قصة قصيرة

وصايا في عيد زواج بقلم حنان حامد

 حنان حامد ( نونا ) 

 … أولًا أُعرِّفكم بها … هي امرأة تجاوزت من العمر ستين عامًا.. ومضى على ذكرى زواجها بضعٌ وأربعون عامًا .. لم يكتب الله لها رزقًا من البنين أو البنات … فقط رزقها حب زوجها، ومحبته بقلبها .. وكفى به من رزقٍ ..قرر زوجي بالأمس القريب اصطحابي لمنزلها.. بعد أن قررنا قضاء أُمسيَّة احتفالنا بذكرى زواجنا بينهما دون غيرهم .. هاتفتها أولًا قبل ذهابنا؛ لتكن على أُهْبة استعدادها لاستضافتنا … وبالفعل رحَّبت بالفكرة .. وبدا على صوتها ما لم يكن واضحًا بادئ الأمر من الإعياء والحزن.. فتهلَّلت أسارير تلك الوالدة التي لم تنجبني مجرد وصولنا عندها… وكلَّلتنا بالحفاوة والتِّرحاب على أتمِّ وجهٍ .. تجاذبنا أطراف السمر والفضفضة كعادة اجتماع النساء بمكانٍ ما… هذا كلُّه ونحن نحضِّر سويًّا ترتيبات احتفالنا معًا.. فأسرني حديثها عن زوجها بهذه المثالية والحب والشوق، وكأنها لا تزال مخطوبةً له ..ولم يتمَّ زواجهما بعدُ …

قالت واسترسلت:

«تعرفي يا نوونا .. مع إننا أنا وعمك مختلفين من فترة .. وهو نايم في أوضته الخاصة بيه، وأنا في أوضتي … ومفيش ولا كلمة، ولا أي حوار دار بينَّا في أي حاجة من أيام طويلة عشان ما يزيدش الخلاف بينَّا … إلا إنِّي كل يوم أستنى ساعة الفجر يخرج من أوضته .. ويتحرك ويمشي في الطرقة، ويتوضَّا لصلاة الفجر … ولو اتأخر شويَّة في النوم بحسِّ إن سقف أوضتي هيقع فوق راسي .. وفورًا بَمْسِك تليفوني، وأتصل عليه أطمن … دا أنا روحي فيه … دا نفَسُه في البيت الواسع دا بمليون ابن وحفيد … أنا كنت بقعد أقرا في كتب يوسف إدريس والعقاد وأنيس منصور ومحفوظ .. وأحس إنهم بيكتبوا كلامهم عنه هوَّ..هو البطل الوحيد اللي ممكن أي كاتب يوصف مزاياه, والوقت اللي مش موجود فيه بالبيت بقعد أشغل كل تفكيري: إيه اللِّي يرضيه ويفرحه لما يرجع أعمله ليه، وأسعد قلبه …

سألتها أنا : ولحد دلوقتي ما زهقتوش من بعض؟ولا الحب بقى عادي كده!.. دا إحنا بقالنا سنتين جواز وحاسَّة إني شعري أبيض، والجواز عجِّزني … ودفن الرومانسية جُوَّايا!

قالتلي: ربنا يديم حِسكوا على حسِّ بعض .. ولا يخلص الحب بينكم أبدًا يا نونا .. تعرفي أنا إيه اللي بيجدد الحب بينَّا أنا وعمِّك كدا؟ … إن إحنا بنعيش كل يوم مع بعض كأنه آخر يوم بنعيشه في الدنيا، وهنموت بعدها.. ولازم كل حد فينا يسيب التاني وهو مش مزعَّله في أي حاجة … وسايبله أحلى ذكرى .. وأجمل معاملة.. صدقيني أنا لما بفكَّر ولو للحظات وأنا زعلانة منه إني إزاي هعيش من غيره .. بحس إن قلبي اتخلع من صدري، ومش قادرة آخد نَفَسِي .. يا رب يجعل يومي قبل يومه، وما أشربش مرار فراقه أبدًا .. وتفرحي يا نونا وتتهنِّي بأحمد .. والسنة الجاية لو إحنا عايشين تحتفلوا بسبوع النونو عندنا».

    يا الله … خبِّرني، كم حجم قلب تلك المرأة؟!… شَابَ شعرُها .. ولكن أبدًا قلبها لم يشب .. توقفت دنياي على أعتاب كلماتها تلك.. وجدت قلبي يتَّسع وينشرح بإنصاتي التامِّ إليها .. وعقلي يتضاءل أمام مثاليَّتها ..

     مضت الساعات بيننا .. وإذا بجوِّ البهجة والحوار والتقاط الصور والفيديو .. قد غيَّر مزاجهما بالكليَّة .. وجلس إلى جوارها، وأطعمها الكيك، وأعطاها العصير .. وطلب مني أنا وزوجي أن نلتقط لهما بحاسوبه الشخصي صورًا تجمعهما وحيدين .. وأخرى ونحن معهما …

انقضت اللحظات الجميلة تلك، وبمنتهى السرعة وإذا بالساعة الثانية عشرة صباحًا تدقُّ .. وإذا بنا قد حان وقت مغادرتنا رغمًا عنَّا … وفي طريق عودتنا لبيتنا .. صارعتني الأفكار الرائعة التي وجدتني قد عدتُ محملةً بها في رحم عقلي …يا لروعة هؤلاء المُسنِّين .. تقدمت بهم الخطوب والتجارب .. ولا يزالا يحملان بداخلهما روحين رائعتين .. ونموذجين أبهجا عينيَّ ..وعندما تعجبنا الروح، تعجبنا الملامح .. وإن لم تكن جميلةً ..

     تعلَّمت منهما الكثير والكثير,  ولكن خلق الإنسان من النِّسيان .. وتجنبًا لغفوتي عن هذا الكنز الثمين,  هرولتُ إلى مُدوَّنتي، وكتبت بها بتاريخ ذكرى زواجنا:

   «إنه في صباح الثامن عشر من شهر أغسطس,  أوثق درس العام والعمر ممَّن أشارت لي بأن الحياة تسير في اتجاه نصائحها قائلةً: مهما كانت قوَّتنا، ومهما كانت ثقتنا بأنفسنا.. فلابد أن يكون بدربنا رفيقٌ نثق به .. ونركن إليه في وقت الشدة ..

    وأوصتني أن الخلاف قائم في كل بيوتنا باختلاف طبقاتها .. ولكن رَحِمَ اللهُ مَن أذابها بكلمةٍ طيبةٍ .. بمبادرة عفو يشفع لها إحسان قدَّمه أحدهم لقلوبنا ..وعلَّمتني كيف أبادر بفكرةٍ طيبةٍ من أجل مَن أحبُّ …ولو أن أدفع صدقةً بنيَّة فكِّ كُربته دون علمه.. هذا إن علمت أن حبيبي أو أحدًا من أحبَّتي مهمومٌ لخَطْبٍ ما … هكذا أخبرتني,  كما علَّمتني أيضًا أنه لا أحد كبير على الحب .. ولو أنك تحب أحدهم .. فأخبره بحبك بكل الطرق.. فكثيرًا ما تتحطم قلوبٌ … ليس بسبب كلمات قيلت .. بل بسبب كلمات لم تُقَلْ, وكما أخبرنـي أحدهم من قبل أن: «القلب ليس له ضفائر تشيب مع تقدم العمر»، أُذكِّركم ونفسي بمقولته.. ولا حرمكم الله من أهمِّ ما يميز إنسانيتكم .. ويتوِّج قلوبكم .. إنه الحب.. والحب فقط ..».

ثمَّ أغلقتُ مُدوَّنتي, واحتضنت وصاياها، ورحتُ في نومٍ هانئٍ قريرة القلب والعينين .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: