نقد أدبي

“صولفيج” معزوفة قصصية ل”منال يوسف” قراءة نقدية “ريم أبو الفضل”

    ريم أبو الفضل

 

“صولفيج” معزوفة قصصية ل”منال يوسف”


موسيقي الماضى وحداثة الحاضر

 

 

“صولفيج” نوتة قصصية تعزف كاتبتها قصصها دون نشاز والجذور ويعد “ارنست هيمنجواي” أول من اشتغل على هذا  التكنيك القصصي في قصته (في زماننا)
عشر معزوفات عالمية في متتالية القصصية، كأسلوب، يتجلى فيها التجسيد السردي للموسيقى ، تتوالى القصص في متوالية سيمفونية ، لتعطي المعنى الكامل للحالة أو للفكرة مع ارتباط كل واحدة بحدث أو شخصيات أو مكان أو الغرض المعني منها.

قوة الواقع في صناعة الخيال تظهر في بعض القصص حيث تتكئ “منال يوسف” على قصص واقعية لمشاهير راحلين وتنطلق منها لسرد معزوفة لم يعزفها أحد
أو تضفر الواقع بالخيال، أو تحاكي الأحداث السابقة بالحالية.

تنضد “منال يوسف” معزوفاتها القصصية في “صولفيج” تنضيدا تصاعديا كما السلم الموسيقي بمعايير مختلفة عن القص التقليدي
ترسم الجمل، وتعطي للنص من خلالها حركة، وهو ما يتناسب مع طبيعة المتوالية التي انطلقت من معزوفات عالمية.
وتتطور شواغل السرد القصصي عند منال بتطور مشاغل الفكر الإنساني؛ فيخرج من حدود سرد الوقائع في “صولو” و”وكنتاتا فرويدية” بشخوص حقيقية
ولم تنس خلال ذلك طرح القضايا العامة مثل حق العودة الذي يصبح أملا، ومأساة اللاجئين.

اشتركت القصص في سمات أسلوبية  طبقتها “جنيفر سميث” في دراسات، فاستخدمت لغة محملة بالدلالات والرمز مع شاعرية لم تخل من جميع قصص المتوالية أو الشكل القصصي من حيث التعامل مع الزمن الماضي أو الحالي، وطريقة الاستهلال والنهاية ،و اختلاف المنظور من خلال الحدث في حالة واقعيته، أوتخييله أو تخيله، ومن حكايا الواقع القديم إلى سرد المشاعر والأحاسيس حزنا أو فرحا أو تأرجحا بين كلّ هذا.
حداثية السرد الذى تميزت به “صولفيج” لا يعد سردا حكائيّا  تتكامل فيه مقوّمات القص من عقدة وصراع وانفراج وزمكانية وحبكة وشخصيّات القاصّ بل قد تكون مقوما واحد أو أكثر تستنفرها القاصة، لنسج حكايا الفكر والروح وقضايا الهم العام والذاتي

تبدو الروابط بين القصص واضحة ومقصودة لكنها لا تخل بكون كل قصة وحدة نصية مستقلة، على أن تؤدي قراءة الكتاب كاملا إلى أثر يختلف عن الأثر الذي تتركه كل قصة منفردة.

تتناص بعض القصص مع قصص عالمية مثل “دويتو” التي تتناص تناص عكسي مع “love story” ورمزية القنفد محل الفتاة العاجية.

تتأثر “منال يوسف” بمعزوفة متتابعة شهرزاد كما تأثر “ريمسكي كورساكوف” بأجواء الشرق الأوسط في كتاب ألف ليلة وليلة فيعبر صوت شهريار الآلات النحاسية و الوتريات العريضة بإيقاعها المهيب والمخيف التي تناسب شخص شهريار الملك، أما الصوت الثاني فهو لـ “شهرزاد” و يمثله الصوت الآسر للكمان ف تحاكي المعزوفة بمعزوفة أخرى

صوت الكمان الآسر الذي تمثله شهرزاد في المعزوفة هو نفسه شخصية البطلة الآسرة التي تكبر البطل بأعوام والتي تسلم روحها لصوت الآلات النحاسية وسطوتها.

الرسم المعبر يتحد مع السيمفونية ليرسم معزوفة قصصية والحالة السردية للنص التي تتناسب مع المعزوفة “فبراير الأزرق”  قصة تصطبغ بالزرقة وهو لون يؤصل لمشاعر الولاء والانتماء تحاكي معزوفة “الدانوب الأزرق” التي تعد من أشهر المقطوعات الكلاسيكية ذات الشعبية الكبيرة. فقد كتبت لها كلمات تغنّي للنمسا ولجمال وحب وعطاء نهر الدانوب ولهذه المقطوعة مكانة خاصة في قلوب النمساويين لدرجة أنها تعتبر النشيد الوطني غير الرسمي للنمسا.

عندما وضع “موتسارت” الحان أوبرا «الناي السحري» عام 1791، كان في الخامسة والثلاثين من عمره، وحين قدمت هذه الأوبرا في خريف ذلك العام نفسه، كان لا يزال أمامه شهران فقط يعيشهما قبل أن يموت ميتته التراجيدية. ومن هنا تعتبر أوبرا «الناي السحري» آخر عمل درامي
الصراع في هذه الأوبرا بين ملكة الليل، والتي تمثل الجهل وقمع المعرفة وبين “ساراسترو” وهو الملك الخيِّر المستنير الذي يقوم حكمه على أساس الحكمة والعقل المعزوفة بها كثير من الهمس والضوضاء
صراع خارجي يتمثل في العمل والدأب والأمل حتى اخر لحظة، وصراع داخلي عند بطلة قصة الحركة الأولى والصراع الخارجي للمعاناة التي تلاقيها أم لطفل غير عادي

ثم الأمل الذي يحدوها في قولها لايزال عندي أمل وهي تتابع الجلسات بلا كلل وتحلم أن تقتني ناي “تامين” لتنفخ فيه فتحرر كل الأطفال من إعاقاتهم

وتمازج “منال يوسف” بين تجربة ذاتية رومانسية لعصر سابق لتستدعيها في إثارة تجربة أعم فرغم رومانسية الأغنية والحالة في love story في عصرها في السبعينات، فتستدعيها لحدث وحالة مختلفة، حيث الاغتراب والحنين ومعالم الفقد  فيتخذ الزمن في القصة شكل نظامي وتتضح وظيفته الدلالية من علاقته الداخلية مع العناصر الأخرى التي تُشكل بنيته السردية، وتُحدد تقنيات سرد القصة بين زمنين، دون أن يتقيد بتتابع الأحداث المنطقي. وتنشأ، عندئذ، «مفارقة» بين زمن الفيلم وزمن القصة
تتنوع لغة الخطاب القصصي عند “منال يوسف” بين الشعرية في بعض القصص ومحملة بالرمزية في قصص أخرى، ولا يمنعها تنميق العبارات عن الاحتفاظ بالعقلانية مما يمنح النصوص سيرورة جمالية
هذا المزج الذي يشبه سيمفونية الخريف لشوبان حين مزج بين أصوات الطبيعة والرياح وصوت المطر وأوراق الشجر
تتماس القصة مع المعزوفة في إحساسها وتتناص مع الحدث والحالة والشخوص حتى خريف العلاقة قبل انتهائها
كما جمع شوبان في معزوفته أصوات شتى مزجت “منال يوسف” في قصتها روائح متعددة..رائحة القهوة رائحةٌ خفيفةٌ للصَنْدلِ مختلطةً بالهيل وزهر البرتقال وطُحْلُب السِنديانِ العِطريِّ

ما الذي يفعله العرب على أرض الباليه المقدسة غير الرقص؟

لا وطن سوى وجه الله وحلم العودة
والرحلة تبدأ بالدوران التي تكبر المحبة في الإنسان، فتخفت أنانيته ليجد الحق الطريق للوصول إلى الكمال

عندما كانت رحلة تشايكوفسكي في 1877على خشبة مسرح بولشوي في موسكو، نفر الجمهور من بحيرة البجع، لتوجسه من كونها جزءاً من الفولكلور الألماني  وقوبلت بهجوم واستنكار من الصحافة والجمهور
على مستوى القصة  وفي 2019 قامت “منال يوسف” بإعادة كتابة القصة من منظور جديد حيث ترى أن في الحكاياتِ ينتصر الطيبون دومًا.

كارمينا بورانا معزوفة تعصف بالذهن واستدعاء فرويد والناقلات العصبية مارتا زوجة فرويد مع نظرته الظالمة للمرأة حيث كان يراها مخلوقا ناقصا، استدعاء لكثير من الشخصيات التي توظفها في الحكي بين الماضي والحاضر، وكأن القصة نُستالجيا تاريخية لتوقظ القارئ من الماضي على جملة شديدة التعبير والتأثير في كناتاتا فرويدية

 ((لَمْ أستطع حَسْم شعوري تجاه فرويد؛ حين كان يزرعُ الْهَمَّ في حديقتي))

ثم يرحل فرويد ويغيب كما اللحن الغائب، وتمارس “منال يوسف” لعبة الحواس المتشبعة وامتزاجها مع اللحن رائحة الفيكس والريحان والينسون..للأماكن رائحة وللرسائل رائحة

وترى أن الشخوص أن تكون نشازا أو مثل اللحن الغائب حين ترحل وتترك رائحة..

ولد الاهداء فرحا من وجع ثم انتهت المجموعة ب صولفيج إيقاع حزين من وجع

تحمل مفاتيح السلم ترددا عاليا من الحزن محملا على الفاصل الصوتي بين كل علامتين متعاقبتين

“الفوكاليز” هو تدريب اخراج الصوت من الجوف باستخدام جميع عظام الرأس والرقبة والظهر والبطن فيصبح الصوت أجوف لامع والانتقال بين الطبقات الصوتية، وتقوية الصوت.

“الصولفيج” تدريب الصوت على التون حتى لا يكون الصوت نشازا ودراسة تسمح بقراءة وكتابة وعزف مقطوعة موسيقية بدون نشاز ولا حاجة لقارئ القران لها

وبين تقوية الصوت بالفوكاليز والتزامه وعدم نشازه بالصولفيج  كان اختيار “منال يوسف” التي ترنو لتردد عال لا ينشز في عالم الكتابة ومفارقة حدود قلم كعصا مايسترو يكتب ويظبط إيقاعه

كانت تلك مقدمة لمجموعة “صولفيج” وبعد استماعنا واستمتاعنا بالدراسة النقدية سوف نطرح أسئلة بم احتوت تلك المتوالية ,عم انطوت وبم باحت وبم توشحت به قريحة كاتبتها

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: