حواراتمقالات فكرية

محاورة مع الحكواتي الوحيد المتبقي في العالم العربي

أجرتها أ.د. ماجدة إبراهيم

دكتوراه السوربون الجديدة في الأدب الفرنسي

أستاذ بكلية الآداب – جامعة طنطا- مصر

     في مقهى النوفرة الواقع في حي النوفرة في وسط دمشق القديمة، بين الباب الشرقي للجامع الأموي (باب جيرون أو باب النوفرة) وحي القيمرية، كان لي في أواخر صيف 2002، أثناء زيارتي للعاصمة السورية الشقيقة، لقاء مع أبو شادي (1944- 2014)، حكواتي هذا المقهى الذي يروي قصص البطولات الغابرة، في زيه الشامي التقليدي من طربوش قديم وسروال وسترة مطرزة على الطريقة الدمشقية القديمة وحزام تقليدي عريض، معتلياً الكرسي الذي يتصدّر القاعة المغلقة للمقهى وحاملاً بيده سيفاً يلوح به خلال سرده لمجريات الرواية أو الحكاية.

 

ما اسمك؟

أبو شادي

هذه كنية. ما اسمك الأصلي؟

رشيد الحلاق

– وما هي مهنتك؟

أنا عندي بقالة أعمل فيها طوال النهار من الساعة السابعة صباحاً حتى الساعة الرابعة بعد الظهر.

ومهنة الحكواتي؟

إنها هواية أمارسها مساءً في مقهى النوفرة من الساعة السابعة حتى الساعة الثامنة، ثم في مطعم الحميدية بسوق الحميدية من الساعة الثامنة والنصف حتى الساعة التاسعة والنصف.

وهل هذه المهنة أو الهواية موروثة بالنسبة لك؟

لا.

من أين إذن جاءتك فكرة ممارستها؟

عندما كنتُ صغيراً، كنت أعيش في دمشق القديمة. وكنتُ أحضر الحكواتي في هذا المقهى – “مقهى النوفرة” – مع والدي وأسمعه. فتعجبني القصة التي يرويها. وعندما كان يغادر الحكواتي المقهى، كان يترك الكتاب على الطاولة. فكنتُ آخذ الكتاب وأقرؤه. فأحببته. ثم انقطع هذا الحكواتي عن المقهى. فطلب مني صاحب المقهى أن أحل محله وأعيد تقليد قراءة التراث على روّاده. فقلتُ له: ” معقول؟ لقد صار هناك تلفاز وقمر صناعي Satellite “. فقال لي: “العالم عم بتطلب”.

– وما تاريخ هذا المقهى؟

عمر هذا المقهى تجاوز المائتي عام. هو من أقدم المقاهي الدمشقية.

ولماذا سُمَّي ب “النوفرة”؟

تعود تسمية هذا المقهى ب “النوفرة” إلى البحرة “النافورة” الموجودة أمامه والتي كان يتراوح ارتفاعها بين 4 و5 أمتار. غير أن هذه البحرة التي بنيت حولها بركة رخامية ضَعُف ماؤها وبقي اسم المقهى الذي يملكه ذيب وأحمد الرباط.

وماذا جاء بك إلى مطعم الحميدية؟

معلمنا أبو العز صاحب هذا المطعم يحب التراث. “لو ما بيحب هذا التراث، ما كان بيشغَّلني عنده”. أنا أعمل عنده منذ شهر ونصف. وهو يدفع لي أجر مع أنه أحياناً لا يأتي له جمهور.

متى نشأت مهنة الحكواتي؟

قرأتُ أن أول حكواتي كان في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لا أذكر اسمه الآن. كان هذا الحكواتي يروي السيرة النبوية الواردة في سيرة بن هشام. في مصر كان اسمه الراوي، وفي بلاد الشام الحكواتي، وفي العراق القصّاص، وفي المغرب المحدَّث. ثم تطوَّرت الموضوعات فتناولت السيرة الشعبية مثل سيرة عنترة بن شداد وهو أشهر فرسان العرب وأشعرهم في عهد الجاهلية وسيرة الظاهر بيبرس السلطان المملوكي الذي زاد عن الاسلام ضد أعدائه من الصليبيين والمغول.

وما هي السيرة الشعبية؟

هي سيرة تاريخية فيها العبرة والحكمة. فيها حب الأرض والدفاع عن الوطن. فيها حب الإنسان للإنسان. فيها فعل الخير. فيها التمسك بالأخلاق والقيم والنخوة.

وما جانب الحب فيها؟

إنه الحب الحقيقي النابع من القلب، الذي يسري في الدم. إن المحب في السيرة الشعبية لا ينظر إلى غير محبوبته. ليس كما يحدث الآن!

ومن قام بتأليف هاتين السيرتين: سيرة عنترة بن شدّاد وسيرة الظاهر بيبرس؟

سيرة عنترة بن شدّاد  ألفها – راوية العرب عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي الشهير بأبي سعيد الأصمعي (121 ه – 216 ه / 740- 831 م). وسيرة الظاهر بيبرس ألَّفها في العصر المملوكي بن الديناري وبن الدويداري ناظر جيش هذا السلطان المملوكي (الظاهر بيبرس). ثم تطورت ونمت عبر السنين إلى أن أخذت شكلها النهائي في بدايات العصر العثماني.

وما حجم هاتين السيرتين؟ أقصد عدد الصفحات؟

سيرة عنترة بن شدّاد  مكتوبة في 3200 صفحة. وسيرة الظاهر بيبرس مكتوبة في 180 كتاب مكون كل واحد من 100 صفحة.

وماذا عن الشكل الفني؟ هل تُكتب السيرة الشعبية شعراً أم نثراً؟

غالباً شعراً وأحياناً نثراً.

في أي الأحوال؟

تُكتب السيرة الشعبية شعراً مع الحبيبة وأثناء الحرب. يعني مثلاً يقول عنترة بن شدّاد

معبراً عن شدة شوقه إلى عبلة وما يلاقي من فراقها:

إذا كان دمعي شاهدي كيف أجْحَد

هيهات يخْفى ما أُكَّن من الهوى

أقاتل أشواقي بصبري تَجلداً

إلى الله أشكو جَوْر قومي وظلمهم

خليلي أمسى حُبٌّ عبلة قاتِلي

حرام عليَّ النوم يا بنة مالك

سأندبُ حتى يعلم الطير أنني

وألثُم أرضاً أنت فيها مقيمة

ونار اشتياقي في الحشا تَتَوقَّدُ

وثوب سقامي كل يوم يجدد

وقلبي في قيد الغرام مُقيَّد

إذا لم أجد خلاًّ على البعد يعضِّدُ

وبأسي شديد والحسام مُهَنَّد

ومَنْ فَرْشُه جمر الغضا كيف يرقُد

حزين ويرثي لي الحمام المغرَّدُ

لعل لهيبي من ثرى الأرض يَبْرَدُ

كما يقول عنترة بن شدّاد في إغارته على بني حُريقة:

حكِّم سيوفك في رقاب العذَّل

وإذا بُليت بظالم كن ظالماً

وإذا الجبان نهاك يوم كريهة

فاعص مقالته ولا تحفل بها

واختر لنفسك منزلاً تعلو به

فالموت لا يُنْجيك من آفاته

موت الفتى في عزة خير له

 

وإذا نزلت بدار ذلٍّ فارحل

وإذا لقيت ذوي الجهالة فاجهل

خوفاً عليك من ازدحام الجَحْفَل

وأقدم إذا حقَّ اللقا في الأول

أو مت كريماً تحت ظل القَسْطَل

حصن ولو شيدته بالجندل

من أن يبيت أسير طرف أكحل

ما معنى “القسطل”؟

الغبار في الموقعة.

– وما معنى “الجندل”؟

مكان في مجرى النهرفيه حجارة تشتد حولها سرعة التيار وتتعذر الملاحة.

هل سيرة الظاهر بيبرس كانت بهذا الأسلوب نفسه؟

في سيرة الظاهر بيبرس، هناك شخصية إبراهيم سياج العذارى. كان إبراهيم هذا فارساً شجاعاً، أفرس فرسان الملك بيبرس. وكان ساعده الأيمن وسلحداره. كان صاحباً لكل امرأة. فحماية المرأة دور من أدوار الفروسية. كان يقول في شعره:

انظر لفارس نهار الحرب قد حضرا

شريف الاصل حاز كل طيبة

فكم له من وقائع ظهرت

لقد اتى يوم العريش منفرداً

وهو ينادي في كامل عساكرهم

الله اكبر على الاعداء قاطبة

اين الرجال الذي ياتوا محاربتي

ولما اتى فرنجيل للست يأسرها

فاستغاثت بضيقتها لمن معها

فتقبل الباري منها مقالتها

ثم ارسلني من سوف اذكره

اعني عن الخضر شيخي ومعتمدي

صحت صياحا ما صاحه بطل

وقد نزلت على الكفار ميمنة

وفرقت جميع الكفار اجمعها

فقالت ما يكون الاسم يا بطل

انا الذي وحش البر يشهد لي

ابات في الغابات ما أحد يونسني

اين الحياة الذي كانت تسامرني

حقيق كنت ارعى الابل في صغري

رعيت اثنى عشر الف ماشية

فلاج انا مشقوق الكعاب انا

فان الذي عايرني وينظرني

وينظرني والليل معتكر

 صلىّ وصام وآيات الكتاب قرا

من المكارم والانساب والفخرا […]

وسوف يأتي فخر على فخرا على فخرا

وفرق جيش الخصم والكفرا

والسيف يعمل في العدا هبرا

الله ينصرنا حقا على الكفرا

افنيهم بالصرام الوفي الذكرا

جمع الالوف وكانوا كلهم خسرا

مالوا الى الاعدا قد عاينوا الضجرا […]

وكل شيء له أصل ومختبر

أن انجد الست واوصلها الى مصرا

وقد وجدت نفسي قريبا من السحرا

ترج القلوب له ويفلق الحجرا

فاقلبتها حالا على اليسرا

واخذت السلب منهم مع البدرا

فقلت لها اسمي ضاع وانتكرا

شهرين اطعمهم لحم العدى صبراً

سوى الوحوش والغيلان والنمرا

وقال لي انت راعي الإبل والبقرا

وانا صغير السن مغتفرا

حرستهم في شدة المكرا

مشدود موسى وعهد الله لا نكرا

يوم القتال اذا ما ثارت الغبرا

وانا أحارب الاعداء لازم السهرا

والنثر يكتب في أي مجال؟

ليس في بالي الآن.

ما هي الظروف التي صاحبت الانتقال من الدين إلى الدنيا في فن السيرة؟

تعدد الرواة وكثرتهم. فأصبح هناك رواة للسيرة النبوية مثل علماء الدين ورواة للسيرة التاريخية.

ماذا كان دور الحكواتي في الماضي؟

الإرشاد والتوعية والتوجيه. وقد شجع الحكم العثماني دور الحكواتي في رواية السيرة الشعبية لالهاء الناس عما يفعله الحكّام. كما كان الناس يذهبون إلى أعمالهم مع إشراقة الشمس. وعند الغروب، يدخلون المساجد ويصلّون المغرب ويعودون إلى بيوتهم. . فتنبّه لهذا الأمر أرباب الشعائر الدينية ودعوا الحكواتي إلى أن يقدم برنامجه بين المغرب والعشاء حتى يصلي الناس العشاء في المسجد.

وما الفائدة؟

أن يتواجد الناس بالمساجد! ومع تطور الزمن، أصبح الحكواتي مرشداً اجتماعياً يرشد الناس إلى الطريق الصحيح من خلال روايته للقصة. والآن، صار الحكواتي مسرحاً كاملاً (أقصد عدة شخصيات) في شخصية واحدة. إضافة إلى أنه يوقظ ضمائر الناس حول حب الوطن وحب الناس لبعضهم البعض والحث على عمل الخير.

وما هي قيمة إحياء التراث الآن؟ ما هي حاجة العصر الحالي إلى ذلك؟

الماضي امتداد للحاضر. والقيمة تتمثل فيما يرويه الحكواتي ويهدف إليه من خلال سيرته كتنظيم المجتمع وإصلاح ما فسد منه.

تقصد القيمة الرمزية؟

نعم. من خلال موضوعات تاريخية، نقول للناس: انظروا كيف كان آباؤكم وأجدادكم وكيف تحسّنوا.

هل لك نشاط خارج سورية؟

نعم. شاركتُ لمدة ست سنوات في مهرجان جرش بالأردن: من عام 1994 حتى عام 1999 . كانت صاحبة مسرح المدينة ساعتها هي السيدة/ نضال الأشقر. سيدة المسرح وممثلة وفنانة ومسرحية، أشهر من علم في الأردن وأقوى من دريد لحّام في سوريا. وتقريباً في عام 1997 أو 1998 كانت لي مشاركة متميزة لمدة ثلاث أيام أقمتُ فيها عُرْساً لعنترة بن شداد.

وتجاوب جمهورك؟

الواقع لا يدعو للتفاؤل فالجمهور مشغول كثيراً. لكن البعض يأتون أحياناً إلى المقهى وهم لا يعرفونني مسبقاً. ثم ينسجمون ويقولون لي” “أداء كويس. الله يعطيك العافية. متي تأتي ثانية؟”. وفي المرة التالية، يأتون ومعهم “آلة تصوير” ويصوَّروني. ولي أيضاً جمهوري الذي يعرف مسبقاً ما سأقوله: إذ يكون مواظباً على الحضور كل ليلة ويكون قد سمع الحكاية من قبل.

هل كوّنت مدرسة؟

أنا أؤدي رسالتي. ولكنني غير مسئول عمن يأتي بعدي لإحياء التراث. هذه ليست مسئوليتي. إنها مسئولية الثقافة والإعلام العربي معاً. مسئولية كل من يهتم بالتراث.

هل تعتزم توريث مهنة الحكواتي لابنك؟

لا. أنا غير مستعد لأن أعلم ابني هذه المهنة ولا مهنة خيال الظل، مع أنه يرغب في ذلك.

إلى هذه الدرجة؟ لماذا؟

أبو شادي:“علشان ما يموت من الجوع. أنا لو ما بأحبها ما بشتغلها”.

المكافأة على هذا العمل غير مغرية إذن؟

لا على الإطلاق.

هل هناك حكاوتيون أخر في العالم العربي؟

لا. أنا الحكواتي الوحيد المتبقي في العالم العربي. وقد ذُكر في الدليل السياحي Blue guide ص 144 أنني الحكواتي العربي الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة وأنني أمارس هذه المهنة في سورية.

علمي أن هناك في مصر حكواتياً!

لا. الموجود بمصر قصّاد ربابة. هذا مختلف عن الراوي.

وماذا أضفْتَ إلى هذه المهنة؟

اللعب بالسيف والضرب بالسيف ومداعبة الجمهور. لم يكن الحكاوتيون يفعلون ذلك من قبلي.

ولماذا هذا الزي التقليدي الذي ترتديه؟ لماذا لا ترتدي اللباس الأفرنجي؟

إن اللباس يجب أن يتناسب مع مضمون ما أروي من قصص وأحداث. أنا أردت أن يشبه ما كان يلبسه الحكواتية أيام زمان.

من أين تأتي بكتب السيرة الشعبية التي تقرأ منها؟

هي غير موجودة بالمكتبات. أنا أتيت بها في عام 1998 من عند الناس الذين مارس أهلهم مهنة الحكواتي. أما النسخة الأصلية فموجودة بألمانيا. كانت هذه الكتب ساعتها معفنة وبها نسبة رطوبة عالية ومهترية. فقمتُ بتهويتها وتنظيفها وتصويرها.

من هؤلاء الناس بالضبط؟

هم من أهل الشام الأصليين ويسكنون الآن في ريف دمشق، في الغوطة، 30 كم خارج دمشق.

ما هي الصعوبات التي تواجهك في ممارسة مهنتك؟

إن عملي يحتاج إلى تحضير. وهذا التحضيريحتاج إلى مزيد من التفرغ. لكنني لا أستطيع ذلك لأن ليس لدي مورد مادي جيد. ولذا فأنا مضطر لأن أفتح بقالة أديرها حتى ساعة عملي بالمساء كحكواتي.

ماذا تقصد بهذا التحضير؟ ألا تقرأ مباشرة من كتب السيرة الشعبية التي حصلت عليها؟

لا. إن التحضير يتكون من شقَّين: الإنتقاء والتحويل من الفصحى إلى العامية. بالنسبة للإنتقاء، كان عليَّ مثلاً أثناء “مهرجان دمشق للثقافة والفنون” أن ألخص عدد 1200 صفحة وهي سيرة عنترة بن شداد في عدد 20 صفحة لأتمكن من روايتها خلال ساعة واحدة. يعني نشوء عنتر وحربه مع العبيد وطلبه النسب من أبيه واعتراف أبيه بنسبه وطلبه المهر من عمه وذهابه إلى أبيه في العراق لجلب النوق العصافيرية وزواجه من عبلة. كل ذلك في ساعة واحدة. باختصار، أنا أحاول أن أقدَّم للناس ما يرغبون فيه. وهذا يحتاج إلى تحضير.

ولماذا التحويل من الفصحى إلى العامية؟

العالم العربي كله يحب العامية ولا يحب الفصحى. فرق بين أن تقولين لشخص: “كيف حالك؟” وبين أن تقولين له: “إزايك؟”. والشيء نفسه بين “كيف حال أهلك؟” وبين ” إزاي بابا وماما؟”. غير أن هذا التحويل من الفصحى إلى العامية ليس سهلاً وأنا أعاني منه. لكن للأسف لا أحد يشعر بذلك.

هل هناك صعوبات أخرى تواجهك؟

إن مهنة الحكواتي غير معترف بها. ولا أية نقابة مسئولة عنه. ولا حتى نقابة الفنانين. فالحكواتي لا يعتبر بالنسبة لها فناناً. فقط اعترفت بي نقابة الفنانين في ألمانيا. شخص ألماني اسمه توماس Thomas أصدر كتاباً عن الحكواتي. وبعث إلي برسالة يطلب مني فيها الموافقة على وضع صورتي على الغلاف. فوافقت. وفعلاً، وضع صورتي على الغلاف.

ما هي دراستك؟

أنا حاصل على الشهادة الابتدائية في عام 1956.

كم عمرك؟

عمري 58 عاماً ومولود في عام 1944. أنا أحصي العمر بالسنوات التي عشتُ فيها سعيداً. ولا أحصي العمر بالسنوات التي عشتها كلها.

وما الذي يسعدك؟

عندما كنتُ صغيراً، كنتُ أعيش مرفَّهاً جداً. كان والدي برجوازياً وكنتُ كل ما أطلبه منه يقدمه إليَّ. وبعد ما توفي والدي في عام 1956، لم أعد أعيش حياتي. صارت حياتي قاسية.

ماذا كان والدك يعمل؟

أبي كان يصنع قباقيب. فقديماً لم يكن هناك “شحاطات” (= أحذية). كانت عنده ورشة كبيرة. وبعد وفاته، تحملتُ المسئولية وراح كل شيء: نصب الناس علينا وأنكروا الحق.

وبعد ذلك؟

بدأتُ أجاهد في هذه الحياة حتى صار لديَّ محل تجاري. أثناء ذلك، صدمتني سيارة وكُسرت “رجلي” وصار بها تخسر وريدي حتى الآن. ومكثتُ في المنزل سنة كاملة انكسرْتُ فيها وعدتُ إلى الوراء. وإلى الآن ما زلتُ أكافح.

كم لك من الأبناء؟

عندي ثلاثة أبناء. الكبرى: هبة، متزوجة من شاب مصري يعمل بالكويت وهي ربة بيت وأم لطفلين: محمود وآية. الثاني: شادي حاصل على الكفاءة (=الشهادة الإعدادية) ويعمل سائق سيارة أجرة ومصمم لمواقع بالإنترنت على شبكة “جوجل وان” Google one بالأردن (هو ملازم لي دائماً أثناء ممارستي لمهنة الحكواتي). والصغرى: لميس تتدرب على مهنة “كوافيرة”.

أين تسكن؟

في ريف دمشق.

ولماذا لا تسكن بالمدينة. أليس ذلك أقرب؟

طبعاً، المدينة أقرب. لكن ظروف كسر رجلي وما أصابها من تخسر وريدي وكذلك خسارتي المادية، كل هذا جعلني أسكن بالريف حيث إيجارات المساكن أرخص. لكن يا للأسف ما أدخره في إيجار السكن أدفعه في المواصلات التي تنقلني إلى المدينة. فأنا أحتاج إلى ثلاث سيارات “سرفيس” لتنقلني إلى المدينة. والرحلة فيها تستغرق ساعة ونصف. إلا إذا كان ابني معي بسيارته، فأنا أصل في ثلاثة أرباع ساعة.

كلمة أخيرة.

عتاب! لي عتاب على كل الصحفيين الذين يكتبون عنّي ويعدونني أن يرسلوا لي نسخة من العدد المنشور به المادة المتعلقة بي ولكنهم لا يرسلون إليَّ شيئاً. أولى بهم ألا يعدونني بشيء. أنا لا أريد الجريدة كلها. المقال فقط. هذا جعلني لا أجلس أبداً مع الصحفيين وأرفض مقابلتهم. من ألمانيا، تأتيني صوري بالبريد المسجَّل مع التحية والشكر. صحفي أمريكي أجرى معي مقابلة. ولما عاد إلى بلاده نشرها وأرسلها لي. أنا وضعتها في إطار وعلَّقتها في المقهى (مقهى النوفرة). الأجانب يَصْدقون في قولهم. أما في الصحافة العربية، فالصحفي يكتب وينشر ويقبض المكافأة ويضعها في جيبه وينساني. أقول له إرسل إليَّ نسخة ولا يرسل. عدم الوفاء بالوعد ليس من الأخلاق. نحن من شيمتنا الصدق!

——————————

          ومرت السنوات واشتقتُ إلى أبي شادي. فاتصلت به هاتفياً في أواخر صيف 2009:

كيف حالك يا أبو شادي؟

نشكر الله.

ماذا عن أخبارك الفنية؟

في عام 2005، أقمتُ أمسية حكواتية في مركز ثقافي بالبحرين. وفي عام 2007، أقمتُ شهراً كاملاً في شهر رمضان في “مول الإمارات العربية” بدبي، بناءً على طلب شركة ألماظ. وفي عام 2008، أقمتُ أمسية حكواتية بالشارقة. كما أن قناة الجزيرة عرضت في العام نفسه 2008 فيلماً وثائقياً عني بعنوان الحكواتي، أعده بشار إبراهيم وأخرجه أسامة العبد. وذلك ضمن سلسلة “حالة إبداع”.

وما نشاطك الآن؟

أقوم الآن بتحويل سيرة عنترة بن شداد من الفصحى إلى العامية كتابةً. فالناس تحب العامية.

وماذا عن مهنة الحكواتي؟

الجالس الآن مكاني هو ابني شادي الذي صار عمره 32 عاماً. هو حكواتي في المساء وصاحب خيال الظل في الصباح.

ما هو خيال الظل؟

هو فن شعبي يعرف في العامية باسم ” كراكوز وعيواظ”. انتقل إلى العالم الإسلامي من الصين أو الهند عن طريق بلاد فارس واشتهر به العصر المملوكي على وجه الخصوص. ويعتمد على دمى من الجلود المجففة ذات الألوان المتباينة، تتراوح أطوالها بين ثلاثين وخمسين سنتيمتراً، ويتم تحريكها بعصا وراء ستار من القماش الأبيض المسلط عليه الضوء (جاز أو شمعة)، مما يجعل ظلها هو الذي يبرز للمشاهدين. ويقدم تمثيليات تناقش مواضيعاً سياسية وإجتماعية وتاريخية بطريقة فكاهية ساخرة.

وما هو دور شادي في هذا المسرح؟

شادي هو الذي يحرك هذه الدمى وينطقها بصوته في إطار قصص تستهدف نقد المجتمع.

كنتَ قد قلتَ لي منذ أعوام أنك غير مستعد لتعليم مهنة الحكواتي ولا مهنة خيال الظل لابنك حتى لا يموت من الجوع!

نعم أذكر ذلك. وابني شادي يردد هو أيضاً أن كلاًّ من مهنة الحكواتي ومهنة خيال الظل “لا تطعم خبزاً!”. ولكنه هو أيضاً يحبهما!

——————————————-

          وهكذا تمضي مسيرة الحكواتي في دمشق القديمة وفي العالم العربي، رغم ضعف ربحها المادي ورغم ما تواجهها من صعوبات، وذلك بفضل حب صاحبها لمهنته، مكملةً اليوم كل من دور المسرح و”التليفزيون” و”السينما”، بل ومنافسة له بالذات في شهر رمضان من كل عام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: