نصوص سردية

من له مثل ابي ؟ بقلم سمية سرور

          سمية سرور

المكان: الاقصر

الزمان: خريف1995

بداية الرحلة … كنت مع والدي بزيارة لمقام العارف بالله سيدي ابو الحسن الشاذلي بوادي عيذاب بمنطقة حميثرة جنوب البحر الاحمر و التي تبعد عن مدينة مرسى علم نحو 150 كيلومتر جنوب شرق تحديدا و التي وصلنا اليها بجهد جهيد في ذلك الوقت حيث استغرقت المسافة ما يقرب من 18 ساعة بالسيارة من القاهرة الى هناك تخللها استراحتين في مدينة رأس غارب مرة و الاخرى في مدينة القُصير فقط لأقامة صلوات الظهر و العصر .

وصلنا اخيرا منطقة حميثرة … و اتممنا الزيارة و السياحة و خلافه و اكتشفت ان لأبي  في هذا الوادي غير زي زرع و الذي احسست انه في اخر بقعة من الارض نظرا لحداثة عمري  اصدقاء حميمين … اشخاص في قمة النقاء .. بدو من قبيلة البشارية عم عبيدالبشاري على رأسهم … كان الرجل الذي قد تخطى الثمانين كبير البشارية و احد القائمين على خدمة المنطقة مع بقيه اهله الذين احترفوا مهنة الرعي ..

و في الليل البهيم حيث رأيت في السماء كم غير عادي يعد بالملايين من النجوم و الكواكب جلس الرجل يتجاذب اطراف حديث ودي معنا على فرشته والتي كانت كل مسكنه يجلس عليها نهارا و ينام عليها ليلا بلا سقف او جدران .. هكذا في الخلاء من دون بيت او خيمة ( كان نموذجا اصيلا لابيات جبران التي تغنت بها السيدة فيروز .. هل فرشت العشب ليلا و تلحفت الفضاء و شربت الفجر خمرا في كؤوس من اثير ) لكن عم عبيد كان يفترش الرمال و الصخور.

تحدث عبيد بمنتهى الفخر و الملحمية انه من القلائل بل و الاوائل الذين زاروا وادي النيل!!!! و يقصد به الصعيد

بل ايضا زار القاهرة في صباه و كانه (ارمسترونج ) يحكي صعوده لسطح القمر .. و ظل يحدثنا عن انه عندما عاد من الوادي يحمل في جعبته بعض البيض و الدجاج .. خاف سكان المكان مما جلبه عليهم هذا الساحر .. حيث لا يعرفون من مخلوقات الله سوا بني الانسان ممن هم على شاكلتهم اصحاب البشرة السمراء المحروقة من الشمس و الجمال و الحمير و المعيز فقط .

و ظلت حكاياته ساعات طوال يحكي لنا كيف اكتشفت الحكومة المصرية مكانهم بالصدفة و كيف اصبح المكان استراتيجيا جدااااااا بسبب مقام سيدي ابو الحسن الشاذلي و ايضا مرصد الجراد الذي اقيم مؤخرا في واديهم و الذي جعل بينهم اشخاص اخرون اغراب من غير قبيلتهم يعيشون وسطهم بحكم قيامهم على مرصد الجراد و المسجد ..

مما ادى لعمل طريق اسفلتي يصل لهم لاول مرة لارسال الاطعمة و فناطيس المياة بشكل دوري

حيث ان مياة البئر الخاصة بهم لا تصلح لغير سكان المكان الذين اعتادوا الشرب منه نظرا للنسب العالية في المعادن و الاملاح الذائبة فيه ..

بالفعل انا تذوقت من ماء البئر و كانت شديدة المرارة و اللذوعة حتى انها اصابتني بالمغص ، و بعد فترة نظر والدي لساعته و اسف جدا لان وقت رجوعنا قد حان مع وعد منه ان يحضر مرة اخرى في الربيع كما اعتاد ان يذهب اليهم في رحلتي الربيع و الخريف و طلب منه عم عبيد ان يحضر له بطانية و جلباب و شبشب و انه سوف يتقبلهم منه كهدية و قبل انصرافنا اهدى والدي بعض من البلح المر و بعض الاعشاب الطبية التي تنموا في واديهم او يجلبها معهم تجار الجمال الاتون من السودان .

و ركبنا السيارة لرحلة العودة مرة اخرى و انا في حالة من الاختطاف و الانبهار و السحر بكل شيئ .. و سالت والدي و انا في قمة اللاوجود … بابا ..هو الوادي بعيد قوي عن هنا للدرجة دي ؟

رد والدي بأن نعم هو بعيد جدا مسافة لا تقل عن 400 كيلو

يا خبر ؟؟ و كانوا بيمشوا كل دة ؟؟ انا مش قادرة استوعب خالص

رد والدي … تحبي تشوفي ؟ ؟؟ …. ايوه طبعا احب … بس هتتعبي جدا … مش مهم .

ماشي يا سمية .. يلا بينا . ..

و سرنا شمالا مرة أخرى لمدينة سيدي سالم جنوب مرسى علم و منها اتخدنا طريقا فرديا يسمى طريق برانيس حوالي 250 كيلو متر أو يزيد بلا إضاءة او اي ملمح من ملامح الادمية حتى وصلنا قبيل الفجرأ اخيييييييييييييييييرا لمدينة ادفو شمال محافظة اسوان .

حيث داعبت انفاسي رائحة المزروعات و النيل و روث الدواب و رأيت الفلاحين السائرين مع دوابهم التي تجر عربات محملة باكوام من قصب السكر احسست وقتها انني اولد من جديد.

اخيراااااا بعد ما يقرب من اليوم و النصف بلا اناس او اي ملمح للحياة .. فقط رمال و سلاسل جبلية و الصمت بعشرات المئات من الكيلومترات .

وصلنا جوار محطة قطار ادفو القادم من العاصمة حيث محطة الوقود بجوارها و الذي دخلها والدي ليملئ خزان وقود السيارة الذي اوشك على النفاذ و جلسنا نستريح و ناكل ما تبقى لنا من طعام قليل تحت تعريشة لاحد المواطنين يصنع فيها الشاي و القهوة للمسافرين التي خلت منهم كل المنطقة تماما فجرا والذي بمنتهى الكرم اعطى والدي المتبقى من علبه سجائرة حيث نفذت سجائر والدي هي الاخرى و ليس هناك اي محل مفتوح لشراء اي شيئ و ايضا اجزل لنا الكرم الصعيدي حيث رفض تماما اخذ اي اجر عن الشاي الذي طلبناه و قال بلهجة كلها اعتزاز ( كيف يا خال ؟ انت ضيفي ) وقتها خلع عليه والدي شاله الصوف الثمين و قال له هذه هدية من خالك لك .

و ودعناه بتحية حارة على وعد بلقاء اخر ربما العام القادم و رحلنا مجدين الى مدينة اسنا شمالا ثم دخلنا اخيرا بعد الشروق بقليل ميدنة الاقصر .. مدينة السحر .. مدينة الحضارة.. اول مرة ازور الاقصر.

كان قد انتابنا اعياء شديد جدا حيث صار لنا ما يقرب من 40 ساعة ننتقل عبر الصحراء من غير نوم تقريبا .. اللهم اننا قد غفونا بعض الشيئ في المضيفة الخاصة بالزائرين في حميثرة مدة لا تتعدى الساعتين .

قالي لي والدي انا عاوز انام جداااااا و انتي كمان محتاجة تفردي جسمك و تنعسي .. تعالي ندخل مسجد سيدي ابو الحجاج الاقصري نعمل زيارة و نرتاح في المسجد شوية و بعدين ننزل على قنا.

دخلنا فعليا المسجد و صلينا و زرنا المقام و قرأنا ما تيسر من القران و الادعية و اخدني والدي في جولة داخل المسجد الذي اكتشفت انه مبني على اعمدة معبد رمسيس التاني ( معبد الاقصر ) ثم اوينا الى جزء ناء منه و حاولنا النعاس … ثم فوووووووووووو فووووووووو ؟؟؟

ما هذا ؟ استيقظت مفزوعة من النوم … بابا … الحقني .. فية سحلية مشيت جنبي دلوقتي انا حسيت بيها . قال لي بصوت ناعس نامي نامي عادي متحافيش مش هتعمل لك حاجة دي مسالمة المهم مفيش هنا عقارب ولا تعابين !!!

نعم ؟؟؟؟ عا اية ؟ تعا اية ؟ لا يا عم مش هنام انا لا مش هينفع انا انام انا لااااااااااااا

افاق والدي متأففا منزعجا من قلقي و رعبي الذي يرى انه بلا داع و قال لي بصراخ غاضب مكتوم محذرا اياي .. و بعدين بقى ؟ نامي

طبعا كان من المستحيل ان يخطر ببالي اصلا فكرة العودة الى النوم في احضان تلك السحالي المسالمة و بعد اقل من ربع الساعة فتح والدي عيونة يتفحصني وجدني جالسة بجواره اضم ركبتي الى صدري بكلتا ذراعي .. فقام من نومته متململا .. برصو ما نمتيش ؟؟؟ هززت رأسي بمعنى لا و كان الرعب قد عقد لساني … طيب قومي امري لله.

هنروح فين يا بابا ؟ هفرجك على عظمة اجدادك .

سحبني من رسغي الى اسفل سلالم المسجد المعلق فوق المعبد و انحرف بي يسارا الى شباك التذاكر و دخلنا معبد الاقصر الذي احسست و انا اشم هوائه انني تحولت الى شخصية اسطورية او كائن ملكوتي انخلع عنه رداء الجسد و تحول الى روح هائمة و سار بي ابي في طريق الكباش و انا احس انني اسري و لا اسير حتى وصلنا بهو الاعمدة و هنا حلقت بالطيران عبر الفجوات و صار والدي يجري ورائي بين جنبات الاعمدة و انا اهرب منه و اتخفى خلفها و انادي عليه بصوت مرتفع فيتردد صدى صوتي مجلجلا في الفضاء و هو ايضا ينادي علي و يرتد صوته بين اعمدة المعبد قويا جهيرا كانه من مكبر صوت و ظللنا نحلق سويا و الصدى يردد اصواتنا و ضحكاتنا الهستيرية كاننا اطفال يلهون حتى انهكنا التعب فجلسنا ارضا تحت احد الاعمدة و بمنتهى الطفولية قالي لي والدي : انا جعان يلا بينا نروح ناكل حاجة ، قلت له انا عاوزة اتمشى على الكورنيش دة اللي كانوا بيغنوا و يرقصوا فيه فرقة رضا الاقصر بلدنا بلد سواح قالي ماشي …

و انطلقنا عبر كورنيش النيل قبل احتداد اشعة الشمس الصعيدية الحارقة ثم دهبنا لمطعم شعبي تناولنا فيه الفول و الفلافل و الجبنة و قعدنا على القهوة شربنا شاي و ابتدت رحلتنا لمدينة قنا التي مكثنا فيها قدرا يسرا ريثما زرنا مقام سيدي عبد الرحيم القنائي ثم اتخدنا طريق قنا سفاجا و من سفاجا على راس غارب للسويس للقاهرة التي وصلناها شبه اموات حتى نمنا ما يقرب من 24 ساعة كاملة .

من له مثل ابي ؟ هذا الصديق الذي اوجعني فراقة لأنه كان على مقاس قلبي و مقاس جنوني، الأب المعلم الأب الصديق الأب العاقل الحكيم المجنون لأبو المجانين.

رضوان الله عليك يا اسدي يا بطلي يا اكرم خلق الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: