أبحاثأدب الأطفال

هانم العيسوي تكتب ” التربيّة الجنسيّة ومكانتها في منظومة القيم الإسلاميّة المرصودة في أدب الأطفال العربي ” (جزء 1 )

د. هانم العيسوى 

 

تثار – في أثناء تحليل أدب الأطفال – أسئلة تتعلّق بالأهداف التربوية والسلوكيّة والمعرفيّة والعاطفيّة، ومناسبته للمرحلة العمريّة، وللمعايير الإبداعيّة والأدبية؛ بغية إثراء إبداعات الطفل ومواهبه، وهذه الأسئلة وإن كانت حاضرة في الماضي، إلّا أنّ استخدام وسائل الجذب الإلكترونيّة في ظلال ثورة التكنولوجيا والاتصالات؛ منحت أدب الطفولة المعاصر أبعادًا جديدة، وأثرته بطاقات طفليّة وشبابيّة فاقت الكبار بالعطاء الإبداعيّ، حتّى صار أدب الطفولة[1] من أهمّ القضايا التي يتنامى الاهتمام بها بشكل مطّرد في المجتمعات المتحضّرة.

ولعلّ الأجيال التي نشأت في بيئات متنوعة وثرية ومتعددة الوسائط تتوقع على نحوٍ متزايد ترى بعيون مغايرة لم امتلكته الأجيال السابقة، وعقول منفتحة على نتائج الثورات العلمية المعاصرة التي فاقت خيال الأجيال السابقة بأزمنة عديدة.

إنّ هذا البحث يحاول أن يلقي الأضواء على فاعليات أدب الطفولة من منظور مختلف لما هو سائد في أوساط المؤسسات الثقافية العربية؛ فقراءة موضوعات معاصرة  تقضي أن تكون معالجات الكتب مستمدّة من روح العصر التي تتجدد في كلّ لحظة، وأن تكون تقنياتها متجددة أيضًا، وهذا يستدعي أن تحمل الإبداعات قيمًا جديدة، وأن يكون المتصدي لها أشخاصًا آخرين، مدركين ضرورة تغيير الواقع الاجتماعيّ وأنسنته وتحديثه؛ بما ينسجم مع الجديد العالميّ،  ومدركين أيضًا أن مؤلفات أخرى من النصوص تختلف عن تجارب أدبية سابقة في أدب الطفولة العربي، لابدّ أن يشقّ طريقه وسط التخلف والقهر والجهل التي لا تزال جاثمة على عقول أبناء الأمة وسلوكهم.. لابدّ أن يخرج أدب الطفولة من قمقم القيم التي تلغي إنسانية الإنسان، وتحطّم الطفولة نتيجة الجهل بالعلوم المعاصرة، لا بدّ من إشراك جيل الطفولة في قراءات نقدية جماليًّا ومعرفيًّا وسلوكيًّا حتّى  تحدد لهم أدوارًا مختلفة؛ بصفتهم مشاهدين ولاعبين وقراء ومنتجي نصوص، وذلك عن طريق انصهار الوسائط المختلفة، مما يتيح طرقًا مبتكرة  للكتابة؛ تولِّد بدورها ألوانًا جديدة من القصص والأنشطة الطفليّة المتعدّدة.

إنّ هذه الدراسة مكوّنة من أفكار عدة أهمّها: تطور مناهج أدب الطفولة تاريخيًّا مع إجراء مقارنة بين قيم المجتمعات القروسطية والمعاصرة، وفهم مراحل نموّ الطفل وفق مدرسة التحليل النفسيّ وتطوراتها اللاحقة، وأخرى تتعلق بقراءة في اضطرابات الطفولة النفسيّة والتربيّة الجنسيّة المعاصرة، إضافة إلى خصوصيات المجتمع العربيّ الإسلاميّ وقيمه؛ التي تحكم أبناءه المتعارضة مع المنظومة المعرفية الحديثة، ثمّ قراءة محتوى مجموعات منظومة القيم الإسلامية الاجتماعية المعالجة في أدب الطفولة العربي، وأخيرًا آفاق المستقبل واقتراحات لولوج كتّاب أدب الأطفال في مشكلات الطفل وفق معطيات الثورات العلميّة المعاصرة، مع التركيز على إمكانيّة تحفيز جيل الألفيّة الرقمي، المختلف عن الأجيال السابقة بكثير من السمات الشخصية والقيم والأفكار؛ للإسهام بالكتابة للأطفال ومعالجة مشكلاتهم؛ التي أدّت بهم نحو التهميش والقهر والجهل بأنفسهم.

التطور الجنسيّ لدى الأطفال

يبدأ اهتمام الأطفال بأعضائهم التناسليّة في نهاية سنّ الثانيّة، ويظهرون الرغبة في الاستطلاع الجنسيّ، ويستمرون بهذا السلوك حتّى سنّ المراهقة، ولعلّ ميول الأطفال إلى مداعبة أعضائهم الجنسيّة والنظر إلى الأجساد عاريّة أمرٌ طبيعيّ، ولكن حينما يتدخّل الكبار ويكثرون من تأنيب أطفالهم وعدّ ما يقومون به عيبًا أو حرامًا، وإخضاعهم بالترهيب والترغيب والتعنيف من أجل إبعادهم عن معرفة أجسادهم، يؤدّي بالأطفال إلى التمادي بسلوكهم لإشباع حبّ الاستطلاع الجنسيّ، وغالبًا ما يهدأ نزوع الأطفال نحو الاستطلاع في نحو عمر الست سنوات، وتكمن حتى سنّ المراهقة، إذ تبدأ تلك الأحاسيس بالظهور مرّة أخرى.

 إنّ سلوك الأطفال الطبيعيّ مع أجسادهم، قد يتحوّل إلى غير طبيعيّ نتيجة ردود فعل الأهل وتربيتهم المتخلّفة، ومن ثمّ يبدأ الانحراف، الذي يكثر لدى الأسر المحافظة؛ والتي يرفض فيها الأبوان الإجابة عن تساؤلات الأطفال متذرعين بمفاهيم العيوب للأنساق الثقافيّة المهيمنة على المجتمع، والحرام المتعلق بتعاليم دينيّة متوهمة في عقولهم، أو يجيبون عن أسئلتهم أجوبة لا تمت بصلة للحقيقة والعلم، ثمّ يرجعون لمراقبة أطفالهم وتأنيبهم وإبعادهم عن ميولهم الطبيعية.

إنّ معظم ما يمارسه الأطفال من ألعاب تتعلق بحبّ الاستطلاع الجنسيّ تحدث بعيدًا عن الكبار نتيجة انفصال عالمهم عن عالم الكبار وتأنيبهم لهم، وقد يتم السلوك عن طريق ألعاب تسمى عريس وعروسة، بيت وبيت، مريض وطبيب،… ولعلّ سلوكات الأطفال التي تأخذ طابعًا جنسيًّا هي حجر الأساس بتكوّن شخصياتهم، وقد كان فرويد أول من أسّس نظرية التحليل النفسّي، إذ أرجع سلوك البشر – ومنهم الأطفال – وتكوين شخصياتهم إلى عمليات النموّ الجنسيّ وكيفية حدوثها في مجتمع ينكر أهميتها، بل يعدّها أفعالًا نجسة، وقسّم مراحل نموّ الشخصية إلى مراحل وهي:

  • المرحلة الفموية والشرجيّة

 وتتنهي بعد انقضاء سنة ونصف من عمر الطفل، تصله اللذة عبر جسده كاملًا، ويتسم الطفل بحبّه لأمّه؛ التي توفّر له تلك اللذة، وقد ذكر فرويد أنّ الطفل يميّز بعض الفوارق باللذة، وتعتريه اهتمامات شتّى؛ تلعب دورًا في تكوين شخصيته النفسيّ.

  • المرحلة القضيبية

 من سنة ونصف حتّى السنتين من عمر الطفل تزداد اهتمامات الطفل الجنسيّة، ويميّز بين اللذات التي يحصل عليها بشكل أفضل، كما يتعدى حبّه لأمّه نحو أبيه وأهله والمحيطين به، ويلحظ أنّه يشرع بإرسال قبلاته لكلّ منهم، وحينما يدخل سنته الثالثة يتأكّد له جنسه (أنا ولد، أنا بنت)، ويبدأ بالمقارنة بين عمليتي التبوّل، ويهتم بثنائية ذكر وأنثى، ويسأل عن الزواج من دون اهتمام بالجنس، إذ لا يميّز بين الجنسين في أثناء اللعب، ثمّ يبدأ بالتساؤل عن المصدر الذي يأتي منه الأطفال، ومهما كانت إجابات الكبار فالطفل لايدركه في هذا العمر، ويبدأ منذ بداية السنّ الرابعة الإمساك بأعضائه التناسليّة، لا سيّما شعوره بالحاجة إلى التبوّل، ثمّ يعرف أنّه خرج من بطن أمّه ولكن من دون معرفة الكيفية التي خرج بها، ثمّ يبدأ بعملية وعيّ أعضائه الجنسية، لا سيّما حينما يشاهد أعضاء الكبار وهم عراة، وتستمر هذه المرحلة حتى نهاية الخامسة من عمره، إذ يبدأ بفتح أبواب الأسئلة حول تركيبته الجنسيّة مع الجنسين، وتظهر الألعاب الجنسيّة، ولكن من دون تجاذب، وقد يرتدي ألبسة الجنس الآخر.

  • المرحلة الكامنة

 تبدأ من عمر السادسة، إذ يضطرب الطفل إذا تكلّم الكبار عن الجنس، ويحاول الحصول على إجابات من أمّه، ثم يستخدم يديه؛ ليستبين الفروق بين الأعضاء، ولكنّه ينحو باتجاه الابتعاد عن الجنس الآخر في أثناء المعاشرة او الألعاب، ويحاول أن يحمل أمّه، ويطرح عليها أسئلةً عن ولادتها للأطفال، وكيفية خروجهم إلى الحياة، وفي سنّ الثماني تستثار الفتيات تجاه اللعب مع الصبية ولمسهم، ويبدأ كلاً من الجنسين اختلاس النظرات لبعضهنم بعضًا، ولكنّهم يقومون بأعمال استفزازيّة، إلّا أن البنات يبدأن بالاندفاع نحو الصبية، ويسألن عن دور الأب في فعل الولادة، وعن الدورة الشهريّة، وبين سنّ الـ 9 – 11 سنة، يتبادل الأصدقاء المعلومات الجنسيّة، ويشرعون الاهتمام بأعضائهم وتفاصيلها ووظائفها، ويلهثون وراء الكتب والصور، ثمّ يحذرون أن يظهروا عراة، ويمتنعون عن تغيير ملابسهم أمام أفراد الأسرة، لا سيّما من الجنس الآخر.

  • المرحلة التناسليّة

 يشرع الطفل بتصوّر ممارسة الجنس، ويدخل عالم الخيالات ليمارس وهمًا مع جسدٍ يتخيّل قوامه، ويبدأ باستخدام العادة السريّة، فيبادر الطفل إلى ممارستها نتيجة فضوليته الفطريّة للتعرّف على جسده، وحينما تعتريه المتعة يتعلم سرعة تنفيذها، فتقلل من توتره الناتج عن الملل أو القلق أو جموحه في الخروج عن المألوف.

وقد ذكر فرويد طاقة الفرد النفسيّة (الغضبية) ليبيدو، Libido، التي تولّد اللذة والمتعات لدى الأطفال في المراحل المذكورة آنفًا وصولاً إلى مرحلة التناسل التي تحفظ النّوع، كما أثبت أنّ بنية الفرد النفسيّة تتحدد عن طرق التنشئة الاجتماعيّة وطبيعة العوامل المؤثّرة بها، ولكنّه لم يهمل بذلك العوامل الطبيعية المتعلٌقة بالجينات، التي تثبت ما للسنوات الأولى من عمر الفرد من أثر في تشكيل شخصيته، وقد أشار بشكل رئيسّ إلى حياة الفرد الجنسيّة، وإلى الاضطرابات النفسيّة المنتشرة في أوساط الأطفال، المقلقة للأهل الناتجة عن سلوكات عامّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – قوّم هذا الفصل ووسِّع عن البحث المقدّم إلى المؤتمر العلميّ الرابع عشر لأدب الأطفال في جامعة حلوان تحت عنوان: أدب الطفولة العربيّ تاريخيًّا، واقعًا وآفاق المستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: