رواية

فصول من رواية ” ديموطيقي” جزء 9 لـ عوني صادق

    عوني صادق 

 

( 22 )

   تواصل مع صديقه سعيد خشبة :

  • سعيد أنا في الأتوبيس .

    وقبل أن يستسلم لغفوة قصيرة انتبه على رنين الموبايل ، وجاء صوت حمزة نجيب :

  • نتكلم على بلاطة أحسن يا دكتور يوسف .

  • أسمعك .

  • سأسلمك شيك باثنين مليون جنية مصري .

    ضحك يوسف ، وقال :

  • فقط لا غير .

    واستدرك باقتضاب :

  • أسف .

    وأغلق الخط واستسلم للنوم .

****

    في الأتوبيس الفاخر ، والتكييف الذي يشيع دفئًا حانيًا ، تراءت له الأحلام ، الصور والأصوات وجيوش تيمورلنك التي تنطلق عبر الصحراء ، تتابعت الأصوات وقعقعة السيوف ، وصهيل الخيول ، كانت القوة تعاوده ، تنبت في داخله مثل شجرة بلوط صلبة ، ورأى المارد الفرعوني يخطو نحوه ، يجلس أمامه في قصر اسكاروس ، تواصل بينهما حديث بلغة لا يعرفها ، كيف حل ألغازها ، وفك أسرارها ؟

    كان المارد الفرعوني يفر له أوراق البردي أمامه ، يقرأ شجرة العائلة الخائنة ، ويطالبه بمساعدته في محاصرة الآباء والأحفاد ، والقبض عليهم ومحاصرتهم ، وقف وسط الساحة أمام القلعة ، لازالت مكللة بالأنوار الملونة والزينات ، رأى عفاف بثوب الزفاف الأبيض ، سمراء كأنها ملكة فرعونية ، اصطحبها عبر سراديب التاريخ ، لحظات وانقشع الظلام عن الجواسيس ﻳرسفون في الأغلال ، وهو يصيح فيهم :

  • سأطاردكم بجريمتك النكراء حتى يتم شنقكم على أسوار القلعة .

    كرر رئيسهم ضحكته ، وقال في ثقة :

  • لن تقدر ، أنت .. لا شيء .. أنت هواء ، سراب .

    اختفت عفاف – الملكة الفرعونية – وألمت به المخاوف ، وتسربت قدرته وقوته القاهرة ، وعصف الخواء في جوفه للحظات ، وتردد الصدى في أذنيه .

يا .. أأأأ …

أأأأ …

    تكرر الصدى بصوت غريب ، صوت كائن أخر ، وبلغة ارتسمت حروفها مثل حشرة منقرضة ، منقوشة فوق حفريات مطمورة في جبال بعيدة ، كلمات وطلاسم ليست لها معنى ، استوى أمامه المارد الفرعوني ، وحشود الجواسيس والخونة يتوافدون ، وواصل مرافعة الاتهام التاريخية عند سفح المقطم العتيد :

  • تعملون على قدم وساق استعدادًا لمهاجمة الشام ، و ……

****

    في ساعة مبكرة وصل شرم الشيخ استقل تاكس إلى الفندق ، وجد صديقة ينتظره في البهو ، أنهى الحجز واصطحبه إلى غرفته وهو يرص أطباق الفطور قال له :

  • الدكتور سمعان سأل عنك . رن على رقمك كثيرًا ولم ترد .

  • كنت نائم طول الطريق .

    قدم سعيد خشبة ساندوتش الجبنة الرومي ، وسأل :

  • إن شاء الله ، ستجد شغل في المستشفى هنا .

  • ربنا يسهل .

    قبل أن يسأله عن المخطوطة استدرك :

  • بعد ما أفطر ، سأقدم أوراقي إلى مستشفى شرم الشيخ .

    غمز سعيد بعينيه ، وقال :

  • أنت متعجل بقى ، أشم رائحة مشروع زواج .

  • نعم .

  • ومن تكون سعيدة الحظ ؟

  • أستلم الشغل وسأعود للقاهرة في أول أجازة لأتزوج ، وأعود لأقضى شهر العسل هنا في هذا الفندق .

سأله سعيد :

  • مَنْ ؟

  • ملكة فرعونية .

  • نعم !

    استلقى يوسف على الكنبة ، وقال وهو يبتلع قضمة من الساندوتش :

  • اتركني أنام ساعتين .

    وأغمض عينيه ….

    أستقر في قصر أسكاروس تلفت باحثًا عن تابوت الجرانيت ، قال أبوه أن به لفائف البردي – بقية الوثائق الديموطيقية – تحسس ﺼﻨﺎدﻳﻖ ﺨﺸﺒﻴﺔ عليها نقوش ﺮاﺋﻌﺔ ونمارق زجاجية مزخرفة ، وهو يواصل البحث أطاح بالسكون رنين موبايل مزعج ، وصوت سعيد خشبة .

  • ألوه يا دكتور ميخائيل ، يوسف موجود ، لحظة .

    فتح عينيه وتناول الموبايل ، وقال :

  • أهلًا يا دكتور .

    جاء الصوت مختلطًا بزفيف ريح وبصمة صوت المارد الفرعوني ، خيل إليه أن الرجل يتحدث بلغة الحروف المنقرضة ، قال له :

  • وجدت السر يا دكتور .

    أطاح صندوق الجرانيت بصور الصناديق الخشبية ، والنقوش الرائعة والنمارق الزجاجية بزخارفها الرائعة ، انقض أمامه محدثًا ضجيجًا ، لطمه في عنف ، وسرعان ما استفاق وتساءل في هدوء وثقة :

  • أسمعك .

  • قصر أسكاروس يحتاج زيارة ثانية .

    كيف قرأ هذه الرجل أفكاره ؟ وفي لحظة تبددت اللحظة المتوجة بالنور ، واشتعلت أركان القصر بنار تتقافز في لهيبها العفاريت والجنيات ، وأشباح الطاحونة القديمة ، وظل وعيه حاضرًا يحتل كل عقله ، كانت قوته القاهرة قد هيمنت عليه تمامًا ، كأن الخبيئة التي استقرت في صندوق الجرانيت قد أحكمت سحرها عليه .

    ترك صور من أوراقه في المستشفى العام ، وفي عدد من مستشفيات ، ومراكز طبية ، وقضى أيامًا أمام البحر ، شمله خمول غريب على غير العادة ، لم تطارده أحلام الثراء ، واختفت العفاريت والجنيات تمامًا ، نام نومًا عميقًا ، حتى المارد الفرعوني لم يتراءى له .

    بعد أسبوع جاءته رسالة ، تحسس شاشة الموبايل ، أعاد قراءتها ، وألتفت إلى صديقه سعيد خشبة ، وقال :

  • سأعود إلى القاهرة حالًا .

    لم ينبث سعيد بحرف .

    قبل يوسف صديقه ، واستدار مسرعًا فلحق به :

  • يوسف

 ****

    فجأة شعر بالقوة السحرية ، أمدته بالقدرة على الرؤية ، كشفت حجب الغيب ، لم يكن غيبًا ، كان حاضرًا ولكن في مكان أخر حضره ، وتابع على شاشة حاسوبه موقع الكلية واسمه يحتل القائمة .

    ورآها .

    رأى عفاف تكاد تطير من الفرحة ، تستدعى رقمه وتضغط على الأزرار ، وصله الرنين هادئًا ، ابتسم وهو يفتح الخط :

  • وشك حلو عليَّ .

  • عرفت ؟!

    تطلع في حنان إلى صورتها على الشاشة ، وقال :

  • قرأت الماسدج حالًا .

  • أنت مطلوب فورًا ، رئيس الجامعة سيكون في انتظارك غدًا .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: