Deprecated: Methods with the same name as their class will not be constructors in a future version of PHP; WP_Import has a deprecated constructor in /customers/b/0/f/levantcenter.net/httpd.www/wp-content/plugins/wordpress-importer/wordpress-importer.php on line 38 من أوراق دفتر قديم بقلم عبد المجيد زراقط - ليفانت
قصة قصيرةنصوص سردية

من أوراق دفتر قديم بقلم عبد المجيد زراقط

د. عبد المجيد زراقط 

لم يهدأ الجرَّار الزراعي الوحيد ، في قريتنا، في ذلك اليوم.

كان ينقل، في مقطورته، أكياس التبغ الى مركز القضاء ؛ حيث يتمُّ تسليمها الى لجنة الشراء ، وتصنيفها وتقديمها للخبير الذي يعاينها ويقوم بتسعيرها.

رضخ المزارعون أخيراً ، وقبلوا بأن تستمرَّ شركة “الريجي” التي تشتري التبغ منهم بتصنيفه وتسعيره كما تريد.

رفض مديرها مقابلة الوفد الذي شكَّله المزارعون وكلَّفوه بحمل مطالبهم، و قال لمن راجعه بالأمر : بيننا وبينهم القانون ، وأنا لاأخالفه. ليشتكوا وماتحكم به المحكمة نقبله . وقال ” البيك” للوفود التي أمَّت دارته في بيروت الكلام نفسه ، وأضاف، لمَّا شعر بغضب الكثيرين من مراجعيه : الحلُّ بأن نعدِّل القانون في المجلس النيابي ، وهذا ماسوف تقوم كتلتنا به.

شكره بعضهم ، وغضب بعض اَخر ، وهمس ابراهيم عمشة الذي كان أحد أعضاء وفد قريتنا للغاضبين مثله : “ِعيش ، ياكديش…”. وأضاف: لا لن نكون ” الكديش” أبداً . وافقه كثيرون . وسألوا : ماالعمل؟

كثرت الاجتماعات ، وشاركتُ فيها أنا وعدد من “المثقفين الثوريِّين” كما كان يسمِّينا بعض النقابيِّين ، واستقر رأينا ، بعد نقاشات طويلة على الامتناع عن تسليم التبغ الى أن تلبِّي الشركة مطلب المزارعين هذا، بعد أن أضيفت اليه مطالب أخرى، منها: السماح للمُزارع بزراعة المساحة التي يستطيع زراعتها دون ترخيص من الشركة ، وتقديم قروض للمزارعين من دون فوائد وتوفيرالأدوية الزراعية اللازمة لمكافحة أمراض شتلات التبغ التي تكاثرت في المواسم الأخيرة ….

لكن الشركة سرعان ماتحركت بقوة ، وهدَّدت بمصادرة المحصول المكدس في البيوت ، وبسحب رخص ممن يعارض ، وبمعاقبة الذين بدأوا ب” فرم ” أوراق التبغ لصناعة التبغ المفروم، وبيعه لمن يدخن سجائر اللف اليدوي …

ثم تحركت المصارف وهدَّدت بحجز المحصول المرهون لها ، ونزَل المرابون الى الساحات يطالبون بأموالهم ، وب فائض الرِّبا عن مدة تأخُّر سداد الدين.

وبدأت مخافر الدرك ترسل دورياتها ، وتحدد مهلاً لبدء تدخلها ، وراحت المخابرات تجول في القرى ، وتنشر الشائعات والتهديدات…

رضخ المزارعون أخيراً ، وجاء اليوم الذي بدأوا فيه تسليم التبغ مرغمين.

قال لي ابراهيم ، عندما مرَّ بي ، وهو عائد من تسليم محصول تبغه : أشعر بألم فظيع هنا ، وخبط على صدره. أشعر بأنَّ أنياباً لاتزال تمزِّق هذا الصدر الذي تحمَّل أثقال الدنيا كلها ولم يلن … نظرات الخبير اللئيمة اليِّ، وابتسامته الخبيثة التي كان يتلاعب بها ، وهو يسترق النظر اليَّ بعينين” مفنجرتين”، وتمتماته، وهو يقلِّب أوراقي، هذه كلها تراكمت… ورأيتها تقفز وتعلو… رأيتها أنياباً مسنونة … صدِّق أنِّي رأيتها أنياباً في أشداق ذئاب تهطل علي، وتخترق صدري. كوَّرت قبضتي مراراً . أريد أن أهوي بها على هذه الأنياب ، ثم على الأضراس النخرة التي كنت أراها عندما تعرض ابتسامته ، لكن فوهات البنادق التي كان يوجهها الجنود الينا، وهم يتوزعون في مدخل القاعة وزواياها منعتني . شعرت بأنها تبتلع زندي ، وبأن زندي الذي لم يخب يوماً يغرق فيها…، هي أنياب أخرى ،أنياب من رصاص…

تراخت قبضتي، وقبلت… لفظ الخبير الذي يشبه وجهه وجه بومة الخرابة القديمة الرقم ، وهو ينظر اليَّ بلؤم، وقال: أنت ابراهيم المشاغب ؟ هذا هو ماتستأهله هذه الأوراق التي لم تحسن توضيبها . ان لم تقبل به اذهب واشكِ أمرك للرفاق ، وضحك . قبلت… ، وقبضت مالايساوي شيئاً من تعب الأيام وسهر الليالي. قبلنا جميعا، وجئنا ، وجلبنا معنا لزوجاتنا وأبنائنا وبيوتنا حاجات قليلة . أنا جلبت قطعتي قماش لعمشة وحذاء لحسن. وكيلو لحمة…

سكت . ثم حمل أغراضه ، وقال : قم .

قلت : الى أين ؟

قال: أنا أوصل الأغراض، و أنا وأنت نرى مايحدث في الساحة… جبَّار يتجبَّر الاَن في الساحة ، يلمُّ الغلَّة ، ولا من يردُّه.

ولم أدر الا ، وأنا أردد : تجبرت الجبابر بعد حجر…

قال: حجر بن عدي … سمعت قصة قتله في خطبة للسيد…

قلت: هو السلطان . ذئب ينشب أنيابه عندما يقوى ، ويجد الساحة خالية له.

قال: هزمتنا الذئاب هذه المرة . هيَّا بنا . تأخرنا…

قلت : هيَّا بنا .

مشينا. كانت الساحة ملأى بالرجال، وفي صدرها مزارعون يتحلَّقون حول عبد الجبار الذي يسمِّيه أهل القرية جبار. اقتربت. رأيته: رأس كبير تعلوه كوفية صفراء وعقالها الأسود . وجه أسمر غليظ مكتنز . شفتان غليظتان مزمومتان، وعثنون بُولغ بصباغه بلون أسود قاتم، مدبَّب….

كان يجلس على كرسي لاتتسع لجسمه الصخم، وراء طاولة عليها أوراق صفراء مرتَّبة في صفوف منتظمة.

وقفت أراقب المشهد، وواصل ابراهيم سيره الى منزله، بعد أن قال لي : انتظرني هنا . أنا عائد. كان المزارع يقترب من الطاولة عندما يسحب جبار صفَّاً من صفوف الأوراق، الموجودة أمامه ، ويناديه بصوت خشن . يقف المزارع أمام جبار محني الظهر. كلمات يقولها المرابي . يمدُّ المزارع يده الى جيب سرواله ، ويسحب رزمة نقود ، ويعطيها له. يعدُّها ، ويُرجع له بعضها، ويقول : نجدِّد السند؟. يقول المزارع: نجدِّد متل العادة . راعِينا هذه المرة. الله لايوفّقو الخبير كان لئيم هذه المرة أكثر من كل مرة . جار علينا بالأسعار كتير …يقول جبار خمسا وعشرين بالمية مدفوعا سلفا، بدلا من ثلاثين تكرموا… .

و يقدَّم له ورقة ومحبرة ، ويقول: ابصم هنا ، ويشير الى موضع في أسفل الورقة. فيفعل المزارع مايطلبه جبار منه، ويمدُّ يده ، فيعدّ المرابي أوراقاً من الأوراق التي كان المزارع قد أعطاه ايَّاها، ويقدِّمها له، ويقول : انتبه… السنة القادمة ماببقبل أيَّ تأخير. هذه السنة مرقت وسامحتكم . ليس كل مرة تسلم الجرة ، ونظر اليَّ والى ابراهيم الذي كان قد عاد من منزله ووقف الى جانبي، وضحك، وقال : أني، والله، مش شمتان فيكم ، بس ماتعيدوها… . مش كل مرة بتسلم الجرة . أنا كريم وانتو شو بتستاهلو أو ما… و

قطع كلامه فجأة، وعاد الى أوراقه. قال ابراهيم بصوت عال: المسامح كريم ، وهالخد معوَّد عاهاللطمة…

رفع جبار يده ، ونفضها كأنه يطرد شيئا يقترب منه، وقال: ماأشطركم بالحكي. كنتم رح تخربوا بيوت الناس… حلُّوا عنا وعنهم…

وجاء صوت من خلفنا يقول: مارح يحلُّوا عنا وعن هالضيعة حتى يدمرونا ويدمروها…

عرفت صاحب الصوت . هذا أبو شكيب. التفت اليه. كان يقف خلفي ، ويشير اليَّ ، وهو يخاطب شاباً يقف قربه، ويقول : هذا هو…

الشاب أنيق. يرتدي بذلة كحلية ، ويعقد ربطة عنق زهرية. طويل القامة… شارب رفيع كأنه خطٌّ أسود يعلو شفته . كان ينظر اليَّ بعينين متسعتين، كأنه فوجئ بي، وأنا رحت أنظر اليه ، ويتولد لديَّ شعور بأني أعرفه، وبأنه … لاأعرف أن أصف شعوري نحوه ، وانما كنت أشعر بارتياح وسرور، وأنا انظر اليه.

اقترب مني ، ومدَّ يده. مددت يدي، وشددت على كفه ، فقال، وهو يسحب يده بسرعة : لو سمحت، لي حديث معك.

قلت : تفضَّل.

قال، وهو يتلفَّت حواليه: ليس هنا.

قلت : تفضَّل الى المنزل.

قال: نجلس في” قَعدتك”.

سألت نفسي : من هو هذا ؟ وكيف يعرف قعدتي ؟ وقلت : هيا بنا . وأشرت الى ابراهيم أن يمشي معنا . فقال الشاب بلهجة حازمة : لا. وحدنا. قلت: ماشي. تفضل. ومشينا….

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: