مقالاتمقالات نقدية
أخر الأخبار

عمارة يعقوبيان ـــ متلازمة استكهولم

عمارة يعقوبيان ـــ متلازمة استكهولم

محمد عبد الناصر أبو زيد، إعلامي مصري

لم يحظ نص أدبي في تاريخ الأدب المصري، بدعم من الإعلام المصري بشكل عام، والصحافة بشكل خاص، مثلما حظيت رواية “عمارة يعقوبيان” عند ظهورها، وبعدها بسنوات، ولم يتوقف هذا الدعم، إلا عندما اتخذ مؤلف الرواية، موقفا معاديا خاطئا من النظام المصري الحالي .

في الوقت نفسه، لم يسء عمل أدبي مصري للإعلام المصري، وبشكل خاص للصحافة، مثلما فعلت رواية “عمارة يعقوبيان”،  عندما اختزلت شخصية الإعلامي المصري بالشاذ جنسيا، في طرح سردي، يرمز الي العلاقة التي تتم بالتراضي، بين الإعلام المتمثل في الصحفي الشاذ، والسلطة الممثلة في عسكري الأمن المركزي، بل إنها علاقة تتم عبر رغبة عميقة من الإعلام في التموضوع تحت سلطة الدولة، لما تحققه هذه الوضعية للإعلام من مكاسب.

لسنوات، كانت هذه هي الصورة الذهنية للإعلامي المصري، عند المواطن البسيط، في مصر والعالم العربي، الذي لم يقرأ ــ غالبا ــ الرواية، لكنه شاهد الفيلم، ولم يستنبط الرمزية التي من أجلها اختار مؤلف الرواية، أن يكون الصحفي هو الشاذ جنسيا الوحيد في العمارة، التي تمثل في رمزيتها مصر أيضا، وبذلك تكون كل شخصية في السرد، قد اختيرت بعناية، لتمثل طبقة أو فئة اجتماعية في مصر .

متلازمة استكهولم

هذا الموقف الاحتفالي غير المفهوم، وغير المسبوق، من رد فعل الإعلام المصري بالرواية ــ انا لا أبرئ نفسي، فقد تناولت الرواية في حلقة من برنامج كنت أذيعه وقت صدروها ــ يذكرني بظاهرة نفسية  شهيرة تعرف ، ب ” متلازمة استكهولم  Stockholm syndrome “، تصيب الفرد، عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه، أو مَن أساء إليه بشكل من الأشكال، أو يُظهر بعض علامات الولاء له، مثل أن يتعاطف المُختَطَف مع المُختَطِف. و أُطلق على هذه الحالة اسم «متلازمة ستوكهولم»، نسبة إلى حادثة حدثت في ستوكهولم في السويد، حيث سطا مجموعة من اللصوص على بنك كريديتبانكين Kreditbanken هناك في عام 1973، واتخذوا بعضاً من موظفي البنك رهائن لمدة ستة أيام، خلال تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفياً مع الجناة، وقاموا بالدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم.

حقيقة، إن اختيار الصحفي الشاذ في عمل روائي، حظي بدعم إعلامي كبير، ثم حظي علي فرصة كبيرة في الانتشار الجماهيري، من خلال فيلم ومسلسل تلفزيوني دخل كل بيت في مصر، شارك في انتاجهما نجوم كبار، حتي إن دور الصحفي الشاذ،  كان فاتحة شهرة ونجومية علي الممثل الذي أدي الدور سينمائيا، والذي حظي بإشادات اعلامية كبيرة، علي أدائه التمثيلي المتقن !! ، حقيقة هو أمر مثير للدهشة، يتطلب دراسات من مختصيين إعلاميين ـ أكاديمين ومهنيين”، ومن أساتذة في علم النفس، لمعرفة الأسباب التي جعلت رد فعل الجماعة الإعلامية، تجاه الرواية ومن ثم الفيلم والمسلسل، مقلوبا، فبدلا من الهجوم والاستهجان، حدث الترحيب والإشادة، فعلي سبيل المثال، ماذا كان سيحدث من رد فعل لنقابة أو نادي مهني آخر غير نقابة الصحفيين ــ لم يكن يوجد وقتها كيان اعلامي يسمي نقابة الإعلاميين تحت التأسيس ” ــ إذا ما اختير احد منتسبيها ليكون بديلا للصحفي في الرواية ؟

لقد تورط نقاد وإعلاميون كبارـ صحافة وإذاعة وتلفزيون ـ  في الاحتفاء بهذه العمل، المسيئ للإعلام المصري ، الذي تعد إحدي قلاعه، وهي نقابة الصحفيين، أول كيان إعلامي في الوطن العربي، يتبني حقوق الشعوب العربية والعالم في الاستقلال والتحرر من تبعية المستعمر، منذ ثلاثينات القرن الماضي، لتُـختزل في هذه الرمزية المشينة، التي وجدت في النص الروائي لأهداف سياسية، لا علاقة لها بالواقع الفعلي لحياة الإعلاميين في مصر، وما كانت مكافأة الإعلاميين بعد أكثر من قرن من دعم الدولة في مصر، بأنظمتها السياسية المتعاقبة، سواء في صراعتها الدولية العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية، وتحدياتها الداخلية  التنموية، بأن تختزل صورة الإعلامي بهذه الرمزية المشينة .

حرية الرأي

سيقول البعض إنها حرية الرأي، ومن حق المؤلف أن يقول ما شاء، لكن من حق الإعلام ان يكون له رد فعل رافض ومستهجن، ولا يفسر علي أنه موقف مضاد لحرية الرأي، ما أراه حقيقة ، أن هذا العمل الروائي لم يتم بهذه الكيفية، لدوافع لها علاقة بحرية الإبداع، وانما كان لها أسبابها وأجندتها السياسية الخاصة، التي غلبت الخاص علي العام، وكانت الضحية، هي الصورة الذهنية للإعلامي المصري المكافح، من اجل لقمة العيش، ورعاية أسرته، والجندي حامي القيم في المجتمع، والذي لا تمثله قلة محظوظة، تحصل علي الملايين نتيجة عملها الإعلامي التلفزيوني والإذاعي.

في تصريحات صحفية بعد الفيلم، دافع الممثل الذي قام بدور الصحفي الشاذ عن قيامه بالدور ، واعتبر اننا لا نفهم طبيعة مجتمع الشواذ ، بعدها بسنوات أعلن عن ندمه لقيامه بالدور، وأنه لو عرض عليه مرة اخري لما وافق ، ولو كان لديه أولاد ما كان وافق علي القيام بالدور !!

……………..

هذا البوست كتبته بعد نقاش ادبي منذ اسبوع  مع زميل اذاعي في الاستديو ، بعد ان انتهيت من تسجيل حلقات برنامج ” كل يوم كتاب ” .. لست مشغولا لا بالرواية ولا بالمؤلف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا