قصة قصيرة

” صحبة ” بقلم هبة الله أحمد

   هبة الله أحمد 

«يا حلاوة. يا حلاوة يا حالولي. يا حلاوة السيد البدوى » هكذا انتزعني من شرودي نداء بائع الحلاوة والمشبّك في قطار المراكز القادم من الإسكندرية حتى القاهرة. كنا عصر يوم السبت، ولم يكن القطار بازدحامه المعهود، وقد يكون السبب إجازة نصف العام، حيث يخلو من الطلبة، وعطلة نهاية الأسبوع، فلم يكن به الكثير من الموظفين. اعتدتُ حينما أسافر إلى القاهرة أن أركب الـ (VIP)، إلا أنني اليوم آثرت الونس؛ فمنذ سفر زوجتي إلى البحرين إلى ابنتي لتحضر ولادتها الثانية وترعاها هي والمولود وحفيدتي نور، أعيش قرابة الشهر وحيدًا، واليوم لبَّيت دعوة ابني الذي يعيش في القاهرة للمكوث عنده عدة أيام. له زوجة لطيفة وولد من سلالة العفاريت الخضر اسمه «يوسف» على اسمي، إلا أن ابني دائم الانشغال، ولا يعود إلى البيت إلا ليلًا مقطب الجبين نافد الصبر. «يا حلاوة. يا حلاوة يا حالولي. يا حلاوة السيد». كان النداء تلك المرة أشدَّ بهجة حيث قفز الرجل الطويل ذو الجلباب الرمادي والطاقية البُنية لأعلى وهو يهز رأسه. حملني على الابتسام، و أن أضحك بسعادة الطفلة التي تجلس على الكرسي أمامي بجوار أمها المتشحة بالسواد، لا يشق ليلَ ما ترتدي إلا وجهٌ كالبدر ونظرةٌ كسيرة. شاركت ابنتها الابتسام، فاشتريت لها قرص حلاوة حمصية. – «مالوش لازمة يا حاج». هكذا قالت الأم. – عندنا زيها يا بنتي. شكرتني بابتسامة زادت لمعان شمس العصاري بعينيها. توقف القطارُ على خط جانبي ما بين دمنهور وإيتاي البارود، فقلت متسائلًا: وقف ليه؟ – خزن للسريع، القطر اللي بيلمع ومنور من جواه. حبة كده وهيمشي. قالت جارتي موضحة. نظرت عبر النافذة المغبرة على صفحة النيل المنعكسة عليه النخيل وأشجار التوت، فصار امتدادًا لخضرة الحقول، وعجبت كيف لم ألحظ في سفرياتي إلى القاهرة قبل اليوم ذلك المشهد المذهل. وعلى الرغم من أنني أصبحت “فاضي للساقطة واللاقطة”، ونسج التفاصيل معًا لأُفصل الأحداث على مزاجي، كما سمعت ابني مرة يخبر أمه وهو ضائق الصدر بذلك، وأنا أجلس في شرفتي المطلة على شارع بور سعيد في سبورتينج. – «جوزك يا ماما فضي علينا. قولي له يخف يا حاجة الواحد ما بقاش فيه حيل للمناهدة». أخبرته أن يخفض صوته حتى لا أسمعه، فقال لها: لا هو مركز في الجرنال عشان يدخل يشرحه لنا. أنا نازل. قفزت من مكاني فزعًا حين مر أمام النافذة قطار يطلق صفارته بصراخ مفزع وسرعة جنونية، أمام قطارنا المتوقف حتى اصطك زجاج نوافذنا في أطرها المعدنية المتهالكة. بعدها بدق.ائق قليلة، استأنف القطار السير بحركة مترنحة تشبه طريقة سيري الحالية، بعد أن تعديت السبعين. بعد محطةٍ نزلت جارتي وابنتها الضاحكة، فأصبح الكرسي موحشًا. واستسلمت للنوم قليلًا، لأصحو في شيء مختلف من الصحبة، فالآن يجلس أمامي رجل في مثل عمري تقريبًا، تظهر في وجهه أخاديد بفعل الزمن حفرتها أفراح وأتراح وغضب، ولا بد الكثير والكثير من الضحكات، تخبر عنها عيناه الباسمتان، وهو يقول لي: – صباح الخير بالليل. صح النوم يا عمنا. رددت: – صباح الورد. احنا فين يا صديقي؟ – بركة السبع عدّت. انت نايم من أيام “أدهم الشرقاوي” ولا معاهدة 36؟ ضاقت عيوني متسائلةً، فأوضح رفيقي: – «أدهم الشرقاوي» ده كان من قرية زبيدة مركز تييه البارود «إيتاي البارود» بمحافظة البحيرة، وكان بيسرق من الأغنياء ويدي الغلابة زي حكاية “روبن هود” كده، لحد ما خانه صاحبه بدران زي ما بيقولوا والإنجليز قتلوه. الله يلعن أبو الخيانة، فلو نايم من أيام أدهم الشرقاوي تبقى نايم من تييه البارود «إيتاي البارود». فضحكت وقلت: – لا يا صديقي أنا كنت صاحي في إيتاي البارود. – يبقى من أيام معاهدة 36، اللي عملوا من بعدها كوبري كفر الزيات فوق النيل لسهولة نقل القطن من المزارع في الغربية، والشون الكبيرة في المحلة الكبيرة وكفر الزيات، لحد محالج القطن بتاعة الإنجليز في إيتاي البارود قبل بناء مصانع الغزل والنسيج في المحلة الكبيرة «المحلة الكبرى». يعني حضرتك نايم من كفر الزيات. ضحكت وقلت: – أيوه أنا نايم من أيام 1936. أعجبت بثقافة الرجل الواسعة، وخفة ظله، على الرغم من بساطة ما يرتديه، إلا أنه راوٍ ماهرٌ جدًّا. انتقل من حكاية إلى أخرى بخفة عصفور فوق عود من قمح، وحكيٍ شيقٍ كحكي “يحيى الطاهر عبد الله”، إذ تضفي تعابير وجهه ونبرات صوته التي تعلو وتخفت حياةً على أي شيء يقوله، باسِم الثغر ضاحك العينين. وانتقل الأستاذ صلاح موجه الكيمياء السابق من السياسة، إلى التراث، إلى غلاء المعيشة، وحرائق القطارات التي اقشعر لها بدني، فلاحظ ذلك. فقال ضاحكًا: – يا عمنا العمر واحد والرب واحد. قطر زي عربية زي إيد دكتور طارشة. «شوف بعينك. وارحم بقلبك. وصلي على رسول الله». هكذا قطع إنصاتي لحديث الرجل الذي كفَّ فجأة عن الحكي، متسولٌ يزحف على أرضية القطار، له ساق مقطوعة أبرزها للعيان لاستدرار عطف قلوب الركاب وجيوبهم. فقال مرافقي متأثرًا: – يا خسارة صوتي مش عالي. عشان أشحت برجل واحدة بعد ما أقطع التانية. ضحكت. وضحك، فأخبرني أنه ذاهب إلى القاهرة لعمل عملية بتر لقدم سكري، وأنه أخفى عن أولاده. – «عشان ما يولولوش عليَّه. ونص البلد تعسكر في المستشفي». وأن الطبيب الذي سيجري له العملية كان أحد تلاميذه، واتفق معه أن يخبر أهله بعد إجراء العملية، وأنه تلميذ نجيب «طمر» فيه كل ما علمه له، فلن يتقاضى أجرًا عن العملية، واستخدم نفوذه ليوفر له حجرة منفصلة في مستشفى أحمد ماهر. وسألني فجأة: – أنت رايح فين؟ فقلت له ببساطةٍ وصدقٍ أدهشه وأدهشني: – رايح معاك.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

القصة حاصلة على جائزة نادى القصة بأسيوط 2018

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: