حوارات

همسات وصرخات عن حكاية ما انحكت

فارس الحلو: أحلامي هي مشاريعي

حوار مع الممثّل والناشط الثقافي والحقوقي فارس الحلو


في حوار مع حكاية ما انحكت، يحكي الممثل السوري الشهير فارس الحلو عن الفن والتمثيل وعن نشاطاته الحقوقيّة والثقافيّة ولا سيما تأسيسه لمنظمة ناجون في فرنسا، ويحكي عن حياته في فرنسا والتي يسميها “المنجى وليست المنفى” ، كما يتطرق إلى الحديث عن ذاكرته وعن مشاريعه الثقافية قبل اندلاع الثورة السوريّة في العام 2011.

 14 كانون الأول 2021

 دلير يوسف

كاتب ومخرج وصحافي من سوريا، أخرج عددًا من الأفلام السينمائيّة منها: “منفى”، و”بانياس: البدايات”، و”أمراء النحل”، و”القصيدة الأخيرة التي أراد شتيفان بوخفالد أن يكتبها”. صدر له مطبوعًا: “حكايات من هذا الزمن” (2014)، و”صباح الخير يا أحبّة” (2020)، و”قاعدة الخوف الذهبيّة” (2022). مقيم حالياً في برلين- ألمانيا.

فارس الحلو، اسم أشهر من أن يُعرّف في سوريا، يعرفه كلّ متابعي المسلسلات السوريّة بعد أن طبع شخصيات قام بتمثيلها في ذاكرة المشاهدين/ات. كما يعرفه الناشطون/ات في المجتمع المدني السوري، وهو من أطلق ملتقى النحت الأول في مشتى الحلو في العام 2006 ولاحقًا ملتقى الرسم الدولي الأول في سوريا في العام 2008، كذلك قام بتأسيس تجمّع البستان للثقافة والفنون في بدايات العام 2011، وبعد أن غادر سوريا مُجبرًا، أسّس في فرنسا منظمة ناجون بهدف محاربة ثقافة الإفلات من العقاب من كلّ الأطراف.

حاورتْ حكاية ما انحكت فارس الحلو بهدف الحديث عن الفن والثقافة والسياسة والحقوق وذاكرة فارس الحلو الشخصيّة. استمر تنسيق هذا الحوار شهورًا طويلة عن طريق رسائل إلكترونيّة متبادلة، إلى أن وصل إلى صيغته النهائيّة، وقد حُرّر هكذا بشكله النهائي لتسهيله على القرّاء والقارئات.

  • منذ فترة شاهدت بالصدفة الفيلم القصير “سهرة مهذبة” وهو من بطولتك ومن إخراج بسام كوسا وإنتاج العام 1999، أصابني نوع من الحزن، أو خيبة الأمل، على خسارتك كممثل من الطراز الرفيع، ولأنّ الحياة والثورة والسياسة أخذتك بعيدًا عن الفن وخاصة أنّك تُعد من أشهر الممثلين السوريين الذين وقفوا ضدّ الديكتاتور، حتى فقدت بيتك ومشغلك وحياتك واضطررت إلى التخفي ومن ثمّ الهرب مع عائلتك خارج سوريا، والإقامة في فرنسا. كلّ ذلك تمّ توثيقه في فيلم من إخراج رامي فرح. منذ خرجت من سوريا وأنت تنشط في مجالات عديدة، ومعظمها أنشطة سياسيّة، بمعنى أو بآخر، وقلّ عملك الفني بشكل كبير جدًا. ألا تفتقد التمثيل والفن؟ وكيف هي حياتك دون التمثيل وأنت الذي قضيت حياتك كلّها تقريبًا، إلى ما قبل انطلاق الثورة، ممثلًا؟

بعد قيام الثورة حصلت انقطاعات طويلة في عملي الفني، مردها إلى موقفي الرافض مشاركتي في أيّ عمل يتواجد فيه فنانون سوريون قبّلوا الحذاء العسكري بطريقة أو بأخرى، بالإضافة إلى افتقادي الشديد إلى نصوص دراميّة مواكبة لأكبر مأساة إنسانيّة بعد الحرب العالمية الثانية.

كان حظي طيبًا في العمل في المسلسل الفرنسي الممتاز Le bureau des legends (مكتب الأساطير)، في دور شخصيّة أمنيّة واقتصاديّة وابن عم بشار الأسد، نص كُتب بعناية فائقة ويستند إلى معلومات دقيقة ومدروسة، بعكس طريقة الشلف التي تُكتب فيها أغلب النصوص العربيّة، وخاصة السوريّة منها، التي تتعمد كلّها على إغفال جذور مأساة السوريين والالتفاف عليها، والاكتفاء بصور ونتائج الحرب بأحسن الأحوال.

بالإضافة إلى هذا العمل قمت بالمشاركة في عمل مسرحي أوبرالي على أحد أهم مسارح الأوبرا في باريس، وقد كان موضوعه فلسفيًا صوفيًا، وغير ذلك شاركت في عدد من الأفلام السينمائيّة، لكن كلّ ما سبق لم يلبي توقي الشديد إلى تجسيد لمحات إبداعيّة خالصة الصدقيّة من العقد الأخير من حياتنا.

أبدًا، لن يمكنني أن أعود إلى ما كنت عليه، وبخاصة أنّ سمة الأعمال الفنيّة اليوم هي الالتفاف والخداع وتغييب الحقائق وتمييعها، وهذا ليس غريبًا على النظام الإعلامي العربي المشهود له بالمهنيّة الأمنيّة والتنسيق المتكامل.

  • في فيلم رامي فرح “فارس حلو… حكاية ممثل خرج عن النص” تلاحقك الكاميرا في كلّ مكان، يشعر المُشاهد بثقل تواجدها. الصورة صعبة والقصة، رغم إنّها قصة شخصيّة، إلّا أنّها تلامس جوانب عديدة من حياة الكثير من السوريين. حدّثنا عن شعورك عند مشاهدة الفيلم للمرة الأولى بعد انتهاء عمليات إنتاجه.

أعتقد أنّه أول وآخر فيلم سينمائي في حياتي لا أكون فيه ممثلًا.
في كلّ مرة أشاهده فيها، يبحر الفيلم بي في ذكرياتي الشخصيًة ويذكّرني بالمنسيّة منها، ودائمًا وبطريقة لا إراديّة يدفعني إلى تنبيهي بأنّني في عالم جديد وبعيد وصلت إليه بعد قصفي ببرميل متفجر غير مرئي.
دائمًا، تثير لقطات الفيلم في نفسي غصّة ودهشة وألمًا وفخرًا في آن، ليس بمقدوري أن أرى الفيلم كمتفرج، فأنا ما زلتُ الفيلم.

  • في إحدى لوحات مسلسل “بقعة ضوء” تقود “ثورة الكومبارس“، وهي ليست الحلقة الوحيدة التي قمت بتمثيلها والتي تحمل معانٍ سياسيّة لا تخفى، كما أنّك أسّست سابقًا “ملتقى النحت العالمي” في البلدة التي تنحدر منها (مشتى الحلو)، كنوع من مقاومة الديكتاتوريّة عن طريق الفن. احكي لي قليلًا عن هذا النوع من المقاومة. عن شعورك في السنوات التي سبقت الثورة وأنت تقوم بمثل هذه “الأنشطة السياسيّة”. قل لنا ما الفرق بين ما كنتَ تقوم به آنذاك وما تقوم به الآن.

أنشطة سياسية؟ لا أعتقد أنّها كذلك، بل هي أنشطة حقوقيّة ذات صبغة فنيّة وثقافيّة، تنبع من إحساسنا بمواطنيتنا المفقودة منذ عقود طويلة ورغبتنا باستنهاض هذا الإحساس الجميل وتجذيره فينا. بدأتُ هذا النوع من النشاط المدني في العام 2006 واستمر حتى اندلاع الثورة السوريّة في أواسط آذار 2011، وكانت الفعاليات ذات طابع فني محض منعًا لإثارة مخاوف السلطة منها، واستطاعت أن تترك أثرًا طيبًا في المجتمع بقدر ما تسببّت له بصدمة عميقة من قناعاته المزيّفة؛ تلك القناعات التي جهدت سلطة الأسد في نشرها و تجذيرها في نفوسنا ونفوس شباب وشابات المجتمع السوري، منها مثلاً؛ خلق الشبهات والشك الدائم بأصحاب أيّ عمل تطوعي في سوريا، واعتبارهم من دون أيّ مراجعة مرتزقة لجهة ما (في حال لم يكونوا منتمين إلى إحدى جهاتها النافذة)، أو اعتبارهم فاشلين وحالمين.

استطعنا حينها إثارة اهتمام شرائح واسعة من المجتمع المدني المتخوف من أيّ مبادرة وتشجيعه على المشاركة، فكان النجاح ملازمًا لكلّ الفعاليات التي أقمناها.

من الطرائف التي واجهتني مع الاستبداد في إقامة تلك الفعاليات، أنّي كتبتُ نص إهداء أحدها، وهو ملتقى الرسم الدولي الأول في سوريا 2008 : “إلى كلّ من علّمنا حبّ الحريّة والفن والآخر”، فكان مصير هذا الإهداء التعتيم الإعلامي التام!! حينها ظننت أنّه سقط سهوًا، فقد كنّا ساذجين عن درجة رعب السلطة من هذه المفردات.

في السنوات التي سبقت الثورة السوريّة كان منسوب التطرف الديني قد نما بإشراف أمني من أجهزة الاستخبارات السوريّة كحاجة استراتيجيّة تدعم استمرار حكم العائلة التي بدأت تفقد ذريعتها السياسيّة (القضيّة الفلسطينيّة) في حكم الشعب السوري منذ أن دفعها المجتمع الدولي إلى مفاوضات مدريد 1993. وكان لاضمحلال استئثار السلطة بالقضيّة التاريخيّة للسوريين (تحرير الجولان وإعادة الحقوق المغتصبة للشعب الفلسطيني) والتي استند عليها حكم العائلة طيلة عقود كركيزة أساسيّة لاستمراره في نهب الثروات الوطنيّة وتعطيل مقدرات الشعب السوري من جهة، وبالإضافة إلى غزو العراق في 2003 وسقوط سلطة صدام حسين، التوأم اللدود للبعث السوري، من جهة ثانية، وجدت السلطة نفسها في مأزق وجودي خطير، فكان لابد من استنهاض التطرف الديني وتغذيته وإدارته كونه صالحًا لشغل المكان الشاغر للعدو المفقود وبخاصة أنّ هذا الخطر يعرفه الغرب جيدًا فيصبح لزوم استمرار حكم العائلة ضرورة دوليّة.

في هذه الأجواء السياسية الملبدة بجريمة اغتيال الحريري واعتقال مثقفين سوريين على إثرها، وفتح الطريق أمام مسيرة التطرف الديني المطلوب في منطقتنا من خلال اغتيال سلسلة من الشخصيات الوطنيّة اللبنانيّة العلمانيّة المناوئة للتيار السياسي الديني بالعموم وبخاصة التيار السياسي الديني الشيعي ممثلًا بحزب الله، كان المثقف السوري يزداد نبذًا وإحباطًا وعجزًا.

كان غضبي عميقًا وهادئًا وملهمًا، فأنطتُ بنفسي مسؤوليّة القيام بمبادرة هدفها إنعاش ما يمكننا إنعاشه لمجتمع يبدو وكأنّه ميت سريريًا، فاقدًا لأيّ انتماء، وذلك من خلال إقامة حدث فني وثقافي جاد يستطيع أن يجلب فضوله واهتمامه ويحرك مستنقعًا اجتماعيًا راكدًا، ويترك آثارًا ماديّة لعقود طويلة.

وجدت في بلدتي قدرات كامنة وصالحة لإطلاق هذه المبادرة، فكانت البداية بإقامة حدث فني وثقافي غريب عن ثقافة المنطقة “ملتقى النحت الأول في مشتى الحلو” في العام 2006. تكفلت وقريبي المغترب بتمويل الجزء الأكبر منه، جعلت أسلوب النحت فيه هو التعبير الواقعي بهدف الاقتراب من حدود الذائقة البصريّة العامة كمرحلة أولى، مع افتتاح نادي للأطفال لتعليمهم مبادئ فن النحت.

في السنة التالية 2007 أقمت ملتقى النحت الدولي في مشتى الحلو مع زيادة في الفعاليّات المرافقة، مثل معرض كتاب استمر ثمانين يومًا بيع فيه ما قيمته مليون ليرة سوريّة (ما عادل في ذلك الوقت حوالي عشرين ألف دولار أمريكي)، بالإضافة إلى إقامة ورشات كبيرة لتعليم الأطفال فن الرسم والنحت وتركيب الفسيفساء والتصوير الضوئي، وتمّ توزيع الأعمال في ساحات وشوارع ثلاث بلدات.

في العام 2008 أقمت ملتقى الرسم الدولي، من فنانين مغتربين عن أوطانهم سوريين وغير سوريين، وبالرغم من تفخيخ المشروع ومحاولة سرقته من قبل وزارة المغتربين التي وعدت بتأمين التكلفة، ثمّ انسحبت في اللحظات القاتلة بحجّة عدم تأمين التمويل المناسب، بغرض إخراجي شخصيًا من المشروع والتفرد بتنفيذه مع فنانين تابعين للسلطة، إلّا أنّني قررّت تجاوزهم وتكفلت بتمويله ذاتيًا مع مساعدة من أصدقاء، واستطعت إقامته في المتحف الوطني في دمشق وحقق تفاعلًا كبيرًا وكسبت كمواطن سوري شرف إقامة أول ملتقى دولي للرسم في سوريا، بالرغم من وجود مؤسسات حكوميّة عمرها عشرات السنوات منوط بها القيام بهذا النوع من الفعاليات الدوليّة.

بالإضافة إلى ما سبق قمت بتكريم عدّة فعاليّات فنيّة وثقافيّة سوريّة، ومن ثمّ بدأت بتأسيس البستان للثقافة والفنون، وهو مشغل فني وثقافي يحوي سينما ومسرح في الهواء الطلق، مع صالتين للعرض والفعاليات الصغيرة وصالة كبيرة للتدريب، ليكون متنفسًا للفنانين الشباب الموهوبين والمحرومين من نعم السلطة وكرمها، وانتهى إعداده في مطلع العام 2011.

أمّا اليوم فنحن في وضع مختلف تمامًا. فقد حصلت لدينا قفزات كبيرة في الوعي والنضج والاكتشاف، وبخاصة بعد ما مررنا فيه من تجارب صادمة على كلّ الأصعدة السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والفنيّة والأخلاقيّة إثر اندلاع الثورة الشعبيّة السوريّة.

  • لننتقل بالحديث إلى نشاطاتك السياسيّة خارج سوريا، وربما كان أبرزها تأسيس “ناجون” والتي ترفض تصنيفها كمنظمة غير ربحيّة أو جمعيّة. احكي لنا قليلًا عن “ناجون” وعن نشاطاتها.

أنت تراه نشاط سياسي وأنا أراه نشاط وجودي. ناجون هي مبادرة أطلقتها مع فنانين/ات وكتّاب/كاتبات وإعلاميين/ات وحقوقيين/ات سوريين/ات من أجل وضع الأساسات لبناء مجتمع سوري جديد، تجمع أفراده قضيّة، ويملكون القدرات والطاقات والإمكانيات للقيام بمشاريع ترسم في محصلتها خطوطًا في هويتنا الجديدة الناشئة، هويّة ترتكز على العقل والعدالة والسلام، وتبني ذاكرة صلبة لأحفادنا من الناجين والناجيات من المعتقلات السوريّة.

لاشك أنّنا كسوريين عشنا السؤال الوجودي (اليوم، من نحن؟) وبخاصة بعد تمزقنا الاجتماعي وتشظينا في أنحاء المعمورة. في البحث عن الإجابة؛ وجدنا أنّ كلّ التوصيفات المعروفة لحالتنا الجديدة قاصرة عن التعبير، فلا يمكنك مثلًا أن تعرّف عن نفسك بأنّك سوري، فهذا لن يميزك عن القاتل، فهو سوري أيضًا، ولن يكفيك التعريف بصفة (ثائر) لأنّ الأطراف الظلاميّة استولت على هذا المصطلح وفرّغته من مضمونه، ولا يمكنك أن تطلق على نفسك لقب (معارض) فهذا يعني أن معركتك مع السلطة الحاكمة تتضمن اعترافًا بها، بينما هي مدانة ومطلوبة للقضاء الدولي، كما أنّه لا يمكنك أن تكتفي بصفة لاجئ سوري فهذا قد يحيلك على الأغلب إلى العديد من اللاجئين الباحثين عن فرص حياة من دون موقف واضح.

نحن اليوم، من حملنا خطاب الحريات والحقوق وما زلنا، وجدنا أن توصيفنا الجمعي بالناجين/ات من المعتقلات السوريّة، هو الأكثر صدقيّة في التعبير عن حالاتنا، خاصة أن تعريفنا لا يقتصر على من دخل منا المعتقلات السوريّة وخرج حيًا بالصدفة، بل على كلّ من تفادى وما زال يتفادى الاعتقال أيضًا، وهم أيضًا كلّ من خاف المشاركة العلنيّة في الثورة خشية الاعتقال.

قضيتنا الوجوديّة قضيّة أخلاقيّة فوق السياسيّة، عنوانها محاربة ثقافة الإفلات من العقاب من كلّ الأطراف، أفرادًا وتنظيمات ودولًا، وبكلّ الوسائل الحقوقيّة والإعلاميّة والثقافيّة والفنيّة، وبناء مجتمع عصري وحرّ، خال من ثقافة التبعيّة والاستزلام.

سعينا الحثيث هو الخروج من مستنقع المظلوميّة البائسة وأن نكون أندادًا وشركاء في المجتمعات التي نقيم فيها.

باختصار، نحن ذاهبون باتجاه تشكيل مجتمع سوري جديد، حديث و معاصر، صالح للانتماء والعمل فيه، مجتمع يشكل بذاته تربة صالحة لاستنبات حركات فكريّة متنوعة يجمعها كلّها قيم إنسانيّة نبيلة على رأسها العدالة.

  • ما هو المنفى؟ ما الذي تعطيك إياه فرنسا ولم تحصل عليه في سوريا، والعكس أيضًا، ماذا تفتقد من سوريا ولا تجده في فرنسا؟ وهنا لا أحكي عن الطعام والعادات، بل عن المشاعر والعواطف والعلاقات والحريّات… الخ. مثلًا: هل تغيرت علاقتك مع زوجتك الفنانة “سلافة عويشق” ومع ابنتيك في فرنسا، عمّا كانت عليه في سوريا؟

هو المنجى وليس المنفى بالنسبة لي. لم أشعر يومًا بالاغتراب، فأنا محاط بأصدقاء طيبين كلّهم من الناجين/ات ممّن حملوا خطاب الحريّات والحقوق. أستطيع أن أسافر إلى أي بلد لأجد ناجيًا سوريًا مستعدًا لاستقبالي، نستطيع هنا أن نفكر ونفعل كلّ ما كان محظورًا علينا في سوريا الأسد، لدينا فرصة طيّبة لتأسيس ماهو جميل وحيوي لأحفادنا، خاصة أنّ الناجين السوريين في أوروبا يملكون مساحة طيّبة من التعبير نادرًا ما تتوافر للناجين السوريين المنتشرين في دول الشرق البائس.

علاقتي بزوجتي وبفتياتي طرأ عليها الكثير من التغيير، فقد اكتشفت في زوجتي قدرات طيّبة لم أكن أعرفها في سوريا، وكذلك ابنتاي الاثنتين، فقد نضجتا بسرعة مذهلة، ودخلتا سوق العمل، وانفصلتا سكنيًا عنّا.

هذا النجاح يذكرني بالقيود الثقيلة على طموح الشباب/ات السوري/ات الرازحين تحت نير كلّ سلطات الأمر الواقع في سوريا.

  • سؤالٌ أخير وأتمنى أن يتسع صدرك لسؤال بهذه الخصوصيّة، بماذا تحلم؟ أقصد حين تنام، ما هي الأحلام التي تنتابك؟ وكيف تتعامل معها؟ أسأل هذا السؤال لأنّني عملت سابقًا مع مجموعة من السوريين وحكايات أحلامهم، حكوا لي أحلامًا تبدو بمجملها متشابهة. وكذلك حكى لي الروائي المصري أحمد الفخراني في حوار أجريته معه سابقًا إنّه يستعمل أحلامه في رواياته. ما هي أحلامك؟ وكيف تتعامل معها؟

أحلامي هي نفسها مشاريعي. حقًا أنا لم أحلم بذكريات لافتة سواء كانت شخصيّة أو عامة حتى الآن.

بالنسبة لي، أحلامي هي كلّ ما أتصوره أو يخيّل لي من أفكار وخيالات في موضوعنا السوري؛ هويتنا الجديدة، شكل المجتمع الجديد، التخلص من القبح العام، إفساد خطاب الكراهيّة… وغير ذلك.

أحلامي هذه، وأحلام الشبيبة المبدعة في شبكة ناجون المتنامية هي عالمي الخاص.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: