش أمّها في بيت عائلة الأمّ الدّافئ، فتنعم وتحيا هانئةً سعيدة، بعيدًا عن أسوار قصر الأب المُجْحفة.

حينما تعلّق قلبُها بابنِ خالها الطّالب بكلية الطبّ، الذي كان مدلّهًا-هو الآخر-بحبّها، تحدّثت الأمّ معهما كلٌّ على انفراد، وأقنعتْهما بأنّه لا جدوى من محاربةِ تقاليدٍ لم تستطع هي وزوجُها سوى الانحناء لها.

*****

دخلتْ نادية على الأميرةِ بثوب السّهرة المنتهي والذي لا يحتاج لأيّ تعديل، فنادية لديْها بغرفة الخياطة موديلاً على مقاس الأميرة، صُنعَ خصيصًا كي لا تقيس الثّياب كثيرًا.

  • أهلاً نادية حبيبتي… تعرفين… أحْلى وقتٍ في يومي يكون حينما أجلسُ مع ابني وابنتي، أو حينما أكونُ معك لنتكلّم بلهجتي الإسكندراني، فأكون على راحتي.

تضحكُ نادية قائلة:

  • لا… وليستْ أيّ لغة! أنتِ تتحدّثين اللهجة الإسكندراني بجدارة.

تتقمّص العنودُ الشّخصيةَ قائلة:

  • أيوووووووووووووه!! إيه الفستان الحلو داه؟ داه احنا حنهبل الستّات في حفلة اللّيلة يا نادية.

تضحكُ نادية:

  • إذا تحدّثت هكذا في الحفلِ ستَعودين إلى القصر كسندريلا حافية مشرّدة.

تتضاحكُ العنود، وتشكر نادية سائلةً إيّاها:

  • هل وصلتْك أنباءٌ عن أولادك؟

  • أبدًا.

  • سأطلبهم لك حالاً.

  • ولكنّها مكالمة تأخذُ وقتًا طويلاً.

  • كمِ الرّقم؟

يردّ عمّ خليل البقال، ويرسل الصّبي الذي لا يلبث أنْ يعود قائلاً:

  • لا يوجد أحدٌ في المنزل سوى والدتِك، التي تقول لك جميعُنا بخير.

  • الحمدُ لله، فليهدأ بالك.

  • لا أدري لمَ قلبي قلقٌ يا أميرتي، لعلّه خير.

  • بل هو خيرٌ إنْ شاء الله.

*******

5

محمود…

ها أنا ذا أعودُ لأكمل لك حكايتي…

أخذَ سعد يتغيّب عن العمل بعد زواجي يومًا بعد يوم؛ فطردَه صاحبُ العمل، وعاش عالةً على كاهلي، وكنت حاملاً في توأم، وظللتُ أعمل حتّى يوم الولادة، وبدأ زوجي يتطاول عليّ سبًّا وضربًا بسبب نقصِ المال متّهمًا إيّاي بأنّني حملت بعد زواجنا مباشرة، مُعتقدةً أنّني بهذا أربطه إلى جانبي كزوج، وازدادُ توحّشًا، وأصبح يدخّن الحشيش ليل نهار؛ وكمْ نصحته دون أن يبالي.

اكتشفتُ حمْلي للمرّة الثانية بعد عدّة أشهرٍ من ولادتي، فهاج سعد، وضربني كي أجهض فنزفتُ بشدّة، ولكنْ شاء الله أن يتمّ الحمل، ويولَد حماده-قرّة عيني-معاقًا إعاقةً ذهنيّة، (متخلّف عقليّ كما اعتاد سعد تسميته) فكرهتُ زوجي لا سيّما أنّه علّم التّوأم-فيما بعد-أنْ ينعتاه بهذا اللفظ (حماده المتخلّف).

ملّ سعد حياته، فأقنعه رفيقٌ له بالسّفر للعمل في العراق، فسرقَ مصوغاتي، وباعَها وسافر لشهرٍ وأيّام قليلة، ولم يلبث أنْ عاد فارًّا من جحيم مقتل المصريين هناك.[1]

عاد بطباعٍ شرسةٍ، متّهمًا إياي بأنّني… (قدمْ نحْس) جلبتُ له النّحس والفقر منذ تزوّج بي.

رآني هاشم الذي كان يعملُ سكرتيرًا لأميرٍ سعوديّ… كان يتردّد كثيرًا على منطقتنا باحثًا عن عمالةٍ للمملكة، وباحثًا لزوجةِ هذا الأمير عن خيّاطة ماهرة، فأعجبتْه، فبدأ يغدق المال على سعد وإقناعه بسفري!

حاولتُ رفضَ العمل في الخارج بحجّة الأبناء والسّيدات اللاتي أعملُ لديْهنّ، وقد أصبحنَ بمثابة أسَرٍ لي، وبحجّة حماده الذي يحتاج ليّ كثيرًا، ويحتاج للمراقبة؛ إذْ أنّه دائمُ الخروج كلّما سنحتْ له الفرصة كلّما تغيّبت عن المنزل، كما لو كان يفتقدني فيخرجُ للبحث عنّي، فأبحثُ عنه أنا وأخي والجيران، أمّا سعد فيجلسُ في المنزل داعيًا الله ألا يعود، ويأخذَه الله ليرتاح.

أقنعني سعد أنّ وجود إخوتي وأمّي في نفس البيت سيكفلُ له الكثيرَ من العناية، وأنّ زيادة المال ستكونُ فرصةً لوضْع حماده في مركزٍ للتّأهيل، وذهب معي إلى أحدِ المراكز، ودفع مبلغًا كبيرًا من المال أخذَه من هاشم-الشّيطان-الذي أوعز له بكلّ هذه الخطّط الشيطانية.

هذه قصّتي يا محمود، وبقيّتها تعلمُه أنت منذُ مجيئي إلى هنا.

تتغاضى نادية عن ذكْر خيانات زوجها لمحمود خجلاً، وستراً لزوجها، ثمّ تفتح الورقةَ التي أعطاها لها محمود، فتقرأ:

لا تدخلي
وسددت في وجهي الطريق بمرفقيك… وزعمت لي
أن الرفاق أتوا إليك… أهم الرفاق أتوا إليك
أم أن سيدةً لديك… تحتل بعدي ساعديك؟

 وصرخت محتدماً: قفي! والريح … تمضغ معطفي
والذل يكسو موقفي … لا تعتذر يا نذل لا تتأسف
أنا لست آسفةً عليك … لكن على قلبي الوفي
قلبي الذي لم تعرف … ماذا لو أنك يا دني … أخبرتني
أني انتهى أمري لديك … فجميع ما وشوشتني
أيام كنت تحبني … من أنني
بيت الفراشة مسكني … وغدي انفراط السوسن
أنكرته أصلاً كما أنكرتنيلا تعتذر
فالإثم … يحصد حاجبيك وخطوط أحمرها تصيح بوجنتيك
ورباطك … المشدوه … يفضح
ما لديك … ومن لديك
يا من وقفت دمي عليك
وذللتني ونفضتني
كذبابةٍ عن عارضيك
ودعوت سيدةً إليك… وأهنتني
من بعد ما كنت الضياء بناظريك
إني أراها في جوار الموقد … أخذت هنالك مقعدي
في الركن … ذات المقـعد
وأراك تمنحها يداً … مثلوجةً … ذات اليد
ستردد القصص التي أسمعتني
ولسوف تخبرها بما أخبرتني
وسترفع الكأس التي جرعتني
كأساً بها سممتني
حتى إذا عادت إليك … لترود موعدها الهني
أخبرتها أن الرفاق أتوا إليك
وأضعت رونقها كما ضيعتني

*****

تذكّرت نادية الكلماتِ التي سمعتْها مع محمود، وأنّ فايزة غيّرت في مضمون الكلمات، فغنّت:

يا مَن وقفتُ دمي عليكَ وذللتني ودعوت سيدة إليك

ونسيتني من بعد ما كنت الضياء بناظريك

كمْ أنتَ مثّقف يا محمود، شعر وتاريخ وحكايات وسياسة، أشياءُ كثيرة ترويها علِّي، فأشعرُ كمْ نحن صغارٌ أمامَ هذا العالم كقطراتِ مياه وسطَ بحر… تُرى ما هي حكايتُك أنتَ الآخر؟

[1] سبقت الإشارة إلى ذلك الحادث.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: