نصوص سردية

مقتطفات روائية لبهاء المري 

المستشار بهاء المري

 

 

في نهار ذلك اليوم راح والده يَمنحه شيئًا مِن خِبرته في الحياة وبعضًا مِن حكمته، ويُوجِّههُ إلى معانٍ يقصدها وكأنه استشعَر دُنو أجله.

كان يجلس تحت شجرة التوت الكائنة أمام “النَوَّالة” التي أقامها في الأرض القبلية يُتابع السايس وهو يُدرِّبه على ركوب الخيل، وابتسامة صافية لا تُفارق شفتيه لرُؤيته حمزة فوق الحصان الأبيض الذي يَعتز به أكثر من غيره من باقي الخيل.

نَسماتٌ فاترة مُثقلة بدفء الشمس هبَّت على أرضه المترامية، حرَّكت أعواد القمح الخضراء فماجَت في هدوء كأمواج بحر في يوم صائف.

ألقى بناظريه على ما يُمكن أن يصل إليه مَدُّ البَصر، وكأنه يُودِّع الأرض والزَّرع دون أن يدري، فرأى مساحات البرسيم سجادة خضراء بديعة النسيج، يُزيِّنها النَوَّار الذي بدأ في الظهور وكأنه رُتوش فنان ماهر خَطَّها في موضعها الصحيح لتَسُر الناظرين.

كانت روائح المزروعات ونَوَّار البرسيم تسري مع نسَمات المكان التي راحت تحركُ ذَوائب شَجرة الصُفصاف العتيقة التي زرعها جده على شاطئ الترعة إلى جوار شجرة التوت، كأنها ضفائر صبية تتهادَى وقد انسدلت على كتفيها، تهتز كلما هبَّ النسيم.

تلك النسماتُ حملت إلى رئتيه رائحة الخُضرة والأرض الحبُلى بأزهار أشجار الفاكهة ونوَّار الفول الأخضر.

*****
يسأله حمزة:
– إلامَ تنظر يا أبى؟
أجابه وعيناه ما زالتا تنظران إلى الأفُق البعيد:
– أَنظر يا وَلدي إلى هذه الأرض الطيبة، هل تَشُم رائحتها؟ هل ترى جمال ما أنبتَ الله فيها من أُكُل طيبة؟ هي جُزء منا ونحن جُزء منها، فمنها خُلقنا وإليها نعود، وهي كالعِرض، نَزود عنها بأرواحنا.

والنَبتة التي تَضعها فيها، لابُدَّ أن تُغرَس جيدًا لتُؤتي ثمارها، فإنْ وُضِعَت دون غِراس جيد لا تُعمِّرَ كثيرًا، أو لا تُثمر شيئًا نافعًا، وكذلك الإنسان يا وَلدي؛ فمَن رأى نفسه فوق التراب فقد ضَلَّ، فمَن تَواضَع لله رفعه، ومَن قال أنا وقع في العَنَا،

*****
ولما انتهى وقتٌ تدريبه على ركوب الخيل، كان الوقت قبل الغروب والشمس تَغشاها سُحب الرحيل، تبعث على ما حولها حُمرة قانية وهي تنحدر إلى مَغيبها تُنذر بانتهاء ذلك اليوم.

نزل حمزة من فوق الحصان على مسافة قريبة من والده، فقام وسَحَبه من يده برفق حتى صار واقفًا أمامه، قرَّبه إليه وطبع قُبلة على جبينه وهو يبتسم ابتسامة رضا وأجلسه إلى جواره، وعندئذٍ كان كلبُهم الذي يحرس النَّوالة جالسًا في الظل بالقرب من مكان الحاج بدر، فلما لمح حمزة قادمًا قام يَهز ذيله واقترب حتى التصق به في جلسته وهو بجوار والده.

حاول حمزة إزاحة الكلب ليُبعده عنه، ولكنَّ الكلب يعود إليه كلما أزاحه، أبصر والده فِعلته هذه فنهاه عنها برفق، ثم مَلَّس بكف يده اليسرى على رأسه وهو يقول بصوت حنون:
– دعه يا حمزة، هذا وفاء، لمَّا أبصركَ فرحَ بكَ وجاء ليَجلس بجوارك، لشُعوره بأنكَ كريم تَحنو عليه وتأتي له بالطعام من الدار.
والكرَم من صفات المؤمن، أما البٌخل فهو صفة مذمومة، يكون سببًا في عقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، وهلاك النفوس بالأسقام، وسبب الحسَد والشحناء، وما شُيِّدت السجون وطُرقت الأغلال إلا للبُخلاء، فالبخيل يَبخل بصحته على العمل ويَسرق، وبماله على الزوجة ويفسق، ويبخل على الوالدين ويُغدق على الأخدان.

فيسأله مُتعجبًا:
– شعرَ بي؟ هل الكلب يشعر كالإنسان؟
– نعم يا ولدي، وربما كانت مَشاعره في رُقيهِّا تفوق مشاعر إنسان، فتراه يَترفَّع عن أكل الصيد وهو جائع، بل يحمله ويُلقيه بين يدي صاحبه، بعد أن كان بين فكَّيه، لأن لذة الشرف عنده اسْتَعْلَت على لذَّته الكلبية، وعندما يَصطاد صيدًا بأمر صاحبه وهو متدرب على الصيد، نأكله مباشرة من دون غسله سبع مرات إحداها بالتراب إذا ما ولَغ في إناء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: