مقالات نقديةنقد أدبي

عُمر أحمدسُليمان يكتب: التاريخ يعظ مُبشرًا ونذيرا ملحمة تاريخية ممتعة.. قراءتي لرواية البُشرات لإبراهيم أحمد عيسى

عُمرأحمدسُليمان

 كما تعودنا في التاريخ الذي ندرسه في مدارسنا العقيمة مادة مُملة بعيدة عن اهتماماتنا، أو يبعدها القائمين على تربيتنا وتعليمنا عن اهتمامنا تعمدًا وقصدا! يختلف الأمر تمامًا مع التاريخ الذي يكتبه إبراهيم أحمد عيسى، فبرغم ما يتناوله في كتاباته التاريخية، فهو يكتب مادة تاريخية أدبية ممتعة مُحببة تُروى؛ تُشوق القارئ وتورطه حد الاستغراق والإغراق في أحداثها، كما أن خيالها مُترابط ومنطقي لحد كبير مع وقائعها المؤرخة.. وهي رواية تصلح تمامًا لدراستها كمنهج تعليمي أو كمادة مرجعية أو ككتاب يستمتع به كل أفراد الأسرة في سياق معرفي راق.

 تدور أحداث الرواية في حقبة تاريخية متخصصة ـ تاريخ الأندلس ـ بالتحديد في زمن الثورة على العصابة القشتالية أو الدولة الإسبانية المتكونة على دماء الأندلسيين، بعد أكثر من سبعين عامًا من احتلالها والسيطرة عليها وزوال ملك العرب المسلمين من فوقها، حيث تندلع الثورة في قُرى سلسلة البُشرات بغرناطة، لتكون النبضة الأندلسية الأخيرة بواسطة عُربها ومسلميها لإحياء واسترجاع حضارة الأندلس الضائعة أو المستولى عليها.

(أتى الشتاء مبكرًا هذه السنة؛ واكتسحت قمم الجبال باللون الأبيض وانهمر مطر الخير فوق مُروج غرناطة التي كان أهلها يتمنون أن يكون ذلك المطر بُشرى لأخبارٍ سارةٍ ولَّى عهدهم بها منذ سنينَ، أمانيَ حملتها قلوبهم وخيالًا عانق عقولهم بحثًا عن حريةٍ مفقودةٍ منذ أكثر من سبعين عامًا. لكنّ الحال كان أسوأ بكثيرٍ من أمانيهم، فقد ازدادت قسوة ديوان التفنتيش وهُدمِّت الحمامات ومُنع اللباس العربي بالكامل، ارتفعت الضرائب ومُلئت السجون، وتناثرت جثث المسلمين في شوارع غرناطة وقُراها، ولم تُفِد الأندلسيين أيَّةُ شفاعةٍ وضاقت بهم سُبل الحياة، أُلغيّ دينهم رسميًا منذ زمنٍ ولكنه بقي في قلوبهم وبين طيَّات حياتهم، لم يَعُد في النفوس سوى ثورةٍ راحت أخبارها تسري بين الأندلسيين بسرِيَّة مُشعِلةً روح تفاؤلٍ كاد يُوأدُ في قلوبهم.)ص52

 وصف الأجواء وحال السماء وشموسها وقمرها ونجومها وسحابها.. ببداية أي مشهد جديد، وصف قصير وممتع، يمنح إحساس مُتوائم ومنسجم مع الحدث تمامًا، يمتلك إبراهيم براعة في سرده. كذلك، فإنه أجاد وصف الأماكن بحذق وحِرفية كأنما رآها رؤيا العين، فكل مكان وصفَ تضاريسه ونباتاته وطقسه ومُنشآته، حتى لكأنما نشم أو نحس أو نرى. كذلك، وصفَ الفرح والحزن والتعذيب والقتال والهزيمة في أجلى صورهم حتى لكأننا حاضرين بينهم نُعايش ما يُعايشون ونُواجه ما يُواجهون. أيضًا، وصفَ تعبير المتكلم قبل حواره.. وكلها بدون إملال وإطناب وزيادة، على قدر المُوسع قدره. موهبة وصفية فذة حقيقةً.

 لم يروقني إقحام أسماء البلاد والمدن والقرى في الأندلس (وأحيانًا أسماء الأشخاص) بدون إحاطتها بأقواس على الأقل؛ لتعريفها.. أو تحديد موقعها أو سبقها باصطلاحها وماهيتها. كأنما يَفترض الكاتب أن القارئ مثقف بها عارف لها مُطلع عليها، وهو ما ليس قائمًا ولا حاصلًا ولا واردا؛ مما يصنع لديه تشتتًا وتعتيمًا.

(وفي النهار أيضًا يلازم فرج في دكانه بربض غمارة قرب حمام التاج الذي أُحرق)! (حِدرة) (البرطال) (برذنار) (البنيول) (الناعورة)…

 كثرة الشخصيات في الرواية أزعجني وشتتني أحيانًا، لكني متفهم أن تلك هي طبيعة الرواية التاريخية، ولقد حاول إبراهيم أحمد عيسى مؤالفتنا ومخالطتنا ومؤانستنا مع أغلبها على مدار الأحداث.

 راقت لي أبيات الشِعر للشعراء الأندلسيين سواء في الغزل أو في وصف الحال حينئِذٍ. مثل: “أبي البقاء الرُّنديّ” و”ابن خفاجة البلنسي”.

 برغم شذوذ موقع (كان) المتكاثرة، فإنها في كل سطر تطعن الصدر، وتنبض لها حسرة تسري في الجسد على مجد زائل! تجعل القارئ يتوجع مما قام وتشيد وتوزعت طاقته في المكان والزمان ثم تبدد كله، فلم يعد له إلا قلاع مرتسمة في أذهاننا فحسب.

 العبارات طويلة وموصولة بشيء يدعو للإعجاب، فرغم أن (الذي والتي) زُرعت كثيرًا في صفحات الرواية، إلا أنني شعرت أنها لم تشذ في جملة من جمل الرواية إلا نادرًا جدًا.

 عدة هَنّات هنا وهناك، أخطاء إملائية، وتعبيرية، والضمائر والإشارة، وتكرارات في بعض المواضع، وإهمال علامات الترقيم، لكنها لا تُذكر أمام روعة الرواية، وجزالة أحداثها ورشاقة أسلوبها وفصاحة لغتها.

 عامل المفاجأة تبدى قويًا للغاية خلال بعض الأحداث، خاصةً مع خذلان أهالي بعض القرى، ومع دون ريكاردو في عدة مواضع وظهور عبد الرحمن في النهاية.. لكن بعضها أمكن للقارئ استبطان الآتي من خلال تقديم بعض الشخصيات، خاصةً مع خيانة دييجو أركش ودييكو الوزير للسلطان ابن أمية، ويأس وضعف الحبقي وتخفي عبدالرحمن.

 راقتني للغاية قُدرة المؤلف على سرد السياقات الرومانسية والغَزلية بتداخل مع السياق الثوري والجهادي، فنرى مشهد يتحدث فيه الثوار أو المجاهدين عن التخطيطات والنتائج والأخبار الحربية، وإذا به في أحشاء سيرة مَعمعة السيوف والعرق والغُبار يمزج ساردًا كيف لقاء الحبيب بحبيبته وشوقه وحبه وإعجابهما ونظراتهما كأنما انفتحت فجأة أبواب روضات العاشقين الخضراء المُزهرة، ولم يغمض جفنًا التداخل والمزج الاجتماعي في السرد كذلك، كوردة مُتفتحة داخلها بُرعمة، أو سماء مُرصعة نجومًا في قلبها قمر مُكتمل الاستنارة.. مع كل شخصيات الرواية تقريبًا، لكن بالأخص مع عبدالرحمن وثريا زوجته وصفية عمته، ومأمون وعائشة.

أمثلة من ذلك: صفحة 101 ،102 و113،114 و120،121،122 و139…

 المرأة في الرواية باسلة مغوارة مُشاركة للرجل في جهاده وثورته بالمداواة والتطبيب والرعاية وإلباس رجلها دروعه، بل والمبارزة والنِزال ومقارعة الرجال بالفروسية في أتون المعركة، أبرز مثال عائشة التي ارتدت درعًا حديديًا جعلها أشبه بفارسةٍ أسطورية، درعًا نُقِشَ على صدره هلالٌ وزُيِّنَ بمزيجٍ من النقوش الإسلامية.. وهي التي ثبتَّت زوجها مأمون نورالدين توران في استمرارية الجهاد وعدم رحيله إلى إسلامبول بلده الأصلي.. وخلت خط الدفاع الثاني بعد الرجال وقائدة النساء اللواتي حاربن بشجاعة منقطعة النظير، كُنَّ أشدَّ بطشًا على القشتاليين.. مُثابِرةً مُقاتِلةٌ لم تَهُن ولم تَضعُف، قاتلت حتى استماتت في نضالها أقوى من أعتا المغاوير، وبقيت الأخيرة، فلم تجد ملاذًا سوى أن تربي الجيل الآتي على قيم الإسلام ومواطن العزة، تسرد له تاريخ آباءه وأهله في الثورة الإسلامية ضد الظلم والاضطهاد والتنصير.

 أحببت شخصية الشاب السلطان محمد بن أمية، وأرى أن من بعد تخوينه وقتله صعبت المهمة على الثوار وقادتها، وبدأت الثورة تتدهور، وبلعنة دمه انهزموا. من أجمل ما قاله:

(بسم الله الذي تتمُّ بفضله النِعَمُ، لقد بدأت للتوِّ حرب التحرير، واستعادة أمجاد الأندلس، حربٌ لا هوادة فيها، فما أُخذ بالقوة لا يُسترَدُّ إلا بالقوة. ومن هنا! مِن البُشرات ستخرج بشائرنا إلى أهلينا في كل القرى والحواضر الأندلسية، وأُعاهد الله أمامكم أني لا أبغي مُلكًا ولا سُلطانًا، إنما أريد أن يمنَّ الله عليَّ بإحدى الحُسنيين، النصر أو الشهادة.) وقد نال الأخيرة.

عندما أتاه رسول القشتاليين برسالة مزيفة من أبيه، قال: (ـ إن أبي عاش حياته يُعلِّمني أن النصر لا يأتي بالاستسلام، وإنما بمواصلة الطريق على نهج المجاهدين والفاتحين، وإن ما أتى في تلك الرسالة ليس لأبي أن يأتي به، فوالله الذي لا إله إلا هو، لأواصلنَّ القتال حتى ألقاه منصورًا أو مقتولا. اذهب إلى سيدك وقل له إننا قومٌ لا نستسلم للذل والظلم، نحن قومٌ عشتم قرونًا تحت سماحة ديننا والآن حان الوقت لأن تدفعوا دَينَكُم.)

وفي لحظاته الأخيرة واجه الخائن قائلًا: (ستبقى الأندلس، وستبقى ذكرانا وسنُعيد الحقَ المُغتصّب، ولن يطمس التاريخ ذكرى رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وإن لم ننتصر فيكفينا عذرٌ أمام الله أننا حاولنا، وإنّ لموتي في سبيل الله يُحيني ويفنيكم.)

فلكم نرنو إلى قائدٍ شاب مثله، يستعيد أمجاد المسلمين، وكلماته ودربه تعضد بعضها بعضا.

 هزتني وبشدة مشاهد الخذلان العديدة المريرة لبعض أهل الأندلس، وشعرت أنها تتحدث عن خذلاننا في بني جلدتنا ممَن دعوا للثورة على الطغيان، ولكنهم فضلوا السلامة المؤقتة على الموتة العزيزة.

(ـ إن تخاذلوا اليوم لنُصرة الحق، فغدًا موعدهم مع الذل)ص91

(كيف يرتضون بالذل والهوان؟ وكيف يستسيغون لحم الخنزير السيئ المذاق. لماذا تمكَّنت الدنيا من قلوبهم وارتضوا بحياةٍ كريهةٍ صاروا فيها عبيدًا بعدما كانوا أسياد البلاد؟ بُدِّلت أسماؤهم وكنياتهم وأُنزِل العذاب عليهم ألوان. يا الله! مالكم يا أهل البيازين خذلتم الشباب! هل خافت قلوبهم من الفشل وأمنوا الاستقرار؟؟)

(خارت القوى وانهزمت النفوس وفرح القشتاليون وأقاموا الحفلات على دماء القتلى، ليالٍ صاخبةً راحت تعمّ أرجاء غرناطة المحتلة وسط حزنٍ دفينٍ في بعض البيوت الأندلسية الباقية التي تُهجر إلى الآن، بعضهم مِمَن يريدون الاستقرار والعيش قالوا لقد قُضي على المُخرِّبين ومَن يَدعون أنفسهم مجاهدين! والآخرون تحدَّثت ألسنتهم بأيِّ ذنبٍ يَقتُلون العُزَّل والنساء؟ هل أخطئوا حينما نادوا بحريتهم وحرية بلادهم؟!)ص169

(تم تهجير ما تبقى مِن الأُسر الأندلسية من غرناطة وتوزيعهم على المدن القشتالية، وبرغم أن أعدادهم كانت كبيرةً إلا أن مَن وصل إلى المدن المُهَجَّر إليها عددٌ قليلٌ بينما قُتِلَ الآخرون في الطريق بعد أن نُهِبوا وسُلِبت أموالهم ومتاعهم. بعدها بأيامٍ دخل دوق سياسه إلى أندرش وقمارش وكوثر وبني مرغوشة وتمَّ نقل أهلها بعد أن صاروا عبيدًا إلى قشتالة. خارت القوى أمام العزائم المتتالية وأخذت العزائم تبرد والأمل في نصرٍ قريبٍ يخبو، ضاقت صدورهم بخذلان العالم الإسلامي، فالعثمانيون في أوْج حروبهم مع قبرص ودول أوروبا، والمغرب رأى سلطانه المعادي للعثمانيين أن قيام دولةٍ أندلسيةٍ تابعةٍ للعثمانيين خطرٌ عليه وعلى مُلكه البائد.)ص180

(ـ القشتاليون يزوِّرون فتاوى لبعض العلماء والأئمة المسلمين تطلب من الأندلسيين خفض السلاح والامتثال للمَلِك وعدم الخروج عليه.)ص182(…)ص52

تلك المقاطع، بما تُشعرنا عندما نُمررها على ضمائرنا ووجداننا وواقعنا؟ ألا تُذكرنا بمشهد أو نقل بمشاهد؟ ألا تُذكرنا بما فعل السُفهاء بنا، ألا تُذكرنا بما نحياه ونُعايشه في الوقت الراهن، داخل بلادنا، بأيدي جيوشنا وحُكامنا وبعض منا؟ إن مَن يقرأ تلك الرواية، وذلك الحدث التاريخي ليتذكر ما يُعانيه داخل بلاده. فلسطين، العِراق، اليمن، سوريا، مِصر، ليبيا، السودان.

 أحببت الرواية التاريخية، التي سردت بأسلوب شيق ومرتب وموزع الأحداث بمنطقية داخل أحداث اجتماعية نرى فيها أنفسنا. أظن أن الكاتب استعار من حاضرنا وآلامنا وانطباعاتنا إزاء واقع متشابه وركبه أو مزجه بسرده فخرج إلينا شبيهًا لنا، فبذلك انبثقت الألفة بيننا وبينها.

قرأتها في وقت يتفق تمامًا مع الظروف المصرية الراهنة، ظروف تشبه ما مر به الأندلسيون من قرون.. إن الدور آتي علينا نحن المصريين والعرب.. الخيانة، ولأنانية، والاستسلام، وحب الدنيا وكراهية الموت، الخذلان، والهزيمة النفسية والسياسية والدينية ووو… وانهزمت ثورتنا، وستذهب مصر كما ذهبت الأندلس ما لم يقضي الله أو نقضي بنُصرته أمرا.. لكم هو الواقع شديد التطابق ومُفزع فزع الهزيمة التي ابتلعت ثوار الأندلس عن بكرة أبيهم عندما تخلوا عن إيمانهم وإسلامهم وجهادهم ومُقدساتهم.

(لم يكن هذا حالنا يومًا وما كان يخطر في عقول فاتحي تلك البلاد أن يحدث هذا؛ فقد جاء الإسلام إلى هنا ليُضيء ظلمة الجزيرة المُوحِشة ودخل أجدادنا في الإسلام طواعيةً وعاشت الأندلس عصورًا زاهية عاش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود بسلامٍ ووُدٍ وتراحم. ولكن تَفَرُّقَنا وضَعْفَنا جعل بأسنا بيننا شديدًا حتى أصبح الوضع سيئًا للغاية. الإسلام دين رحمةٍ ومحمد رحمةً للعالمين، لم نهدم كنيسةً أو معبدًا وما حرقْنا ولا هدمنا دارًا أو حقلًا، وما غَصَبْنا أحدًا على ديننا كما يفعلون هم.)ص62

 البُشرات هي الثورة الكبرى التي نشأت في الأندلس قبل الهزيمة النكراء على أعداء الإسلام. هي الإسقاط الذي نعيشه في الحاضر بشكل مُصغر في ثورات ضعيفة لا تملك أسباب النجاح والنصر.. هي الرواية التي سخرت من واقعنا؛ لأنها الدرس الذي لم نتعلمه برغم كل الكتب التاريخية التي رصدت وقائع نبضة الأندلس الأخيرة لتتنبأ لنا بأن جهودنا التي لا تتجاوز عُشر جهود ثوار البُشرات لن تخلصنا من كيد أعداء الإسلام المتكالبين ولا جبروتهم. وما لم نبذل جهدًا أعلى وأبرع وأذكى من قادة ثورة الأندلس الأخيرة، فسيكون مآلنا إلى مصر المفقودة.. مصر الضائعة، مصر البائدة. ويذهب ريح الإسلاميين والمصريين الأحرار، وينالها مجرمين طغاة ليس لهم دين ولا ملة ولا أرض.

(إن الأندلس وترابها مُلكٌ للمسلمين، ولم تكن يومًا لنورمانديين أتوا من قرى نائيةٍ في أقصى أوروبا، الأندلس لم تكن يومًا لألفونسو أو فرناندو والشمطاء إيزابيلا، الأندلس يا هذا مُلكٌ لِمَن عمروها وشيَّدوا قصورها وقلاعها ومزارعها التي منها تأكلون وليست مُلكَ فيليب.)ص190

 أعادتنا الرواية إلى أجواء فارس الأندلس أجمل ما كتبه نبيل فاروق على الإطلاق، ولم يُتممه للأسف، تلك الأجواء العطرة التي نفحتنا أريج أخير علق في أرواحنا وأبقاها لمجد ضاع أرضًا ولم يضيع سيرةً وتاريخًا وبطولة وآثار لا زالت باقية تشهد على حضارة زاهرة.

على لسان المجاهد المسلم سانشو الأشبوني في مُحاكمته رد قائلًا: (لستُ مهرطقًا ولم أخرِّب ممتلكاتٍ كانت يومًا لأجدادي، أنتم مَن خرَّبتم المساجد وحوَّلتموها إلى كنائس كما أنني لست أحتاج إلى إذنٍ لأدخل إلى أرض أجدادي وبلاد آبائي، حدود ممالكِكُم زائفةٌ، الحدود ترابٌ ولا حدود بين أرض الإسلام.. هل تظنون أنكم بحرقِنا تمحون آثارنا؟ فوالله ستبقى قصصنا وآثارنا شاهدةً على عظمتنا وأمجادنا، سنبقى رغم أنوفكم.)ص116

 لا بد أن إبراهيم أحمد عيسى باحث عتيد في تاريخ الأندلس لا يشق له غبار ليُخرج لنا تلك الرائعة بتفاصيلها الزبرجدية ووقائعها الزمردية.

فقد تناول ثورة البُشرات الأندلسية من وجهة نظر عربية بجرعة أكبر من وجهة النظر (القشتالية) المقابلة، لذلك هي خالصة العروبة فواحة الإسلام، وكم نحتاج لتقديم وجهة نظرنا إلى الغرب وأوربا كوثيقة ترصد الواقع السياسي والإنساني والديني التي يُمكنها أن تُغير لديهم النظرة السائدة للمسلمين، وتحرك الضمير للمراجعة والبحث والمعرفة، ومن ثم تبين الحقيقة. فتكون حجة لهم أو عليهم.

 رصد الكاتب أحداث ثورة البُشرات الحُرة وكيفيتها وعُدتها وخططها وإعداداتها، والتي لم تكن مظاهرات ولا سلمية، وهو ما أدهشني حقيقةً، فقد كانت ثورة تمرد على الظلم ومحاكم التفتيش والإكراه على التنصير والعُنصرية وغمط حقوق الإنسان قاطبة، فقد بعض العوامل مثل الخيانة واليأس هو ما نكسهم، لكننا بمثل ذلك الإعداد يُمكننا التغلب على الظلم والاستبداد، بمثل الكتمان والسرعة ومبايعة قائد أعلى وطلب الدعم والتأييد من البلاد المحيطة، وتعاضد واصطفاف الثوار وتعلم التاريخ ودهاء التخطيط والوقت المباغت وتوزيع عادل وسليم للزعماء والثوار المُدرعين وأسلوب الكمائن والكر والفر، لذلك قال إبراهيم أحمد عيسى في تنويهه للرواية عن رضوى عاشور في ثلاثية غرناطة: (بإمكان المرء أن يبدأ من جديد).

وعلى لسان السلطان محمد بن أمية في موضعين: (سيكفينا عُذرنا أمام الله أننا حاولنا.)ص182

يقول في فقرة تلخص عهد الأندلس وحتى الثورة، وتسوق الحلول، وتحث على النضال والإعداد والتدبير:

(لقد كان أجدادنا فاتحين مجاهدين؛ فوَرِثَهُم جِبِلَّةٌ آخرون أُترفوا في الشهوات وظنَّ كلٌ منهم أنه من الخالدين، وقد وَالَاهُم بعض مَن أحبُّوا الدنيا ونسُوا أمر الآخرة، فابتلانا الله وابتلى الأندلس بالذلِ والهوان فكان بأسُ عدوِّنا وتنكيله بنا شديدًا وابتُلينا في ديننا، وبدلًا من أن نُدافع عن ديننا الذي هو حياتنا، ركن بعضٌ مِنا إليهم وصاروا جواسيسَ وأَعيُنَ العدو علينا، فإن كُنا نريد أن تنجح ثورتنا ونُعيد عز ديار الإسلام في الأندلس، فعلينا بالكتمان والسرعة في إيقاد نار الثورة)ص65

(…)ص82ـ84

يقول أحد جنود ثورة الحق لأميره: (والله لا نريد إلا الشهادة أو نصرًا مبينًا، وفي الحالتين فُزنا، فمَن استشهد فقد فاز بالجنة، ومَن انتصر فقد فاز بأجر النصر وبحث في مكانٍ آخر عن الشهادة.)ص119

يقول حاصد أرواح الخونة الأندلسي عبدالرحمن بن عمر بن الوليد: (ـ وما النصر إلا من عند الله، وليس علينا سوى الاجتهاد ومواصلة الطريق.)ص155

يقول سلطان الأندلس الأخير محمد بن عبو: (لن نستسلم، فالجنة طريقها واحد.)ص192

تقول المرأة البطلة مُحاكية درب السلطان: (ليس هناك اختيارٌ، فإمَا أنْ نموت بكرامةٍ أو نعيش أذلّاءَ)

 أحيت فينا الرواية روح الجهاد وكراهية حياة الذلة والهوان والخنوع لنظام قمعي مستبد يتحكم في ديننا وعبادتنا وهيئتنا وفكرنا. أحيت فينا العزة والكرامة وحرية ممارسة ديننا والعدل والرقي والتحضر. أماتت فينا حب الدنيا والخوف من الآخرة، كرهت إلينا الظلم والرضا بتغلب الحاكم على البلاد والعباد، قززتنا من النفاق والخيانة. إنها الرواية الأمثل لحالنا الراهن، جديرة بأن يقرأها العرب ويتناولها بني الأمة بالرعاية والاهتمام، وما أحرى بشباب المصريين قراءة البُشرات الرواية البديعة، ليفهموا ما حدث، ليفهموا سنة الله في الذين خلو حتى يتمكنوا من الجهاد على بصيرة والانطلاق إلى قمم النصر بلا منحدرات ولا صعوبات. فهي ترشدهم الطريق وتحذرهم العواقب، فهل نتعلم الدرس الذي ساقه لنا إبراهيم أحمد عيسى عبر رواية تاريخية صميمة؟

إنها الخطة للخروج من هواننا وهزيمتنا وأسرنا العاتي، إنها النور لسنة الله لنتعلم لنعود إليه لننتصر لنعلو ونزدهر. هذا هو التاريخ الحقيقي في رأيي برؤية أديب ثاقب النظر أريب، قادر على التأثر الحقيقي على مَن يملكون التغيير في الأمة.. لا كتب مجردة العلم وحدها تؤتي ثمارها لدى الشعوب، بل هو العلم والأدب يفرزان الإيمان ويزرعانه في الإنسان عامةً وفي المسلم خاصةً زرعا.

ليصنع ونصنع ملحمة ضد الطغيان كملحمة أندلسية إبداعية تجعلنا نُردد هاتفين « الله أكبر ولا غالب إلا الله.»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: