انشطة ثقافية

ملامح استشراقيّة في رواية ‘الحديقة السريّة’

صدرت رواية “الحديقة السريّة” باللغة الإنكليزية عام 1911للكاتبة فرانسيس هودجسون برنت (1849 – 1924)، وهي تعالج الطفولة بين عالمين: الهند بصفتها أنموذجًا للشرق التدميري والعدائي والخيالي، وبريطانيا الممثلة للغرب البنّاء والأليف والواقعي، وذلك من خلال عرضٍ مفصّل لحياة الطفلة ماري لينوكس ذات الـ 10 سنوات التي نشأت في بيئة الهند وسط خدم هنود متخلّفين يشتغلون عند أسرتها الإنكليزية الراقية، ومن ثمّ انتقلت إلى وطنها حيث التحضّر والثقة بالنفس والشفاء من أمراض الشرق.

وصفت الكاتبة الخدم الهنود الذي أشرفوا عليها بـ: “متذللين، مستسلمين للعبودية، ولم يكن يجرؤ أحدهم أن يتحدث مع سيده وكأنهم متساوون، ينحنون للسادة (الإنكليز) حماة الفقراء، يؤمرون، وكانت ماري الإنجليزية تصفع مربيتها (الهنديّة) دائمًا.

وعندما أعادوها إلى بريطانيا لمعالجتها، وكلّفوا مربيّة للإشراف عليها: تساءلت في نفسها ما الذي يمكن لتلك الفتاة الشابة (مربيتها الإنكليزية في وطنها) أن تفعل لو صفعتها؟ كانت المربيّة الانكليزية مخلوقًا جميلًا مهذّبًا، كانت مشرقة وكاملة، وشخصيتها قوية…” (ص43 من الرواية).

سردت الكاتبة مفارقة تخلّي الأم الإنكليزية عن تربية ابنتها ماري، مع ترعرها في بيئة هنديّة دفعت بها إلى اضطرابات نفسيّة وخلل في علاقة الطفلة مع محيطها في الهند، قياسًا بمكوّناتها الفطريّة التي استجابت، بعد مغادرتها الهند، لنبل الأخلاق في وطنها بريطانيا.

وقد وطدت المؤلفة التيمة الرئيسية بعد موت أسرتها بتيمة فرعية تقوم على انتشار مرض الكوليرا الذي أدخل الفتاة بعزلة نهائية عن بيئتها.

وإذا كان النّاس قد تساووا بالموت أمام مرض الكوليرا، إلاّ أن الساردة دفعت بالضباط الإنكليز لإنقاذ الطفلة من عزلتها، وأماتت دور المكلفين بتربيتها من الهنود، بعد أن أظهرت استهتار أمها الجملية بها، والتي تحيل القارئ إلى استهتار بريطانيا الجميلة والعقلانية بطفلتها القبيحة وقليلة العقل (الهند)، التي حمّلتها الكاتبة سمات طفوليّة تستوجب رعاية أمّها بريطانيا حتّى لا تسقط في فوضى واضطراب، وهذا ما يضمره النصّ ويخفيه وهو متغلغل في سياقه لتسويغ استمرار الاستعمار البريطاني للهند حينذاك.

لم تر الساردة في بيئة الهند سوى ما هو متحقّق في وعيّ وتقاليد غربيّة صيغت وفقًا لمفاهيم استشراقية، ترتكز على دونيّة الهنديّ الشرقيّ وخوفه وقصوره العقلي وكسله وغبائه، وبالتالي انعكاس هذه الصفات والسلوكيات والعادات على شخصية ماري التي أضحت تتسم بحالة من العجز والقلق وعدم الفعالية مع محيطها الشرقي.

ثمّ دفعت الكاتبة بأحداث سرديتها الاستشراقيّة إلى انتقال الطفلة ماري إلى بيئة الريف الإنجليزي المفعم بالحيويّة والفضائل الأخلاقيّة مما يسمح للطفلة بأن تستعيد عافيتها من جديد بتلاحمها مع الطبيعة وحبّها للمغامرة وانتشال قريبها من هواجسه المرضيّة ومشاركته الطموح في دخول عالم الكشوفات العلميّة.

أصدرت الكاتبة برنت روايتها قبيل الحرب العالمية الأولى، أي عندما كان بريطانيا تستعمر حوالي 85% من المعمورة، وكانت تحاول صياغة وبناء العالم وفقًا لقيمها ومصالحها المستمدّة من نتاج المستشرقين المترسّخة في أذهانهم أفكارٌ تتعلق بضرورة إعادة تشييد الشرق المهمل، بل الميت نسبة للغرب الفعّال والحيّ. وقد مهدّت العلوم والإبداعات الجمالية والسرديات بشكل عام الطريق لما تهدف إليه إدارات الاستعمار وجيوشه وأجهزته على أرض الواقع.

وتعدّ هذه الرواية أنموذجًا حيًّا عن السرديات الاستشراقية، وهي تصوّر ملمحًا من ملامح توصيف الغربيين للهند استشراقيًّا، فالطفلة البريطانية ماري التي ولدت فيها كانت أكثر طفلات العالم ضعفًا وأكثرهن مشاكسة ومرضًا، تمامًا كما هي البيئة الهندية التي لا تحتوي إلاّ على (الوجوه السوداء) والخدم الذين اعتنوا بتربية ماري وجعلوا منها خنزيرًا أنانيًّا ومستبدًّا، عاجزة عن أن تتعلّم، وتشعر دائمًا بحزن عميق، وتضرب خادمتها ومربيتها الهنديّة الخائفة والخجول لأتفه الأسباب على ما تمّ ذكره في الرواية.

منذ بداية الرواية نجد عويل وصراخ الهنود أمام مرض الكوليرا الذي أودى بحياة الكثيرين منهم، أما ماري الطفلة الإنكليزية فقد ذكرت عنها: “حدث الكثير في الساعات الطويلة التي نامتها بعمق، ولم يزعجها العويل ولا أصوات الأشياء التي كانت تنقل من البيت وإليه” (ص18).

هذا التوصيف هو حالة من حالات القولبة النمطيّة التي ترى الشرق شيطانًا كسولًا واستبدادًيّا وفوضويًّا عكس صفات الوضوح والمباشرة والنبل والعقلاني المتحلّي بها الجنس الأنجلو سكسكوني. وفي فصل: “ماري.. ماري عكس الكل”، بدا لماري اختلاف مكانها الجديد في بريطانيا عن الهند، ولكن ما وصلت إليه بالهند جعلها لا مبالية، “وكان هذا أسلوبًا من أساليبها الكريهة المحزنة. ولذا فكانت تجلس ساكنة بلا حركة” (ص30).

وفي الفصل الثالث عندما وصلت ماري الصغيرة إلى ضيعة ميسلثيت: “لم تشعر مطلقًا بأنّها عكس الكلّ” ص39 كما كانت تشعر في البيئة التي ولدت فيها وترعرت في أوساطها في الهند.

إنّ جوهر الاستشراق هو التمييز المتأصّل بين التفوق الغربي والدونيّة الشرقية. ومن هنا، تنبع أهمية ترجمة هذه الرواية كونها تعدّ مثالًا واضحًا لمعاداة حركة الاستشراق للشرق، وللإنسانية، هذه المعاداة التي لا تزال مستمرة حتى وقتنا الراهن، بل زادت شراسة بعد تمكّن الولايات المتحدة الأميركية من الهيمنة على العالم.

وقد ألمح الدكتور الجيّار في مقدمته إلى أن هذه الرواية لا تزال في الغرب قيد التداول والانتشار حتى الآن، سواء على هيئة كتاب أو مسرحية أو فيلم سينمائي للأطفال، وأكّد على الثنائية التي ركّزت عليها الرواية التي تتمثل في بيئة الهند العدائية وبيئة ريف يوركشاير الودود في إنجلترا، حيث ارتبطت الهند بالقيم السالبة في حياة الطفلة الصغيرة ماري وارتبطت بيئة بوركشاير بالقيم الإيجابية (ص11).

ويحسب للدكتور شريف الجيار ترجمته الفذّة التي طوّعت لغة الرواية وخطابها للعربية، ومنحتها طاقة للتدليل على أحداثها ووقائعها بشكل جليّ، تاركًا للقارئ فسحة لاستقراء ما تخفيه بين سطورها من تأكيدات للعلاقة بين الغرب والشرق المحكومة للسيطرة والهيمنة والازدراء والمهانة، مخاطبًا عقل القارئ الشرقيّ بهدف تحفيزه على امتلاك مصيره بنفسه، والسعي إلى بناء وطنه ذاتيًّا، وعدم الاعتماد على القوى الخارجية التي لا تعرف إلاّ أن تحقّق مصالحها النفعيّة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: