أدب الأطفالحوارات

 ليفانت يحاور كاتب أدب الأطفال، الشاعر عبده الزراع

حوار: ليفانت

أهلًا وسهلًا بضيفنا الكريم، أ. عبده الزراع، الذي بات اسمه معلمًا من معالم أدب الأطفال في مصر، بعد أن خضتم في الفاعليات والأنشطة المتعلقة بأدب الأطفال العربي.. في بداية حوارنا نود أن نسمع من حضرتك عن المولد والنشأة والتكوين وتجربتك في السفر والتكريمات والشهادات المميزة التي حصلت عليها، وعن المناصب والمهام التي شغلتها؟

ولدت فى قرية برنبال، مركز مطوبس، محافظة كفر الشيخ، تلك القرية التى تتمتع بموقع جغرافى فريد، حيث يحدها من ناحية الغرب نهر النيل الآتى من قناطر إدفينا، التى تبعد عن القرية بحوالى خمسة كيلو مترات، متجهة فى طريقها إلى قرية “الجزيرة الخضراء” ليلتقى عندها ماء النهر بماء البحر المتوسط، ليكمل بعد ذلك سريانه إلى مدينة رشيد التى تبعد أيضا عن القرية حوالى 14 كيلو مترا، كما قال دكتور جمال حمدان فى كتابه “شخصية مصر” ، ويحدها من ناحية الشرق بحيرة البرلس التى يعمل بها نصف سكان قريتنا بمهنة الصيد بالقوارب والمراكب الشراعية، والنصف الآخر يعمل بمهنة الزراعة، ومهن أخرى متنوعة، علاوة على أنها بها عددا كبيرا من أضرحة الأولياء التى يكثر حولهم الحكايات والأساطير، وكان يقام بها سنويا مولد سيدى الدحدح، الذى كان يأتى إليه رجال الطرق الصوفية ببيارقهم الخضراء والمزركشة من القرى والمدن المجاورة، فتذبح الذبائح وتقام الولائم ابتهاجا بمولده، وللأسف توقف الاحتفال به بعدما هاجم السلفيون إقامته من على منابر المساجد.

نشأت فى طفولتى الباكرة فى هذه الطقوس وحكايات جدتى نبوية ، وعلى الكثير من أغانى الصيادين التى كانوا يتغنون بها أثناء العمل فى البحيرة للتسرية عن العمال، وأغانى الأفراح، والحصاد، والحجيج، وأغانى السبوع، والعديد وغيرها من الأغانى والألعاب الشعبية، كل هذه الأشياء أثرت فى تكوينى وأثرت مخيلتى الإبداعية.

ثم قراءاتى الأولية المتنوعة والغير ممنهجة فى المرحلة الاعدادية فى مكتبة المدرسة، والتى أهلتنى بعد ذلك لقراءات أكثر عمقا وأهمية بعد ذلك.

وفى المرحلة الثانوية عرفت طريقى إلى بيت ثقافة مطوبس وندوته الأسبوعية التى كانت بمثابة ورشة إبداعية، وتفتح وعيى فى تلك الفترة على قراءات مختلفة، وبدأت أهتم بقراءة الشعر فكنت أحفظ قصائد فاروق جوية، ونزار قبانى، وجاهين التى كانت تتناسب مع مرحلة المراهقة، إلى أن بدأت أكتب الشعر، فتعرفت على تجارب الشعراء المصريين والعرب، مثل: أمل دنقل، وصلاح عبد الصبور، ونازك الملائكة، وحجازى، وسمير عبد الباقى، والأبنودى، وحجاب، وزين العابدين فؤاد، وبعد ذلك أصبحت عضوا فى نادى الأدب بعدما أصبحت شاعرا أكتب الفصحى والعامية، وأحببت تجربة العامية التى وجدتها الأقرب إلى روحى ووجدانى المشبع بالموروث الشعبى الغنى والمتنوع، من حكايات، وأغانى، ومواويل، وأمثال، وعديد، وغيره، سرقتنى العامية من الفصحى، خاصة بعدما قرأت ديوانى “وجوه على الشط” للأبنودى، و”وردة على خد موسكو” لسمير عبد الباقى، كنت قد اشتريتهما من سور النبى دنيال بالإسكندرية فى أحد زياراتى لها، وسرعان ما تطورت قصيدتى العامية، فعرفت طريقى إلى النشر مبكرا فى الصحف والمجلات الأدبية، وكان باب أدباء الأقاليم فى جريدة الجمهورية الذى كان يشرف عليه الشاعر الكبير محسن الخياط، ومن بعده الصديق يسرى السيد هو من احتضن قصائدنا الأولى، ثم مجلة الثقافة الجديدة، ومجلة أدب ونقد.

وعرفت بعد ذلك طريقى إلى القراءة المؤسسة والمنتظمة عن طريق بعد أصدقائى اليساريين الذى كانوا من أجيال سابقة، ويمتلكون مكتبات كبيرة ومتنوعة، فقرأت فى مكتباتهم عيون الأدب الروسى، أعمال دوستوفيسكى، ومكسيم جوركى وفتنت برواية “المسيح يصلب من جديد لكزانتزاكس، وديوانى “إلزا” و”عيون إلزا” لأراجون، بترجمة عمنا فؤاد حداد، وديوان “الأرض الخراب” لاليوت، وبعض أعمال ديكنز، وأعمال نجيب محفوظ، والحكيم، ويحى حقى، ومحد عبد الحليم عبد الله، ويوسف إدريس، واحسان عبد القدوس، وخيرى شلبى، والغيطانى، وإبراهيم عبد المجيد، والبساطى، وبهاء طاهر.. وغيرهم كثير. ودواوين: سعدى يوسف، والسياب، وأدونيس، وفدوى طوقان، ونجيب سرور، وبعض كتب التراث، مثل: إخوان الصفا، وألف ليلة وليلة، العقد الفريد، وقصة الحلاج، والحيوان للجاحظ، والأغانى للأصفهانى، وقراءات أخرى متنوعة.

****

أما عن تجربتى فى السفر خارج مصر، فقد سافرت فى بداية التسعينات –أيام غزو العراق للكويت- للعمل فى ليبيا، وكانت الأحوال السياسية فى تلك الفترة غير مستقرة  بين ليبيا ومصر، فلم أستطع المكوث طويلا فقررت العودة بعد ستة أشهر، ثم سافرت بعد ذلك إلى الأردن عام 2014، ضمن الوفد المصرى للمشاركة فى اجتماع اتحاد الكتاب العرب، وفى عام 2015 سافرت إلى الشارقة بدولة الإمارات العربية، لتمثيل مصر ضمن وفد مكون من 12 كاتبا للأطفال فى المهرجان القرائى للأطفال، وفى عام 2019 سافرت إلى أبو ظبى بدولة الإمارات العربية للمشاركة فى أعمال اجتماع اتحاد الكتاب العرب مشاركا كشاعر فى الأمسيات التى أقيمت على هامش المؤتمر.

****

التكريمات تأتى للمبدع متأخرة كثيرا عن مرحلة الإبداع، لأن التكريم –فى نظرى- هو إعتراف من قبل الجهة التى قامت بالتكريم بأهمية إبداع المكرم، وقد حصلت على عدد كبير من التكريمات خلال مسيرتى الإبداعية من جهات ثقافية مختلفة حكومية وغير حكومية، وأهم تكريم نلته فى حياتى هو تكريم رئيس الجمهورية الذى شرفت به فى عيد العلم يناير عام 2005 مع الفائزين بجوائز الدولة، وكرمت من المهرجان الأول للكاتب المسرحى المصرى بمسرح العرائس بالعتبة عن عرض مسرحيتى “القلم المغرور” فبراير عام 2005، ومهرجان أجيال لثقافة وفنون الطفل، الذى أقامته مؤسسة أجيال بدار الأوبرا المصرية عام 2012، كما كرمت فى احتفالات إنتصار أكتوبر التى نظمها المسرح القومى للأطفال عن تأليف وأشعار مسرحيتى “كوكب سيكا” عام 2014، وفى مهرجان الأقصر للفنون التلقائية ومسرح الطفل (الدورة الأولى) بقصر ثقافة الأقصر عن مشوارى الأدبى المتميز فى الكتابة لمسرح الطفل عام 2014، ومن هيئة قصور الثقافة عن مشوارى الأدبى وذلك فى مسقط رأسى بقريتى “برنبال” بمركز مطوبس محافظة كفر الشيخ، عام 2016، ومن إدارة الموهوبين والتعليم الذكى بمحافظة البحيرة فى المهرجان الأول للموهوبين بالمركز الثقافى بدمنهور ضمن تكريم مجلس تحرير مجلة قطر الندى ودورها فى رعاية الموهوبين على مستوى الجمهورية عام 2016، ومن مهرجان شعر العامية المصرية (أشمون أرض القمر) بمحافظة المنوفية دورة الشاعر الكبير سيد حجاب عام 2017، وفى إحتفالية مجلة قطر الندى بإصدار العدد (600) بإعتبارى أحد المشاركين فى تأسيس المجلة وأحد رؤساء تحريرها فى شهر مايو 2018، وكرمت بصفتى عضوا لجنة تحكيم برنامج (حكايات المساء) منذ دورته الأولى ومعد البرنامج فى هذه الدورة فى ديسمبر 2019، وبصفتى عضو لجنة الطفل بمعرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته (الخمسون) اليوبيل الذهبى فبراير عام 2019، علاوة على عدد كبير من التكريمات فى مؤتمرات أدب الطفل التى أقيمت فى مصر والخارج وشاركت فيها بورقات بحثية.

وقد شغلت العديد من المهام والمناصب الثقافية والادارية، منها، على سبيل المثال لا الحصر، عينت سكرتيرا لتحرير مجلة قطر الندى للأطفال منذ صدورها فى ديسمبر عام 1995، واستمريت بها ما يقرب من 22 عاما متصلة، حيث أصبحت مديرا للتحرير ثم رئيسا لمجلس التحرير من عام 2014 حتى عام 2016، ثم عضوا بمجلس تحريرها لمدة عام آخر.

وتوليت رئيسا لتحرير نشرة (أخبار الكتاب) التى يصدرها اتحاد الكتاب، لمدة دورتين فى عهد رئيس الاتحاد السابق الأديب الكبير محمد سلماوى، بعد أن أصبحت عضوا بمجلس ادارته فى عام 2010، علاوة على أنى توليت رئاسة اللجنة الإعلامية بالاتحاد أيضا لمدة دورتين، ثم رئيسا لشعبة شعر العامية المصرية بالاتحاد، وأقمت مؤتمرها السنورى وكنت أمينه العام، وأرأس الآن شعبة أدب الأطفال بالاتحاد منذ ثلاثة أعوام وأقمت مؤتمرا للشعبة فى الدورتين السابقتين وكنت أمينهما العام.

كما أننى أشغل الآن منصب مدير تحرير سلسلة سنابل للأطفال التى تصدرها الهيئة العامة المصرية للكتاب.

علاوة على أنشطتى الثقافية والأدبية من خلال عضويتى فى لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة منذ عام 2011، وعضويتى بمجلس إدارة دار الأدباء ولتأسيسى وإدارة “ملتقى أدب الطفل” عام 2015، وتوقفه فترة ثم استئنافه  مرة أخرى منذ بضعة شهور، وعضويتى بأتيليه القاهرة.

أما المناصب الادارية، فقد صدر لى قرارا بادارة قصر ثقافة السادس من أكتوبر عام 2003، ولم أتسلمه لاختلافى وقتها مع رئيس الهيئة، ثم توليت منصب مدير عام فرع ثقافة الجيزة من يناير 2011 حتى مايو 2013، ثم مديرا عاما لفرع ثقافة الفيوم من أبريل عام 2017 حتى سبتمبر عام 2018م.

أصدرت كتبًا متنوعة في أدب الأطفال، وكتبتَ دراسات نقدية عنه، نرجو أن نسمع لمحات عن حصيلة الإنجازات التي أنجزتها في حياتك الأدبية والثقافية والإبداعية، وعن كتابات الغير عن أعمالكم؟

 صدر لىّ العديد من الاصدارات الأدبية فى مجال شعر العامية المصرية، وأدب الأطفال وثقافته، وكتب نقدية وبحثية، مايقرب من 45 كتابا، ففى شعر العامية صدر لى الدواوين الآتية:

“البندق طاش رشاش على شعرى” عام 1996، “آخر حكايات سهرانه” عام 1996، “الراجل اللى بيهذى” عام 2003، “الولد الوردة” عام 2004، “برواز على حيطة مايلة” عام 2010، “عيون البنفسج” –مختارات- عام 2011، “ثوار النهارده” عام 2012، “وتر مفلوت من الأحزان” عام 2015، “طير بيكدب ع السما” عام 2016، “حمحم براحتك فى البراح” عام 2019، “لمسة حنان من ريش جناحها” عام 2020.

أما فى مجال أدب الطفل، فصدرت الكتب الآتية:

“رسمنا وردة” –ديوان- عام 1996، “أوبريت أحمد عرابى” عام 2000، “ليلة مولد النبى” –قصص- عام 2001، “أراجوز فنان” –ديوان- عام 2002، “العصافير بتحب النور” –ديوان- عام 2003، “ديك الدويكة” –ديوان- عام 2004، “أنا مين؟” -فوازير شعرية- عام 2005، “بساط النور” –ديوان- 2005، “صفر يا وابور” –ديوان- عام 2006، “حلوه البطة” –قصيدة طويلة- عام 2006، “غنى العصفور” –قصيدة طويلة- عام 2006، “دكان العم أحمد” –قصة- عام 2007، “الشجر طارح أخضر” -ديوان- 2008، “القلم المغرور” –مسرحية- عام 2009، “سر الأسرار” –مسرحية- عام 2010، “ثورة الألوان” –مسرحية- عام 2012، “الوردة الصديقة” –ديوان- عام 2013، “نخلة الشيخ فارس” –قصة- عام 2013، “غنوايه فى لعبايه” –ديوان فى جزءين- ط1 عام 2014، ط2 عام 2020، “قصاقيص قصاقيص” –ديوان- عام 2015، “أبو زلومة” –قصيدة طويلة- عام 2016، “إمبراطور البلى” –مسرحية عام 2016، “ألوان عمر” –قصة- عام 2016، “الشمس والشجرة” –قصة- عام 2017، “ياما خلق ياما صور” –ديوان- عام 2018، “عصفورى النونو” –ديوان- عام 2020.

أما الكتب النقدية والتراجم والاعداد، فهى:

“أحمد سويلم فى مرآة النقد” –إعداد- عام 2012، “إفتح شباكك على وسعه” –تقديم ودراسة- عام 2015، “وجوه مضيئة فى الأدب والفن” – تراجم- عام 2015، “درامية القصيدة.. نماذج معاصرة” –كتاب نقدى- عام 2016، “شقاوات الصبا” –طرف من السيرة- عام 2019، “أدب الطفل وثقافته” –دراسات وبحوث- عام 2019.

علاوة على إحدى عشر عرضا مسرحيا للأطفال من تأليفى وأشعارى، عرضت على مسارح الثقافة الجماهيرية، والمسرح القومى للأطفال، والمسرح المدرسى.

وكتب عن أعمالى الإبداعية العديد من النقاد والمبدعين، منهم: الدكتور مجدى توفيق، د. أمجد ريان، د. مصطفى عطية، د. مدحت الجيار، أحمد سويلم، كمال القاضى، فريد معوض، محمد ناصف، عبد التواب يوسف، سلوى العنانى، نشأت المصرى، صادق أمين، مصطفى غنايم، محمود عبد الصمد زكريا، عفت بركات، د. عمرو دوارة، د. حسن عطية.. وآخرين.

 ما الذي جعل عبده الزراع يتجه نحو أدب الأطفال؟ وبماذا تختلف لغة الخطاب في أدب الطفولة عن أدب الكبار؟ وهل تختلف أساليب الكتابة النقدية عن أساليب الإبداع؟ لعل صعوبات جمّة يعاني منها الكاتب حين ينوّع في كتاباته…! وقد تنوّعت كتاباتك، بين النقد والإبداع، وإن كان جلّها يتعلق بأدب الأطفال.. حبذا لو تحدثنا عن تجربتك المتعلقة بتنوع الأجناس الأدبية التي اشتغلت فيها، شعرًا وقصة ونقدًّا الموجّهة لأدب الأطفال؟

 كنت أعد نفسى لأكون من كبار شعراء العامية المصرية بعد إفتتانى بمشروع صلاح جاهين الشعرى الذى أحسسته الأقرب إلى روحى ووجدانى، وبدأت أتمثل قصائده وأتقمص روحه الشعرية فى كل ما أكتب من قصائد البدايات، وبدأت أنشر قصائدى فى المجلات والصحف ومع الوقت عرفت فى الوسط الأدبى من خلال ما أنشره من قصائد، وكنت أعد لاصدار ديوانى الأول للكبار (البندق طاش رشاش على شعرى)، فى تلك الأثناء إنتقلت للعمل بهيئة قصور الثقافة بالقاهرة فى منتصف التسعينات فى ادارة الثقافة العامة مع الكاتب محمد السيد عيد الذى كان مديرا عاما للادارة فى ذاك الوقت، وكان يعد لاصدار مجلة للأطفال بعنوان قطر الندى، وصدرت المجلة بشكل لافت ومبهر، وفى العدد السادس من المجلة فوجئت باختيارى من قبل “عيد” سكرتيرا لتحرير مجلة قطر الندى، وكنت غير مرحب بهذا الاختيار حيث كانت ميولى كلها –فى تلك الفترة- موجهة لشعر العامية للكبار، ولم يكن لدى أى استعداد نفسى لأن أعمل فى مجلة أطفال، وكنت أمنى نفسى أنا أعمل فى سلسلة موجهة للكبار، وأقنعنى “محمد عيد” بأن أقبل العمل فى المجلة، وبالفعل تسلمت مهام عملى، والغريب فى الأمر أننى سرعان ما أحببت هذا العمل، وارتبطت به، وبحكم عملى بدأت أقرأ كل ما يرد للمجلة من قصص، وسيناريوهات، وقصائد، ومواد صحفية، ووجدتنى مشدودا لهذا العالم السحرى الذى انفتحت كنوزه أمام عينى، وارتبط بها وجدانى، فدخلت إلى هذا العالم بمحض الصدفة، ولم يدر بخلدى فى يوم من الأيام أن أصير كاتبا للأطفال، وبدأت أقرأ الأعمال الأجنبية المترجمة، مثل: حكايات لافونتين الخرافية، وهانس كريستيان أندرسون، وحكايات البيت والأطفال للأخوين جريم، حكايات إيسوب، وقصائد خوان رامون، والأساطير، وألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنه، أعمال كتاب المصريين والعرب، أمثال: محمد عثمان جلال، وأحمد شوقى، وكامل كيلانى، وعادل الغضبان، وسعيد العريان، وعبد التواب يوسف، ويعقوب الشارونى، وفاروق سلوم، وسليمان العيسى، وزكريا تامر، وغسان كنفانى، وعلى الشرقاوى، وغيرهم كثير، ووجدتنى مدفوعا للكتابة الشعرية فكتبت عدة قصائد نشرتها فى مجلات قطر الندى، وكتاب الهلال للأولاد والبنات، ومجلة سمير، ثم جمعتهم فى ديوان، ومن حسن الطالع أن ديوانى الأول للأطفال (رسمنا وردة) صدر مواكبا لديوانى الأولى للكبار (البندق طاش رشاش على شعرى) فى نفس الشهر من عام 1996، وطرحت للساحة الأدبية شاعرا للكبار والأطفال، وتوالت بعد ذلك أعمالى القصصية والمسرحية للأطفال، بل اهتممت بكل ما يخص أدب وثقافة الطفل، مشاركا كمحاضر وناقد وباحث فى معظم ندوات ومؤتمرات ومهرجانات أدب الطفل المصرى والعربى، هذا بجانب اهتمامى بشعر العامية والبجث فى مجال الفولكلور، وثقافة الطفل.

بلا بشك تختلف لغة الخطاب فى أدب الطفولة عن أدب الكبار، لأن كاتب أدب الأطفال يضع نصب عينيه أثناء عملية الكتابة، أنه يخاطب فئات عمرية مختلفة، وكل فئة تختلف عن الأخرى من حيث قاموسها اللغوى، وقدراتها على الاستيعاب والتحصيل، وخصائصها النفسية والتربوية، فعليه أولا أن يحدد -قبل الشروع فى الكتابة- الفئة العمرية التى سوف يتوجه إليها بالكتابة، فمرحلة الطفولة المبكرة “ما قبل المدرسة”، تختلف عن مرحلة من 6 : 9 سنوات، ومن 9 : 12 سنة، وهكذا حتى نصل إلى مرحلة الطفولة المتأخرة التى تنتهى عند سن 18 سنة، فكل مرحلة من هذه المراحل لها خطاب خاص بها يتفق وخصائصها النفسية والتربوية، أما الكتابة للكبار تتحمل تقنيات أخرى مختلفة، حيث يلجأ الكاتب إلى حيل لغوية وبلاغية كثيرة، يستوعبها متلق هذه الكتابة لما يملك من ثقافة واسعة ومتنوعة، وحصيلة لغوية ضخمة، فالتورية، والجناس، والكناية، والاستعارة وما يسمى بالبلاغة القديمة، والمحسنات البديعية، وغيرها، يتحملها خطاب الكتابة للكبار، ولا يتحملها خطاب الكتابة للأطفال لعدم قدرتهم على استيعاب هذه التقنيات.

وتختلف أساليب الكتابة النقدية عن أساليب الإبداع، فالكتابة الإبداعية تحتاج إلى موهبة وخيال جامح، والالمام الجيد بأدوات الفن الذى يبدع فيه الكاتب، فأسلوب الكتابة الروائية -على سبيل المثال- يحتاج إلى حكاء ماهر، لديه مخزون ثرى من الحكايات والرؤى، بعكس القصة القصيرة التى تعتمد على التكثيف، والتركيز، واقتناص اللحظة فى أبهى صورها، والوصول إلى الفكرة من أقصر الطرق، أما كاتب الأطفال فيعتمد على الأسلوب البسيط والسهل، والدخول فى حدث القصة الطفلية مباشرة دونما مقدمات أو شروح، قد تستوعبها الرواية للكبار.

أما النقد الأدبى فله أساليبه الخاصة، حيث يتبنى الناقد الأسلوب العلمى فى الكتابة، لأن النقد مبنى على التحليل، والاستنباط، والاستنتاج، للوصول إلى ما يريده الكاتب، فالكتابة النقدية ابنة النظريات، مثل البنيوية، والتفكيكية، والحداثة، وما بعد الحداثة، غيرها، هذا بجانب النقد الانطباعى الذى يرتكن على الأسلوب الجمالى فى النقد، بحيث ينتج الناقد نص جمالى مواز للنص الإبداعى، وهو نقد يقوم على تفسير النصوص وشرحها أكثر من الغوص فى أعماقها لاستخراج اللؤلؤ المخبوء.

أما بالنسبة لتنوع الإبداع، أعتقد أن الشاعر الحقيقى والموهوب قادر على فعل الكتابة أي كان نوعه طالما أن لديه الرغبة فى ذلك لأنه يمتلك زمام اللغة والقدرة على التعبير، وقد بدأت كتابة الشعر منذ صباى كما أسلفت، وعشقت القراءة فى نقد الشعر وكانت مجلة فصول التى كان يرأس تحريرها الدكتور عز الدين اسماعيل، هى ملاذى الذى ربت لدي حاسة نقدية عالية، وتعلمت منها كتابة النقد، فكتبت مقالات فى نقد دواوين شعر العامية ثم الفصحى ولاقت طريقها للنشر فى الدوريات الأدبية المصرية والعربية، وعندما توجهت للكتابة للأطفال بدأت بكتابة الشعر ثم المسرح ثم القصة، ثم النقد والبحوث بعد ذلك، وكل فن من الفنون له أدواته فى التعبير عنه، وللأمانة أننى لا أجد الآن أى صعوبة فى التنقل بين الأجناس الأدبية المختلفة، لأننى لا أكتب إلا بعد الاحتشاد بالحالة والنوع الأدبى الذى سأكتبه، هذه الصعوبة كنت أجدها فى البدايات الأولى، أما الآن فأنا منغمس حتى أذناى فى القراءة والكتابة الإبداعية والنقدية.

 هل مررتم بمحطات الصحافة والإعلام في مسيرتكم المهنية، وهل تقلدتم مناصب في مجلات أو صحف ورقية ومواقع إلكترونية، وهل تثري الصحافة التجربة الإبداعية أو تضعفها؟

حينما انتقلت إلى العمل فى القاهرة كان على أن أبحث عن عمل آخر بجانب الوظيفة حتى أحسن دخلى كى يعيننى على أعباء الحياة ومتطلباتها، فبجانب عملى سكرتيرا لتحرير مجلة قطر الندى للأطفال، وجدت أن الصحافة الثقافية هى الأقرب إلى الإبداع، فالتحقت بالقسم الثقافى بجريدة الأهالى فى عز مجدها الصحفى فترة التسعينات، وتعلمت فيها أبجديات العمل الصحفى وأفادتنى هذه التجربة جدا وأهلتنى أن أعمل فى أى صحيفة أخرى، وسرعان ما تركتها وإلتحقت للعمل بالقطعة بمكتب جريدة الخليخ الإماراتية بالقاهرة  واستمريت به تسع سنوات ولم أتركه إلا عندما حصلت على جائزة الدولة التشجيعية فى شعر الأطفال عام 2003، وعندما صدرت جريدة القاهرة برئاسة تحرير عمنا الكاتب الكبير صلاح عيسى، عملت معه إلى أن رحل أكتب المقال، والنقد الأدبى، وعروض الكتب، إلى جانب الحوارات والتحقيقات الصحفية والتقارير، ولازلت حتى الأن أكتب بها مقالات بين الحين والآخر، كما إلتحقت بجريدة روز اليوسف محررا بالقسم الثقافى واستمريت بها عامين ونصف، وتركتها على إثر خلاف حدث مع زميل، ويوم تركتها عزمت ألا أعود للصحافة مرة أخرى، وأن أتفرغ للكتابة الإبداعية، لكن ظللت أعمل فى مجلة قطر الندى باعتبارها جزء من مشروعى فى أدب وثقافة الطفل، وبعد سنوات قليلة ترقيت إلى إدارة التحرير، ثم رئيسا للتحرير بعد ذلك، فى تلك الأثناء إلتحقت بمجلس الادارة، وعرض على أ. محمد سلماوى رئيس الاتحاد وقتها أن أرأس تحرير نشرة الاتحاد “أخبار الاتحاد”، وأرأس لجنة الإعلام، ومن دافع أنه عمل نقابى وافقت، ورأست النشرة وعملت على تطويرها، لدرجة أن الصديق الكاتب صبحى موسى كتب مقالا فى جريدة الفجر يشيد فيه بالنشرة قائلا ما معناه: “أنها لا تقل أهمية عن أخبار الأدب التى تصدر من مؤسسة أخبار اليوم”، وأرى أن العمل فى الصحافة يأخذ كثيرا من الإبداع، لأن الإبداع طاقة، فالطاقة التى أخرجها فى قصيدة أو قصة ممن الممكن أن تبدد فى مقال صحفى، أو تحقيق أو حوار.

 من مآسي أطفال بلدان في الشرق الأوسط وأفريقيا؛ ما تقشعر لها الأبدان، مآس وقضايا؛ قلما عالجها السرد العربي، ومنها ختان الفتيات، وجرائم الشرف بحق النساء، وأحوال تشرد أطفال الشوارع، وتسليح الميليشيات التكفيرية والطائفية للأطفال وإجبارهم على عمليات انتحارية، ومشكلة الجندر وإشكالية المثلية واعتداءات جنسيّة على الأطفال من قبل كبار يلبسون ثياب التقى والإيمان كذبًا، عدا عن الاعتقالات والإفقار والجوع والتهجير وغير ذلك، سؤالنا هل عالج أدباء العربية موضوعات تختص بهؤلاء المهمشين؟ وإلى متى يبقى أدباؤنا العرب، في أفريقيا وبلدان الشرق الأوسط متناسين الموضوعات المسكوت عنها؟

دعنا نكون أكثر صدقا مع النفس، للأسف أن معظم كتاب الأطفال فى مصر والعالم العربى تدور كتاباتهم فى فلك الاتكاء على التراث العربى والموروث الشعبى إما تقليده، أو استنساخه، أو إعادة صياغته، وبحيث تكون كتابة محافظة على القيم والأعراف، والتقاليد، بل ولا زالت هناك محاذير كثيرة لا يمكن الاقتراب منها فى الكتابة للأطفال، مثل معالجة موضوع الموت، أو القتل أو الدم، أو ختان الاناث، وجرائم الشرف بحق النساء، ومشكلة الجندر، والمهمشون، وغيرها من هذه القضايا التى ذكرتها فى سؤالك، كل هذه القضايا لازالت محظورة بالنسبة للأدب المقدم للطفل العربى، فى حين نوقشت معظم هذه الموضوعات فى الأدب الأجنبى المقدم للطفل، ولكن دعنا نقول أن هناك بعض القصص العربية القليلة جدا التى قدمت موضوع الموت، وقد كتبت الكاتبة المصرية أمل فرح قصة عن “الموت” وقازت بها فى مسابقة “اتصالات”، وكذلك الكتابة عن البيئات المهشمة والعشوائية، وقد كتب الكاتب الكبير يعقوب الشارونى رواية “ليلة النار” عن إحدى الأحياء المهمشة فى القاهرة، وعالج من خلالها مدى التكافل بين أفراد هذا الحى، وموضوعات التمييز العنصرى على أساس الدين أو اللون.

وأرى أنه آن الآوان أن نتناول فى إنتاجنا الأدبى المقدم للأطفال هذه الموضوعات، خاصة المنطوية على العنف والقتل، خاصة وأن ما يتعرض له الطفل يوميا من عنف وقتل وحرق من خلال ممارسته اليومية بالساعات للألعاب الألكترونية العنيفة القائمة على السطو والقتل والعنف بكل أشكاله تفوق كل تخيل، فطفل اليوم مهيأ لاستقبال مثل هذه القضايا واستيعابها، لكن أن نظل –نحن المبدعون- مكتوفى الأيدى هكذا نتحدث عن القيم الايجابية والجمالية وفقط فى جل انتاجنا الأدبى المقدم للطفل فهذا هو الخطأ بعينه.

  كيف تنظرون إلى المشهد الثقافي المصري ؟ هل يحمل ميزات الواقع الثقافي العربيّ، أي أما يزال يتصف بالعدمية والأمية الثقافية وانحطاط مستوى القيم الأخلاقية في مؤسسات السياسة المسيطرة على الأنشطة الثقافية؛ على ما بات معروفًا لدى قلة من المثقفين الواعين؛ لحقيقة معضلة الثقافوية المنتشرة بيننا؟ كيف بإمكان المثقف العضوي، أو الهووي، أن يستزرع وعيًا مختلفًا في المجتمع العربي، لاسيّما أننا نعيش في مرحلة تاريخية مفصلية إبان ثورة الربيع العربي المنتشرة في معظم الأقطار العربية في العقد الأخير؛ إذ احتشدت المآسي الجماعية والحروب الأهلية، وازداد القهر والإفقار والجهل والفساد في معظم الدول العربية، تُرى.. كيف انعكست هذه الأحداث الخطيرة وتداعياتها على الثقافة والأدب، وعلى الرواية العربية بشكل خاص؟ هل رصدتَ من موقعك بصفتك أديبًا مثابرًا ومجتهدًا معالم درب جديدة يؤسس لرؤى سياسية واجتماعية جديدة، ويؤصّل لكتابة إبداعية مختلفة عن السابق؟ 

المشهد الثقافى المصرى مشهد موار وزاخر وثرى بشتى ألوان الأدب العربى، من شعر، وقصة، ورواية، ومسرح، وأدب أطفال، ونقد، والمطابع تطرح يوميا عشرات الكتب فى الأسواق، لكن دعنا نقول أننا لدينا أزمة فى القراءة من قبل المتلقين، مثلنا فى ذلك مثل جميع الأقطار العربية، وذلك راجع –فى ظنى- إلى عدة أسباب، أولها: ارتفاع سعر الكتاب مقارنة بدخل الفرد، ثانيها: عزوف الناس عن الكتاب الورقى وانشغالهم بالواقع الألكترونى، والبحث عن الكتب الجديدة خاصة الروايات التى تشهد رواجا كبيرا فى سوق الكتب المصرية والعربية ويقرؤنها bdf، مما أربك سوق الكتاب، فلجأ الناشرون لطباعة كميات قليلة من الكتب الجديدة، وعندما تنفد الطبعة الأولى يطبعون طبعه ثانية وثالثة فى طبعات أيضا قليلة، حتى لا تتراكم لديهم فى المخازن، وثالثها: أننا لسنا شعوبا قارئة، وثقافة الشعوب العربية فى معظمها ثقافة سمعية، وهى ثقافة هشة وغير مؤسسة لتكوين وجهة نظر فى الحياة، ولازال انتشار الأمية فى مصر وبعض الدول العربية يؤثر سلبا بالطبع على نهضة الثقافة وتأثيراتها على الواقع المعيش، حتى الطبقة المتعلمة تعانى لدينا من الأمية الثقافية، والنخبة يعيشون فى بروج عاجية تفصلهم عن الاحتكاك المباشر بالشارع، والبسطاء من عامة الشعب، رابعها: غياب النقد الجاد العلمى الذى لا بد وأن يقوده متخصصون من أساتذة الجامعة، والنقاد الكبار، ولكن نظرا لانشغالهم بمشروعاتهم النقدية الخاصة بعيدا عن متابعة المطروح من إبداعات على الساحة، أدى إلى انتشار النقد الانطباعى الذى يمارسه الأدباء أنفسهم مجاملين بعضهم البعض، لسد النقص الكبير الذى خلفه النقاد.

لكن دعنا نقول: بأن المنتج الثقافى كبير، والواقع الثقافى والفنى ثرى ومتنوع ومتشابك بين الكتابة الأدبية، والفن التشكيلى، والسينما، والمسرح، ولكن كل هذا ينحصر فى الوسط الثقافى والفنى، فالأدباء يتبادلون الكتب بينهم وبين بعضهم البعض، ويقرؤن بعضهم بالكاد.. إذن هو واقع مأزوم عربيا ومنفصل عن الحياة وتأثيره على رجل الشارع ضعيف جدا.

وبلا شك ما مرت به الدول العربية فى السنوات الأخيرة من أحداث سياسية دامية، وماسمى بثورات الربيع العربى، وصعود التيار الدينى، وغيرها من أحداث إنعكس كل هذا على واقع الأدب العربى، فتناول الشعراء فى قصائدهم أحداث ثورة 25 يناير، وثورة 30 يونية فى دواوينهم، باعتبارهم الأكثر تأثرا بالحدث، وأصدرت هيئة قصور الثقافة سلسلة فى أعقاب الثورة أسمتها “إبداعات الثورة” واكبت كل ما أنتجه الأدباء من دواوين، وقصص، وروايات، ويوميات من الميدان، استلهمت الثورة، واستمرت من عام 2011، وحتى  2014، وأصدرت عددا كبيرا من الكتب، كما كتب صبحى موسى رواية “رجل الثلاثاء استلهمت شخصية أسامة بن لادن، وغيرها من الأعمال الأدبية التى كان جوهرها ما مر بالبلاد العربية من أحداث، ولكن فى رأيى أن معظم هذه الأعمال كتبت فى عجالة، لأن أدب الثورات الحقيقى لا يكتب إلا بعد مرور سنوات طويلة من التأمل لهذه الأحداث والثورات.

والمتأمل للمشهد الثقافى العربى يدرك أن هناك ثمة بزوغ لفجر كتابة جديدة، يكون منطلقها الثقافة العلمية والألكترونية والانفجار المعرفى الهائل الذى تشهده البشرية، على أيدى الشباب الذى عاصر هذا الانفجار المعرفى، والذى ولد وترعرع فى الثورات التى مر بها العالم العربى، فهذا الجيل الواعى هو الذى سيغير وجه الثقافة فى العالم العربى.

***********

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: