مقالات فكرية

هانم العيسوي تكتب، دور نظم الإدارة المفتوحة في مواجهة المشكلات الاجتماعية في مصر لتحقيق التنمية المستدامة، جزء(1)

  د. هانم العيسوى

 

 

  نمت وسائل حديثة لتفعيل ودفع عملية التنمية الإدارية مع بداية الألفية الثالثة، وتخطّت السياسات الإداريّة مفاهيم تتعلق بالإصلاح الإداري إلى البحث في إعادة هيكلة بنية الإدارة العامة، والتأسيس لإعادة التفكير بالوظائف التي تؤدّيها الحكومة وابتكار الحلول الإدارية الجديدة لها بهدف إدخال تغييرات جذرية في أعمالها وتغيير أساليب إدارتها لأنشطتها وفقًا للتغيرات الطارئة المتسارعة، وهذا يتطلب إجراء عملية شاملة تتضمن إعادة هيكلة لجميع العناصر المكونة للإدارة العامة في إطار رؤية وطنية متكاملة تُحدّد الأهداف الاستراتيجية لتوجّهات الدولة، التي تتجاوز ضيق أفق الأحزاب والقوى السياسية الساعيّة للوصول إلى سدة نظام الحكم.

هذا البحث يحاول أن يلقي الضوء على بعض القضايا الاجتماعية التي لابدّ من معالجتها لتعزيز التنمية المستدامة؛ ومنها قضية التمييز والتهميش (النوع، الدين)، ومشكلات الجهل، والتخلف، والفقر، والقهر التي تزداد سوءًا، والبحث عن سبل لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة وضمان الحريات وحقوق الإنسان، وكلّ ذلك يقتضي خلق بيئة تنظيمية تحتضن التحوّلات الجديدة بمعايير مختلفة وممارسات إدارية صالحة باتباع المداخل الإدارية المعاصرة؛ ومنها نظم الإدارة المفتوحة؛ لمعالجة هذه المشكلات التي باتت مقلقة على الصعيدين الشعبي والحكومي.

   قدم هذا البحث في المؤتمر العلميّ الثاني حول العلوم الانسانية ودورها في التنمية المستدامة واستشراف المستقبل، كلية الآداب، جامعة دمنهور، في الفترة من 28- 29 سبتمبر 2019م

     احتلّ مفهوم التنمية المُستدامة بوصفه توجهًا عالميًا لتقديم أنموذج تنمويّ بديل ذي دلالات أخلاقية، وإنسانية، ومعيارية – أهمية كبيرة  لدى الهيئات والمُنظمات الدولية والحكومية والأوساط الأكاديمية منذ أن ظهر لأول مرة عام 1987م في تقرير اللجنة العالمية للبيئة والتنمية “برونتلاند” وقد وضع تعريفًا للتنمية المُستدامة على أنها:

التنمية التي تُلبي حاجات الجيل الحاضر دون الإضرار بحقوق الأجيال القادمة في تلبية احتياجاتها، وهي تعني نمطًا من التنمية لا تفرّط في استثمار مصادر الثروات الطبيعية، التي ترتكز عليها هذه التنمية، ولا تخرّبها، أي تنمية تعمل على تجديد الموارد والثروات وإعادة التصنيع بشكل يضمن بيئة نظيفة وصالحة لحياة الأجيال الحاضرة والقادمة.

وجاء في تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية ينبغي أن يكون الرجال والنساء والأطفال محور اهتمام التنميّة المستدامة، بحيث يتم نسج التنمية حول الناس، وليس الناس حول التنمية، بهدف تحسين الحياة للأجيال الحاضرة والقادمة”، كما تقترح التنمية المستدامة أنشطة لمواجهة التهديدات التي تواجه المحيط البيئي، وتطمح إلى بناء عالمٍ تزول منه ظواهر الفقر، واللامساواة، والأنانيات، ونهب الطبيعة، وانحرافات التقدّم العلمي، إضافة إلى ترشيد الموارد الطبيعية.

وتعد التنمية المستدامة، الضابط الرئيس للسياسات الاقتصادية؛ التي وصلت إليها العولمة النيوليبراليّة في تعاملها مع البيئة والثروات الطبيعيّة على نحو بدأ يهدّد شعور الإنسان بالأمان والاستقرار، بعدما كان يعتقد أن الأرض هي مصدر الثروات الذي لا ينضب، وطاقة للتجديد الطبيعي غير المحدود، وفي هذا الصدد أكّدت تقارير الخبراء في اللجنة الدوليّة لتغير المناخ، بما لا يسمح بالشكّ، أن أنشطة الإنسان هي المسئولة؛ عما وصلت إليه الأخطار على مستقبل البشرية برمّتها، لدرجة المخاوف من فنائها.

  وإذا كان مفهوم التنمية المُستدامة منذ بداية ظهوره قد ارتبط بالبعد البيئي والتدهور الإيكولوجي، إلا أنه مع بداية التسعينيات من القرن العشرين تحوّل اهتمامها إلى البعد الاجتماعي والإنساني بوصفها نهجًا إنسانيًا اجتماعيًا يهتم بمجموعة القضايا المرتبطة بجودة الحياة، والحياة الكريمة، وتعزيز الأمن الإنساني بأبعاده المُتباينة للجيل الحاضر والأجيال اللاحقة.

ولهذا قامت الكثير من الحكومات على مستوى العالم، ومنها مصر بصياغة السياسات ووضع الإستراتيجيات التي تُحقق أهداف التنمية المُستدامة بأبعادها (البيئية – الاقتصادية – الاجتماعية) في ضوء الأهداف التي وضعتها الأمم المُتحدة للتنمية المُستدامة للألفية الثالثة.

 وقد تبنّت استراتيجية مصر 2030م مفهوم التنمية المستدامة بوصفه إطارًا عامًا يُقصد به تحسين جودة الحياة في الوقت الحاضر، بما لا يخل بحقوق الأجيال القادمة في حياة كريمة، ومن ثم يرتكز مفهوم التنمية الذي تتبنّاه الاستراتيجية على ثلاثة أبعاد رئيسة تشمل البعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والبعد البيئي.

​ كما ترتكز الاستراتيجية على مفاهيم “النمو الاحتوائي والمستدام، والتنمية الإقليمية المتوازنة” بما يؤكد مشاركة الجميع في عملية البناء والتنمية، ويضمن في الوقت ذاته استفادة كافة الأطراف من ثمار هذه التنمية، وتراعي الاستراتيجية مبدأ تكافؤ الفرص وسد الفجوات التنموية والاستخدام الأمثل للموارد ودعم عدالة استخدامها بما يضمن حقوق الأجيال القادمة.

وتأسيسًا على ما سبق، ومن أجل ترجمة أهمية تطبيق نظم الإدارة المفتوحة إلى واقع ملموس يتماس مع مفاهيم تتعلق بالتنمية المستدامة، لجأت العديد من الدول، ولاسيما منها المتقدمة إلى إنشاء كليات ومراكز دراسات وبحوث لما يسمي بالدراسات المستقبلية، بغية توفير الحلول الممكنة لكل ما يظهر ويستجد من مشكلات، التي قد تبرز على السطح في الآجال القريبة والمتوسطة والبعيدة، وفي إطار التخطيط الاستراتيجي الشامل، وبناء على مقتضياته، فالدراسات المستقبلية تعد فرعًا مرنًا متعدد التخصّصات كفيلة بتحليل المعطيات بالاستناد إلى الواقع وتوجهات الأحداث لتحقيق الأهداف المنشودة.

مفهوم التنمية المستدامة، وأبعادها

في ظل التنافس العالمي بين الدول على النهوض بكافة قطاعات الدولة، واكتساب الميزة التنافسيّة في الأسواق الدوليةـ والتمكن من الوقوف بقوة في ساحة الأعمال الدوليّة بشتى مجالاتها أضحى مفهوم التنمية المستدامة أساسًا لتمكين الدولة اقتصاديّا وسياسيًا واجتماعيًا وعسكريًا وديمغرافيًا؛ إذ تسعى الدول إلى تحقيق التنمية الداخليّة لنفسها بهدف الحفاظ على سيطرتها على مواردها الداخليّة والتحكّم بها، ومنع تدخل قوى خارجية أخرى الهادفة – بشكل رئيس – إلى السيطرة عليها واستنزاف طاقاتها ومواردها والتحكم بها، بحجة النهوض بها وإعادة تأهيلها.

1- مفهوم التنمية المستدامةSustainable Development

يرتبط مفهوم التنمية المستدامة بنشاط شامل لكافة القطاعات سواء في الدولة أم في المنظمات أم في مؤسسات القطاع العام أو الخاص أو حتى لدى الأفراد، حيث تشكل عملية تطوير وتحسين ظروف الواقع، من خلال دراسة الماضي والتعلم من تجاربه، وفهم الواقع وتغييره نحو الأفضل، والتخطيط الجيد للمستقبل، وذلك عن طريق الاستغلال الأمثل للموارد والطاقات البشريّة والمادية؛ بما في ذلك المعلومات والبيانات والمعارف التي يمتلكها القائمون على عملية التنمية، مع الحرص على الإيمان المطلق بأهمية التعلم المستمر واكتساب الخبرات والمعارف وتطبيقها، ولا تقتصر التنمية على مجال واحد من المجالات الحياتيّة، بل تشتمل على التنمية الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسية والعسكريّة والإنسانية والنفسية والعقلية والطبيّة والتعليمية والتقنية وغيرها، بحيث تهدف – بشكل رئيس – إلى رفع وتحسين مستوى المعيشة لدى الأفراد، وضمان معيشة أفضل للأجيال القادمة.

 وترى منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) أنّ التنمية المستدامة([1]) هي عمليّة إدارة قواعد الموارد الطبيعية، والعمل على توجيهها نحو التغير التقني والمؤسسي بصورة تضمن تحقيق واستمرار إشباع الحاجات البشرية للأجيال الحالية وكذلك المستقبلية، كما ترى أن تلك التنمية وخاصة في مجال الزراعة والغابات ومصادر الثروة السمكية تحمي الثروة الطبيعيّة، بما فيها الأرض والمياه والمصادر الوراثيّة النباتية، وكذلك الحيوانية من أي أضرار قد تلحق بها، ولا تضر بالبيئة، كما تتسم بأنها ملائمة من الناحية الفنية والتقنية، ومن الناحية الاقتصادية قبل كلّ شيء.

2 – أبعاد التنمية المستدامة

 تفرض التنمية المستدامة نفسها بوصفها إجراءات عملية ترتكز على مستجدات العلوم لحل المشاكل المتعدّدة التي تواجه الأفراد والجماعات والمجتمعات؛ إذ تعدّ ميدانًا يتسع لتقييم المخاطر ونشر الوعي وتوجيه العمل السياسي على المستويات المحلّية والإقليميّة والدولية.

  ونظرًا إلى الترابط القوي بين الأمن الإنساني والاقتصاد، فإنّ التنمية المستدامة تمثّل فرصة جديدة لنوعيّة النمو الاقتصادي وكيفيّة توزيع منافعه على طبقات المجتمع كافة، بحيث تمنع ازدياد الفوارق بين دخول الأفراد والجماعات، لذا يجب التركيز على الأبعاد الرئيسة للتنمية المستدامة، ولعل من أهمها ما يأتي([2]):

 

1- البعد التقني

    لعبت تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات دورًا كبيرًا في تعزيز مفهوم التنمية المستدامة، حيث ساهمت في الكثير من التطور المهم لتحسين أداء المؤسّسات الخاصة، كما عزّزت أنشطة البحث، وساهمت في تحديث أنماط المؤسسة الجديدة التي تشمل حاضنات التكنولوجيا، والمدن، وحفّزت النموّ الاقتصادي، وأوجدت الكثير من فرص العمل، مما حدّ من الفقر والبطالة، وسهل وضع البرامج الهادفة إلى تحويل المجتمع إلى مجتمع معلوماتي، والعمل لتحقيق أهداف إنمائية ألفية، كما لعبت الاتصالات دورًا كبيرًا في تحقيق التنمية المستدامة، حيث ساهمت الإذاعة الريفية الموجهة للتنمية المجتمعية في تدريب المزارعين، ولا بدّ من الإشارة إلى دور شبكة الإنترنت، حيث إنّها ساعدت على ربط رجال التعليم والمرشدين الزراعيين بالباحثين، وبمصادر المعلومات، الأمر الذي ساهم في تحسين الإنتاج الزراعي.

2 – البعد البيئي

 تسعى التنمية المستدامة إلى إنجاز عدد من الأهداف البيئية، ومن بينها ترشيد استخدام الموارد القابلة للنضوب، بهدف ترك بيئة ملائمة ومماثلة للأجيال القادمة، نظرًا لعدم وجود بدائل أخرى لتلك الموارد، ولمراعاة القدرة المحدودة للبيئة على استيعاب النفايات مع تحديد الكمية المراد استخدمها بشكلٍ دقيق.

3 – البعد الاقتصادي

 تسعى التنمية الاقتصادية في البلدان الثرية إلى إجراء العديد من التخفيضات المتتالية في مستويات استهلاك الموارد الطبيعيّة والطاقة، فمثلًا استهلاك الطاقة الناتجة من الغاز، والفحم، والنفط في الولايات المتحدة الأمريكية أعلى منها في الهند بـ 33 مرة.

4 – البعد الاجتماعي

 تتضمن عملية التنمية المستدامة التنمية البشرية التي تهدف إلى تحسين مستوى التعليم والرعاية الصحية، فضلًا عن مشاركة المجتمعات في صنع القرارات التنموية التي تؤثر على المساواة والإنصاف، ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هناك نوعين من الإنصاف، وهما: إنصاف الأجيال المقبلة، وإنصاف الناس الذين يعيشون اليوم، ولا يجدون فرصًا متساوية مع غيرهم في الحصول على الخدمات الاجتماعية والموارد الطبيعية، لذلك تهدف التنمية إلى تحسين فرص التعلم، وتقديم العون للقطاعات الاقتصادية غير الرسمية، والرعاية الصحية بالنسبة للمرأة، ولجميع فئات المجتمع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو)
رابط المصدر: www. http://www.fao.org/home/ar/
[2] – للمزيد أنظر كل من:
  • ريمون حداد، “نظرية التنمية المستدامة”،برنامج دعم الأبحاث في الجامعة اللبنانية، بيروت، 2006، ص5،7
  • معتصم محمد إسماعيل دور الاستثمارات في تحقيق التنمية المستدامة، سوريا أنموذجًا، رسالة دكتوراه، جامعة دمشق، كلية الاقتصاد، 2015م، ص52، 59
  • راجع تقرير اللجنة العالمية للتنمية والبيئة، مستقبلنا المشترك، الأمم المتحدة، نيويورك، 1987، ص4، 8. تشكلت هذه اللجنة بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول العام 1983 برئاسة “برونتلاند” رئيسة وزراء النروج وعضوية (22) شخصية من النخب السياسية والاقتصادية الحاكمة في العالم، وذلك بهدف مواصلة النمو الاقتصادي العالمي من دون الحاجة إلى إجراء تغييرات جذرية في بنية النظام الاقتصادي العالمي.

 


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا