رواية

فصول من رواية “رسائل نادية” جزء 5 بقلم نهى عاصم

بقلم نهى عاصم

8

نظرتْ نادية إلى الرّسائلِ التي وصلتْ إليها، ولم تجدْ أيّ رسالةٍ من أهلها، فبدأت برسالةِ مدام هبة:

نادية

كيف حالُكِ يا عزيزتي؟ افتقدُك جدًّا… أحتاجُ للتحدّث معك مثلما كنّا قبل سفرِك ونحنُ نحتسي القهوة… أخذتُ قرارًا مصيريًّا لا رجعةَ فيه، وأظنّ أنّكِ تعرفينه، نعم استقلتُ من مكتب المحامي الذي باع ضميرَه منذُ زمن، قلت لي قبل سفرك “قلبك أخضر يا مدام هبة، مش بتاع لفّ ودوران، وما ينفعش تشتغلي في الأزرق”.

كنت على حقّ يا نادية، لا؛ ولنْ أبيع ضميري، لا أستطيعُ أنْ أتلاعب في قضايا، وأتسبّب في أذى أبرياء، أو أبرّئ مجرمين.

أنتِ على حقّ يا نادية… قد أكونُ أخذت وقتًا حتّى قرّرت، ولكنِ الحمدُ لله… لم أتورّط في أيّ شرّ، ولم أؤذِ أحدَهم، لا تتخيّلي مدى راحتي بعدما اتّخذت هذه الخطوة رّغم، أّني سأبدأ في البحث عن عمل، وظروفُ البيت تعرفينها، أنا وزوجي نساندُ بعضنا بعضًا، ولكنْ سيجبرني الله.

البنتان بخير، تسألانِ عنك، تفتقدان الثّياب التي كنتِ تبدعينَ في خياطتها لهما، والأستاذ علي سيبدأ عامَه الدّراسي في المرحلة الابتدائية بعد عدّة أشهر (العيال كبروا، وكبّروني يا ستّ نادية)

أمّي كما هي! تعيشُ لنفسها فقط… لا تسمعني، أو حتّى توافق أنْ تجالس الأولاد أثناءَ بحثي عن عملٍ في مكاتب المحاماة والشّركات القانونية.

تذكرينَ أبي-رحمه الله-يا نادية؟ لو كان حيًّا لتكفّل بإسعادي، والسّماعِ لي، ولكنْ قدّر الله وما شاء فعل، كان يردّد دومًا على مسامعي، “انظري لنا يا ابنتي وتعلّمي… لا تنتقل الطّباع في الأبناء مثل الجينات، بل تكتسبينَها… تجنّبي أخطاءنا، وخذي محاسن أفعالنا.”

 سأكون لأبنائي ولله الحمدُ مثلما كان أبي لي، وليس كأمّي… لطالما رفضت الغلطَ في عملي وأحاولُ أن أكونَ على صواب… إذًا هو خير.

في انتظار ردّك ومجيئك في القريب.

هبة

ترفعُ نادية رأسَها إلى السّماء شاكرة لله، وتقرّر أن تلجأ للعنود؛ فقد تستطيع أمّها مساعدة هبة، وتؤجّل الردّ عليها حتّى تستشير العنود غداً.

***

9

وقفتْ نادية متردّدة، وهي تسألُ مديرةَ القصر في خجل:

  • أستاذة آمال… أرجوكِ تعالي معي عند مقابلة الأستاذ هاشم، أخافُ أن أكون معه وحدي، وأنت أعلمُ النّاس بنظراته وتصرّفاته معي.

ردّت آمال بثقة:

  • بأيّ صفةٍ يا نادية أصحبُك وقد طلبَ منّي رؤيتك؟

  • تمسّكي بي وكأنّ لدي هبوطًا من الجوّ الحارّ الذي لم أعتدْه حتّى الآن، فأنا منذ علمتُ بعودته وأنا متوجّسة، وأشعرُ بالهبوط وكأنّه أتى لي بخبر شؤمٍ مثله.

  • أعوذُ بالله، تفاءلي بالله خيرًا… هيّا بنا، والله يحفظنا من شرّه.

تطرقُ آمال البابَ لتسمع هاشم يدعو نادية للدّخول، فتدخل ونادية تستندُ على ذراعها قائلة:

  • عذرًا أستاذ هاشم، نادية مُتعبة، ولكنّها أصرّت على النّزول لمقابلتك والاطمئنان بنفسها على أسرتِها.

  • سلامتك يا نادية، أنا قابلتُ سعد زوجك، وأعطاني هذه الرّسالة لك.

تنظرُ إليه نادية متوسّلة وتقول:

  • رسالة؟ طمنّي، هل حدث مكروه لأحدٍ من أسرتي؟

  • اجلسي لتقرئي.

تنظرُ نادية للرّسالة متوجّسة، وتفتحها لتقرأ:

***

نادية

حاولنا أنْ نخبّئ عنك، ولكنّك مصمّمة لدرجة أنّك تطلبين بجرأةٍ أنْ يزورنا الأستاذ هاشم كما لو كان عاملاً معك بالقصر، وليس وليَّ نعمتك!

ابنُك المتخلّف مات… ارتاحَ وأراحنا لأنّه كلّما كبرَ في العمر يَثقُل علينا حملُه، وعليك خاصّة؛ لذلك نقولُ الحمدُ لله.

وعلى فكرة… أنتِ طالق، ورقتُك ستصلُك في أقرب وقت، كفاني من همّكم أنتِ، وأولادِك، وأمّك، وبيتكم الفقر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: