رواية

فصول من رواية “رسائل نادية” جزء 4 بقلم نهى عاصم

بقلم نهى عاصم 

6

نادية

لا أدري مِن أين أبدأ يا نفرتيتي، سأطلقُ عليك لقبَ نفرتيتي منذُ اليوم، لقد أطلقتُه عليك منذ أتيتِ إلى القصر، وقد يأتي اليوم الذي سأخبرك فيه عنْ معناه، ولمَ أطلقته عليك، سأبدأ مِن عند محمود الطّالب الجامعي!

نعمْ سيّدتي…

أنا خرّيج كلية آداب قسم تاريخ، كنتُ أعشقُ ترابَ مصر، وتاريخَها مِن قبْل مينا موحّد القُطرين وحتّى أيّامنا هذه التي لا يعلمها سوى الله… كنتُ مؤمنًا بالكثير من الأشياء، ليس فقط في مصر؛ بل في حقّ فلسطين الضّائع، الوحدة العربيّة… إلخ. أيضًا كنتُ شابًّا، طموحي لا حدّ له، (وكلّه نزل على فشوش) كما يقولون.

تسألينني: “إيه اللّي جاب القلعة عند البحر؟” أقول لك هو الواقعُ الذي يعيشه أغلبُنا في مصر، والذي جعلَ مِن ابن دكتور في القسْم مُعيدًا رغمَ فشله البيّن، وجعل منّي مدرّسًا للتّاريخ في مدرسة إعدادية للبنين، فكرهت التّاريخ، وكفرتُ بمصر، ولم أستطعْ أن أعملَ كمدرّس لطلاب يأتون إلى المدرسة ليشاغبوا لا ليدرسوا، كما أنّ مُعظمهم لا يريد أنْ يعلم، أو يتعلّم أيّ شيء عن مصر، فقدّمت استقالتي وقلتُ أرحمُ أبي الذي أرهقَه مرضُ السّكر بالعمل كسائقٍ تّاكسي يملكه، والذي عمل عليه كي نتخرّج ونعيشَ في مصر كآدميّين، ورفضتْ مصر يا سيدتي!

تزوّجتُ من بنت الجيران التي تخيّلت أنّها ستقدر أنْ تقنعني بالعودة لتدريس التّاريخ، والعمل كمدرّسٍ خصوصي، أو أسافر إلى إحدى الدّول العربية فنصيرُ أغنياء، ولكنّي رفضت. وبعد عام، تركتْني بنتُ الجيران المصريّة الأصيلة لأنّي “وشّ فقر، مش غاوي نعمة” كما ادّعت، وتزوّجَتْ بعد انْقضاءِ عدّتها بيومين من مدرّسٍ يعمل في السّعودية، ولديه شقّة في مكانٍ أرقى من منطقة سكني، وسيارة، وغيره… وغيره، وتركتْ وراءها كلّ شيء، وسافرتْ لتعملَ معه وتنهلَ من بحر المال.

ماتَ أبي بحسرتِه، وترك أمّي وأخواتي البنات في رَقَبتي، والحمدُ لله أنّني لم أنجبْ، فما ذنبُ الأبناء في مثلِ هذه الزّيجة؟ وفي يومٍ كنتُ أجلس مع قريبٍ لي على المقْهى فعرّفني بهاشم، وأقْنعاني بالسفر والعملِ كسائقٍ خاصّ في بيت أمير، وأنّ هذا بابُ رزقٍ جيّد لأخواتي البنات؛ اسْترهُنّ وأزوّجهنّ، ولأمّي كي تزورَ بيتَ الله الحرام، وعملتُ عامًا بعد عام، كنتُ سائقًا أعمى، وأخرس، وأصمّ للأمير وأهله، وهذا أكثرُ شيء يحبّونه.

علمتُ يوماً أنّ الأميرة جلبتْ من مصرَ خيّاطة جديدة بديلةً للتي ستسافر لتتزوّج، وسأتعامل معها مثلَ السّابقة؛ أذهبُ بها لمحلات الأقمشة ولوازم الخياطة التي تحتاجها الأميرة، وبالفعل… دخلتِ أنتِ علينا وقت العشاء يا نفرتيتي، وأعدْتني ملبّيًا للتّاريخ الذي كنتُ نسيته، وشعرتُ بكِ أختًا مِن أخواتي البنات، وأتمنّى أنْ يكون هذا شعورَك تجاهي أيضًا.

تذكّرت شيئا الآن، لمَ مسّت أغنية فايزة فيكِ شيئًا مختلفًا عن باقي الأغاني التي سمعتِها معي؟ هل كان زوجُك إضافةً لكلّ مساوئه خائنًا؟ آسف لتحليلي هذا، لكني أظنّ أنّي محقّ.

***

7

يجلسُ سعد مع هاشم بالمقهى… آهٍ من سعد هذا الذي عادَ لمركز التّأهيل بمجرّد سفر نادية مستردًّا المال، وظلّ حماده كمًّا مهمَلاً في المنزل، تحاول أمّها مساعدتَه ما استطاعت كلّما كان لديها القليلُ من القوّة.

لم يذكرْ لها أحدٌ أنّ زوجَها استردّ المال، وأنّ حماده لم يذهبْ إلى مركز التّأهيل، وظلّوا يكتمون عنها أخبارَه، وكيف أنّه هرب من المنزل عدّةَ مرّات، وكمْ يصرخ ويبكي باحثًا عنها، ولاعنًا قسوةَ سعد في معاملتِه وإخوته… ينظرُ هاشم إلى سعد، ويسأله بارتياب:

  • كيف ماتَ الولد؟

يردّ سعد مرتبِكًا:

  • خرجَ كعادته من المنزل ولم نجدْه… يومان ونحنُ نبحثُ عنه في كلّ مكان ولم نجده سوى في المشْرحة، دهستْه سيّارةٌ مُسرعة وهو يعبرُ الطّريق، فماتَ في التّو.

  • متى كان هذا؟

  • منذُ أسبوعين.

  • ولماذا لم تخبروا زوجتَك، أو تردّوا على اتصالاتها؟

  • إنْ فعلنا هذا ستترُك العمل عائدةً إلى مصر، ومَن لهؤلاء الصّبيان، وأنا كما تعلم لا أعمل؟

  • اجلسْ حالاً اكتبْ رسالةً تقصّ عليها ما حدث بالتفصيل، وتقول لها بأنّك ستقومُ بتطليقها.

  • أطلّقها!

  • نعم تطلّقها، وسأوفّر لكَ عملاً في السّعودية في مدينةٍ ثانية في قصر أميرٍ يحتاج لحارس لقصره، هذا القصرُ يعدّ مَصيفًا، ومعنى هذا أنك (حتقعد من غير شُغلة ولا مشْغلة طول السنة، وتحشّش براحتك، وتأخذ آلاف الريالات).

  • وأقولُ لها لمَ طلّقتُها؟

  • اخترعْ ما تحبّه؛ فلنْ تغلب.

ردّ سعد مُهمهمًا:

  • لا حاجة للاختراع! (دي فقر، من يوم ما أخدتها مشوفتش مِن وراها إلا الخراب) طالق وبالتّلاتة كمان.

  • تمام… تذهب غدًا وتطلّقها غيابيًّا، وسيمرّ عليك واحدٌ بعد عدّةِ أيّام يتسلّم منك صورةً عقد الطّلاق، ويسلّمك العقد الخاصّ بعملك وإجراءات السفر.

  • هكذا سريعًا!

  • خيرُ البرّ عاجلُه، أريدك أنْ ترفع رأسي، لا تجعلني أعْطيك الوجهَ الثّاني لهاشم، واستخرجْ لعروستِك جوازًا للسّفر كي تلحقَ بك بعد ذهابك، وترتيبِ أمورك.

  • عروستي؟

  • لا يخفَى شيء على هاشم يا سعد… ضعْها حلقةً في أذنك تربح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: