مقالات فكرية

هانم العيسوى تكتب  لتحقيق التنمية المستدامة جزء(2)

د. هانم العيسوى 

سمات التنمية المستدامة، طاقات مصر الطبيعية

مفهوم استشراف المستقبل

دور نظم الإدارة المفتوحة في معالجة أهم القضايا الاجتماعية في مصر

1- سمات التنمية المستدامة

   التنميّة المستدامة تنميّة طويلة الأمد، حيث تأخذ بعين الاعتبار حقوق الأجيال القادمة في موارد الأرض وتسعى إلى حمايتها، وتلبّي احتياجات الفرد الأساسيّة والضروريّة من الغذاء، والكساء، والحاجات الصحيّة والتعليمية التي تؤدّي إلى تحسين الأوضاع الماديّة والاجتماعيّة للبشر دون الإضرار بالتنوّع الحيويّ، وهذا من أولويّاتها فعناصر البيئة منظومةٌ متكاملةٌ والحفاظ على التوازن ما بين هذه العناصر يوّفر بيئةً صحيةً للإنسان؛ تحافظ على عناصر المحيط الحيوي ومركباته الأساسيّة، مثل: الهواء والماء؛ إذ تشترط الخطط عدم استنزاف الموارد الطبيعيّة في المحيط الحيويّ، وذلك برسم الخطط والاستراتيجيات، التي تحدّد طرق استخدام هذه الموارد مع المحافظة على قدرتها على العطاء، وتعتمد على التنسيق بين سلبيّات استخدام الموارد واتجاهات الاستثمارات؛ حيث تعمل جميعها بانسجامٍ داخل منظومة البيئة، بما يحقّق التنمية المتواصلة المنشودة.

2 – طاقات مصر الطبيعية، وإمكانياتها اللوجستية

      تكتسب معالجة القضايا الاجتماعية  في مصر أهمية بالغة؛ لاسيّما إذا انطلقت من حقائق تتصل بالنظام العالمي المعاصر المتطلب تطوير الشروط الملائمة لتحقيق إصلاح اقتصادي، واجتماعي؛ اتساقًا مع الظروف الداخلية، ولعل مصر من البلدان التي في حاجة ملحة إلى معالجة قضاياها الاجتماعية، وتمتلك مصر مقومات تحقيق الإصلاح والتنمية المستدامة نظرًا لتميّزها بعوامل هامة ومنها:

  • الثروة البشرية الهائلة، حيث يبلغ عدد سكانها ما يربو من مائة مليون نسمة

والثروات المعدنية المتعددة؛ من مناجم للذهب، والفوسفات، والحديد، والمنجنيز، والرمال البيضاء، فضلًا عن مئات المحاجر.

  • والمساحة الجغرافية، والتي تبلغ مليون كليو متر مربع،  المساحة المأهولة تبلغ 78990 كم2)) بنسبة 7.8 % من المساحة الكلية.

  • إضافة إلى الموقع الجغرافي المتميز، حيث تقع في قارتين(أفريقيا، وآسيا)، وتطل على البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، وتمتلك أهم ممر مائي في العالم هو قناة السويس، وغيرها من المقومات التي تحتاج إلى توظيف نوعيّ، وإرادة سياسية ملائمة وإدارة تنموية، وتنمية تقنية بما يدفع الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في أكثر المسارات إنجازًا .

3 – مفهوم استشراف المستقبل

إنّ اهتمام الإنسان بمستقبله أمر فطري راسخ فيه، وقد لازمه منذ نشأته الأولى، وإن غاية التربية هي العمل على إيصال الإنسان إلى كماله البشري، فإذا كوَّن الإنسان صورة مستقبلية لنفسه أو لمجتمعه، أو للبشرية كافة، وتوفرت له الإرادة لتحقيق هذه الغاية، كانت هذه الغاية المستقبلية هي المحركُ لنشاطه وهي الدافع لتطويره. إذن، فالإنسان مطالب بأن يمتلك صورة مستقبلية توضح له معالم هذا المستقبل، لكي يتسنى له النظر إلى المستقبل – أو الغد بالتعبير القرآني- من خلالها، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اْلَذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اْلله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اْللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيُرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ،  وتطالب هذه الآيةُ المؤمنين بتقوى الله، والنظر إلى الغد بالنظرة العلمية القائمة على المعطَيات الملموسة، وهنا يصبح الغد حاضرًا في اليوم، بل إن العمل من أجل الغد هو مقياس لتقوى الله في اليوم، وقيمة اليوم هو فيما يقدمه للغد.

تعمل علوم المستقبل أو المستقبليات – بصفة عامة – على([1]) استشراف المستقبل من خلال اجتهاد علمي منظم، وتهدف إلى صياغة مجموعة من التنبؤات المشروطة، والتي تنطلق من بعض الافتراضات الخاصة حول الماضي والحاضر، لاستكشافِ أمرِ دخولِ عناصرَ مستقبلية على المجتمع أو على الظاهرة المعنية

 

4 – دور نظم الإدارة المفتوحة في معالجة أهم القضايا الاجتماعية في مصر لتعزيز العدالة الاجتماعية

يشكّل تشييد بنية إداريّة جديدة في الحكومة مرتكزها مفاهيم تكنولوجيا المعلومات الرقميّة، التي كسرت التخوم بين الاختصاصات والفروع العلميّة بيئة خُصبة لتحقيق إدارة ذات جودة شاملة، وهذا يستدعي بناء ثقافة تنظيمية عميقة الفعاليّة، ترتكز على فلسفة إرضاء العميل في أثناء خدمته، واستشعاره جودة أداء العمل الإداري وصحة توجّهاته من أول مرة، والثابت أنّ وجود إدارة إلكترونيّة ضرورة لمواكبة هذه المتغيرات الحثيثة، ولا يكفي وجود إدارة تقتصر على توفير بعض الخدمات الحكوميّة للمواطن عبر وسائط إلكترونيّة كتوظيف طاقات أجهزة الحواسيب أو شبكة الإنترنت مثلًا، للدخول في عالم الإدارة المعاصرة، بل لابدّ من تحقيق التشابك الإلكتروني والتنسيق بين وحدات الإدارة العامة المختلفة، وهذا يحتاج إلى بيئة حاضنة والتي لن تنشأ إلّا بتغيّرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تقوم بها سلطة سياسيّة مسئولة تؤمن بالمثاقفة والتعدد الثقافي وتلتزم بأسس النظام الديمقراطي في ظل عالم اكتسحته سياسات العولمة التي تستثمر تداعياتها الولايات المتحدة الأمريكية لفرض فلسفتها على العالم أجمع، لقد حتّمت الأوضاع المستجدّة، على كلّ الأصعدة، على الإدارة العامة انتهاج وسائل مبتكرة لتطوير خدماتها الموجّهة للعملاء من الجمهور تماشيًا مع تطلعات الإنسانية نحو التقدّم والرخاء هذا من جهة، ومن جهة أخرى انسجامًا مع التطور التنظيمي، الذي يسم العصر الذي نعيش فيه؛ إذ أصبح شكل التنظيم الأفقيّ، الذي يقوم على أساس التنظيم الشبكيّ وتنظيم فرق العمل المُدارة ذاتيًا هو الأساس في بناء إدارة عصريّة.

وتمثّل نظم الإدارة المفتوحة منظورًا جديدًا لتطوير العمليّة الإداريّة التي تقوم على: “توظيف الطاقة الكاملة للأفراد لتوليد مزيد من الأفكار الخلاقة لديهم، وتحريك دوافعهم نحو الإنجاز والتفوق والابتكار والإبداع، والاستفادة من التطور التكنولوجي وثورة المعلومات والاتصالات، وأيضًا الاهتمام بالمشاركة في المعلومات وسرعة تداولها بين الإدارة و العاملين”([2])، ولعل تفعيل وتطبيق نظم الإدارة المفتوحة بما يطرحه من مرتكزات وأسس علمية حديثة يمكن أن يمثّل المنهج الأكثر ملائمة في تكوين إدارة حكومية جديدة كفوءة وفعّالة، تستطيع القيام بمسئولياتها في إدارة عمليات التنمية المستدامة وتحقيق الرفاهية لمواطنيها.

وير محمد علي عبد الوهاب أنّ نظم الإدارة المفتوحة فلسفة، تقوم على قيام العاملين في المؤسسة مديًرا أو عاملًا بمهامهم بشكل تكامليّ، بحيث يمكن أن يكون للجميع دور إيجابيّ في تحقيق أهداف المؤسسة وزيادة أرباحها ودعم مركزها التنافسي([3])، كما عرفها جون كيس  John Caseعام 1989م بأنّها: “منهج يعمل على المشاركة الفعليّة للعاملين في أمور كانت تعتبر من قبل من صميم مسئوليات الإدارة”([4]) مثل تخفيض التكاليف ورفع مستويات الجودة وزيادة الأرباح والدعم المالي لمركز المؤسسة.

وترى العيسوي([5]) أنّ تطبيق نظم الإدارة المفتوحة تجعل المؤسسة بمثابة صندوقًا زجاجيًا يطلع على محتوياته العاملون جميعهم بوضوح، مثل سجلات المؤسسة أو الشركة وأرقامها الهامة وبياناتها المالية، وما يقوم به كل قسم أو إدارة من خلال فتح سجلات المؤسسة للجميع، ونشر المعلومات وتقارير الأداء والمركز المالي والتنافسي للمؤسسة، ليعرف كل موظف مقدار إسهامه فيما وصلت إليه المؤسسة، من خلال ثقافة تنظيمية قوامها الابتكار والتجديد والمشاركة الإيجابية والتواصل الجيّد وإحداث التكامل والتضامن بين المؤسسة والعاملين فيها.

ونتيجة التحولات غير المسبوقة في تاريخ التطور الإنساني، ظهرت قوى التغيير التي سادت النظم والهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تزامنًا مع بروز العديد من الإبداعات التكنولوجية التي تستند إلى تراكمات علمية متعاظمة عُبّر عنها بالثورات العلميّة التي ضاعفت عددها وكثّفت كيفياتها ثورة التكنولوجيا والمعلومات الرقميّة([6] ) التي حولت المجتمعات الإنسانية إلى مجتمع ما بعد الصناعي، وأطلق عليه مجتمع المعلومات، وترافق مع هذه التحولات مشكلات هيكلية أو مؤسسية داخل الشركات، وأخرى مجتمعيّة واقتصادية وسياسية وثقافية، ولعلّ أخطرها تمثل في اختفاء القيم والمفاهيم التقليدية في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وظهور مجتمع جديد له قيم وتقاليد مستحدثة وأعراف متطورة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]محمد بن عبدالرحمن آلائيوال مدني، مقالة.  رابط المصدر: https://allaiwalmadani.wordpress.com
 [2]– ياسر عبد الوهاب، أثر تطبيق نظم الإدارة المفتوحة في دعم القدرة التنافسية للمستشفيات الجامعية المصرية، مجلة معهد البحوث والدراسات العربية، العدد 61، (القاهرة، ديسمبر 2014م)، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ص285.
[3]– علي محمد عبد الوهاب، إدارة الكتاب المفتوح، مقالة في مؤتمر إدارة القرن الحادي والعشرين، سعيد يسن عامر وايد سيرفيس للاستشارات، القاهرة، 1997م، ص258.
[4]– Johan Case; The Open – Book Experience.Addition Weseely, New York,1998, P.78
[5] – هانم العيسوي، العلاقة بين نظم الإدارة المفتوحة وجودة الخدمات الطبيّة، مع دراسة حالة – مستشفيات الأمانة العامّة للمراكز الطبيّة المتخصّصة بالإسكندريّة، أطروحة دكتوراه، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 2018، ص37.
[6] – علي السلمي، الإدارة المصرية في مواجهة الواقع الجديد. مكتبة غريب، القاهرة، 1992م، ص 35.

 


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا