شعر

كسروا يراعي ولكني حفرت علي جدران مصر أناشيدي بأظفاري..

د. رفعت السعيد عن عبد الرحمن الخميسي

” كسروا يراعي ولكني حفرت علي
جدران مصر أناشيدي بأظفاري..
دمي هنالك مسكوب ،
وإن طمسوا حروفه
أج في الظلماء كالنار ..
وحيث هم صلبونا
كلما بزغت شمس
رأي الناس فيها لون أشعاري”.
عبدالرحمن الخميسي.

هذا الفتي الجميل حيرني، لم أعرف كيف أبدأ معه أو أكتب عنه، فعبدالرحمن الخميسي الذي تألق في السماء المصرية كواحد من أكبر وأشهر مثقفيها كان متعدد المهن ومتعدد الكفاءات، وتمضي به المهن غريبة بغرابة الرحيل، فقد بدأ كصبي بقال ومضي في مهن عديدة كمساري أتوبيس – شاعر – كاتب قصة – صحفي – مؤلف موسيقي – ممثل – مخرج سينمائي – مخرج مسرحي – كاتب مسرحي – كاتب سيناريو، وفي كل هذه المهن كان رائدا وناجحا ومتألقا، وهو فوق هذا كان واحدا من أشهر الحكائين في زمانه يسيطر علي كل جلسة بروح شديدة المرح، قاسية السخرية.
والفتي بدأ حياته ضحية لزواج فاشل فبعد عام واحد من ولادته تزوج الأب من زوجة أخري وطلق أمه التي أسرعت فتزوجت بآخر وتاه الرضيع بين أب لا يريده وأم لا تريده فنقلوه من بورسعيد إلي قريتهم منية النصر – دقهلية ويظل الخميسي حتي آخر أيامه ورغم كل ما حقق من مجد يشعر بمرارة السنوات الأولي ويكتب عنها أشعارا مريرة:
“أيها الماضي ألا تعرفني..
شد ما ألقاك قد أنكرتني..
أنت في قطعة كفنتها..
بسنيني وطواها زمني..
أنت بنيان أقمنا فوقه..
حاضرا.. يا ليته لم يكن”.
وفي سنوات الفقر والضياع اشتد حقده علي الأغنياء لكنه اكتشف سلاحا جديدا لمحاربتهم، وإذ كانت أسرة الحديدي هي رمز هذا الثراء في قريته فقد حاول إقناعهم وهو لم يزل طالبا في المنصورة الثانوية أن يتبرعوا له ليقيم مسرحا وناديا ثقافيا، رفض الإقطاعيون التبرع لهذا الولد، وجد قطعة أرض خالية وفي المساء جمع الشبان الفقراء وهاجموا المدافن الفخمة لكبار الإقطاعيين، انتزعوا منها كل شيء الأبواب والشبابيك والأرضيات.. وفيما يفككونها كان يصيح ويصيحون معا «أحياء الفقراء أهم من موتي الأغنياء، وهكذا بدايته النضالية مع الفقراء ضد الأغنياء، وفي الإجازات الصيفية كان يجمع الفلاحين ليقرأ لهم «سيف بن ذي يزين» و«أبوزيد الهلالي» وتأبي المرارة والفقر إلا مطاردته، مات الأب، ثم ماتت الأم ولم يعد يجد من يعوله، فعمل صبي بقال ثم كمساري أتوبيس، لكن الفن يلاحقه ويفرض عليه إرادته فيعمل مؤلفا لاسكتشات تمثيلية وغنائية لفرق مسرحية فقيرة تجوب القري والموالد ويجوب معها لما عشقه وظل يعشقه طوال حياته يؤلف الاسكتشات ويغنيها ويلعب دور المهرج الذي يضحك الجماهير، ثم هاجر إلي القاهرة ليمتهن مهنة غاية في الغرابة يكتب مقالات وقصصا وروايات وأغنيات ينشرها المشترون ليضعوا عليها أسماءهم اللامعة ويعود هو بالفتان «وطوال فترة صعلكتي القاهرية وحتي بعد أن أصبحت شهيرا عشت ملتحفا بمحبة دائمة مع الأب الروحي للرومانسية المصرية د. إبراهيم ناجي لكن رومانسيته كانت مليئة بالحنان أما رومانسيتي فقد كانت مليئة بالحزن والألم» (محضر نقاش معه أجري في 1 نوفمبر 1972 في بغداد) وأقلب في رومانسيته وأقرأ..إلي الظلام.. ويأسي وحنيني إلي السكون الرهيب هروبي من الحقيقية بالليل.. فأترع بخمره الوهم كوبي
وأقرأ في مقدمة ديوانه الأول «أشواق إنسان» «هذا الديوان كل قصيدة فيه مسقية من وجداني، مورقة برحيق ألمي، بدموع يأسي أو فرحي، متوردة بدمي»، إنه الألم القديم المترسب في أعماقه والذي دفعه إلي أن يقول وهو بعد في الثامنة عشرة من عمره :
” علام أضحك يا ويلاه من زمني..
وشاطئ فوقه الأهوال ترتطم..
لكنها ضحكة البركان قاذفة..
من قلبي النار أذكي أصلها الألم..
إني أقول لهذا الظلم في صلف..
اشرب دمائي واثمل أيها النهم..
هيهات تبلغ إذلالي وتخضعني..
إني قوي عتي ثائر برم”.
وتظل كلمات «إني قوي عتي ثائر برم» تغلف كل معايير حياته، ويمضي الفتي إلي يافا حيث يجد عملا مستقرا ومرتبا مجزيا في إذاعة الشرق الأدني كان يذيع النشرات والبرامج ويؤلف ويخرج ويكتب قصائد ويقدم نقدا أدبيا، قال لي ذات يوم في لقاء معه في موسكو «لو جمعت أعمالي في يافا لصارت هرما، كنت أعرف أن محطة الشرق الأدني يديرها الإنجليز لكنني وجهت أغلب برامجي ومسرحياتي الإذاعية ضد الخطر النازي والفاشي وأرضيت ضميري وسكت الإنجليز، لكن الحركة الوطنية تلتهب في مصر في 1945 وهي تلتهب ضد الإنجليز فيقذف بكل شيء المرتب الكبير والمسكن الفخم والاستقرار المريح ويعود إلي عشه القديم، لكنه يأتي هذه المرة ومعه اسم لامع، وتثقله المسئولية عن زوجه وأولاد، ويجد موقعا صحفيا مميزا في صحيفة الحوادث الوفدية ويطلق لقلمه العنان فتغلق المجلة ويحاولون القبض عليه فيهرب إلي الفيوم، وعندما تهدأ الأمور يعود ليتألق اسمه من جديد في عديد من الصحف والمجلات.. وبعدها يلتحق بالصحيفة الأكثر شهرة وهي «المصري» ويصبح واحدا من أبرز محرريها بل واحدا من أكثر الصحفيين والكتاب المصريين شهرة وإبداعا، ويلمع أكثر وأكثر علي صفحات المصري عندما ينشر «ألف ليلة وليلة» بعد أن أعاد صياغتها بأسلوبه العصري الرشيق ونواصل رحلتنا مع هذا الفنان المناضل الذي ظل يشدو دوما «إني قوي عتي ثائر برم».
جريدة الأهالي – 18 مايو 2011

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: