قصة قصيرة

“محمد محمد محمد ” قصة قصيرة لـ حنان حامد

  حنان حامد (نونا)

    استقلَّت إحدى المواصلات العامة في طريقها للعمل .. لم تكن تتنبَّأ بما أخفته لها الأقدار التي طويت منذ بدء الخليقة .. وصارت مرهونةً لأجل تلك اللحظة .. فتصادفه يركب هو الآخر .. ليجلس في المقعد المجاور لها دون أن ينتبه لمَن يجلس بالجوار .. هو.. ومَن هو؟ إنه طليقها .. نعم هو..تلعثمت الأحرف على الشفاه .. ارتبكت هي الأخرى .. حاصرها الفكر بعدما أذنت تلك الصدفة بميلاد هذا اللقاء,  لم تُحكِم قبضة السيطرة على انفعالها.. حاولت أن تُوقِفَ الحافلة وتغادر .. وإنما دونما جدوى .. فقد انعكست رِدَّة فعلتها، فانتبه لها طليقها .. ولحديث السائق معها يعترض على توقُّفه المفاجئ في هذا المكان دون الإلمام بالسبب .. الجميع يتفقَّدها بعينيه متسائلًا .. فلم تجد الزوجة سوى أن تجلس، وتحتضن أسبابها التي لا يدركها سواهما دونًا عن غيرهم .. جلست بجوار نافذة الحافلة .. مستسلمةً للقدر الجامع بينهما .. وبعد مرور ما يقرب من عامين على انفصالهما تمامًا.. تتفقَّد الطريق بصدرٍ هائج الأنفاس .. وبعقلٍ شريدٍ .. استقلها للخلف بمنتهى السرعة بينما تسير الحافلة بمنتهى البطء .. تعالت صيحات الذكريات بداخل رأسها.. وتمنَّت حينها لو يهدأ صوت هذا الضجيج؛ لئلَّا يطَّلع عليه الراكبون معهما .. المؤرّق أنها لم تستطع التحدث إليه .. وودَّت لو استطاعت معاتبته فيما آل إليه أمرهما .. لم تستطع للمرة الثانية .. فقط شعرَت وكأن رُوحها تشظَّت مثلما يتشظَّى الزجاج إلى قطع صغيرة .. وانشطرت نصفين ما بين لملمة شظايا روحها المبعثرة بجواره .. وما بين لملمة أذيال خيبة الذكريات .. لكن هيهات .. فقد استحضرها آخر مشهد لقاء بينهما، وهي تنظر لأعمدة الطريق المارَّة بجوارها من خلال نافذةٍ زجاجيةٍ مغلقةٍ.. قامت بعمل شاشة عرض جليٍّ لهذا المشهد حين أجبرت عنجهية الزوج وكينونته الرجولية القابعة خلف قضبان تسلُّط الرأي، وحُكْم «سي السيد» .. الذي ولَّى زمانه منذ زمنٍ بعيدٍ .. بينما تقمص هذا الزوج دوره ببراعة وبدقة واقعها أبلغ الأثر بالسلب من التمثيل .. سي السيد .. أي: كن فيكون .. أي: رأيه كل شيء .. أما رَأْيها فمسودة على الهامش .. أي: أهله هم سادة الكون .. ورضاهم يشفِّع برضاه .. وغضبهم يُنذر بالوعيد .. سي السيد.. أي: أقف بجوارك ما دمتِ محافظةً على طاعتي وولائي .. وإلا فإياكِ وعصياني .. سي السيد .. أي: أنا أوَّلًا قبل كل شيءٍ .. يودُّ الإنجاب وقتما يحلو له .. ولا يكترث بكونها تعمل، أوالأمر شورى بينهما .. وبعد الإنجاب .. ليس لها حق سوى في تبعات الحمل، ومعاناة المخاض فقط .. أما ابني فلي مطلق الحق في تسميته على اسم جدِّه كبير العائلة … «طويل العمر .. يزهزه عمره، ويخلِّي عظمته، وينصره على مَن يعاديه !».

    كان الجدُّ محمدًا .. والابن محمدًا، والحفيد محمدًا .. وابن عمه اسمه محمدٌ .. هنا لا قرار .. لا إرادة .. فقط هنا مملكة سي السيد .. الابن عنده عامان .. تصبر الزوجة على حالها فقط لأجل وليدها الذي يربطها بأبيه .. يحمل اسمه .. بينما صارت لا تحمل له من المشاعر سوى فُتاتٍ .. وبينما تمرُّ الأيام.. ترتفع حرارة الوليد .. تودُّ أن تخرج لتفحصه وتطمئن عليه .. لكن والده مسافر في محل عمله .. اتصلت بأخيها (خال الابن) ليَصحبها إلى الطبيب .. وهنا كانت القَشَّة التي فَصمتْ ظهر البعير .. يقول الحمو: تلك إهانة لعائلتنا .. كيف يأتي الخال .. ونحن هنا؟ أنتِ بهذا تدعين لدينٍ جديدٍ .. وبدأ الحوار بالمشادَّات .. ثم تلاه أيمانٌ مُغلَّظةٌ بعدم الخروج مع أخيها .. ثم احتدم الصراع، وأصرَّت على الخروج من المنزل لتنجد صغيرها .. وهنا تغلَّظت الأيمان بعدم مبيتها في منزل الزوج ..وذهابها مع أخيها بدون صغيرها لو فعلت وذهبت .. ويُصمِّم الخال على اصطحاب الأُمِّ، وترك الصغير الذي لحقته لعنة الحلف، وغطرسة الآراء .. وبات ليلته محمومًا لحين عودة الأب في الصباح الباكر .. فاكتملت سيمفونية الرجعيَّة على يديه إذ استقبل مُرَّ الشكوى من عائلته – فور وصوله – ضد الزوجة وأخيها.. وكان في سلسلة توعده ونذيره بذلِّها ما أشعل معظم النيران من مستصغر الشرر .. وما كان منها في آخر لقاء يجمعهما إلا أن أشعلت بوجهه أَلْسنةً من الردود المتوهجة قهرًا وكبتًا,  استرجعتها وكأنَّ الموقف ذاته يكرره القدر,  فها هو ذا صوتها يُندِّد ويشجُب مستصرخةً: أيا أنتَ .. أيا أيها القادم من وراء عالم الرجال بعنجهية الجاهلية الأولى,  تبًّا لقوامة لا يُتوِّجها الرحمة والمودة والسكن,  وبئسًا لعَلاقةٍ لا يجلُّها رجل إلا التزامًا بمُؤخَّرٍ باهظٍ لا طاقة له بسداده,  فيجبر امرأته على التنازل عن شعر رأسها أولًا مقابل نوال حريتها .. وسحقًا لزيجاتٍ بمجتمعنا تجبر المرأة على التهاون بالكرامة والنفس، والقبض على جمر عِشْرة لا تُطاق فقط؛ لئلَّا يقال عنها: لا نيَّة لها لأنْ تحيا كالباقيات في سرٍّ هادئٍ ..!! ويا أيُّها المثاليات في بيوتكن .. يا كلكن، رفقًا بمثاليتكن .. فقد جعلتن مَنْ تستغيث يقال عليها الأقاويل .. وصار التزامكن في بيوتكن جرمًا تتحمَّل معظم النساء تبعاته لو طفح منها الكيل، واشتكت هوانها على نفسها … ونظرت المرأة نظرةً دهشةً لكل رُكَّاب الحافلة، تسألهم في منتهى الصمت: لو كان من بينكم مَنْ مرَّت عليها لحظات كهذه,  ترى ما هي رِدَّة الفعل التي يجب أن تتَّخذها أنثى في حالٍ كحالي؟ وأي حقٍّ يكفي لأستردَّ كرامةً أنشدها تحت اسم هذا الزوج وعائلته؟ فلم يصل صغيري نهاره بليلِهِ إلا وقد فارقت روحه الطاهرة سماوات الخلاف القائم فيما بين العائلتين … وعاد من حيث أتى إلى تراب الأرض الَّتي أخفت آثار ما يربط ميثاق زواجنا الزائف …

وفي نفس الأوقات التي كابدت فيها الأُمُّ الثَّكلى فراق صغيرها.. كانت قد أنهت فيما بينها علاقةً زوجيةً مريرةً .. لم يكن قوامها وثيقة زواج تنتهي على يد مأذون وحَسْب,  وإنما كانت وثيقة حبٍّ بين قلبين .. توارى ميثاقها الغليظ تحت الثرى .. في أكفان وليدها البيضاء، والتي راح ضحيتها (محمد محمد محمد).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: