مقالات

شظايا الذات المتماوتة في رصاصة فؤاد حميرة

شظايا الذات المتماوتة في رصاصة فؤاد حميرة

د.أدهم مسعود القاق

 استهل فؤاد حميرة روايته بإرغام السارد على الصمت المغبّر بقهر العتمة، والاستسلام لنوم جسده بصفته موتًا مؤقتًا، ويُظهِر حيرته بين استقباله للحياة فاعلًا كما كان، أو الاستمتاع بسعادة الخمول في زمن سرد الحكاية، بين تأرجح ذاته المضطربة التي استحالت ذواتٍ متحاورة وآخرون يتوهم وجودهم، حاول سارد حميرة أن يكشف عن حياة الخوا، التي نعيشها ناظرًا من جُحْر حُشِر فيه جورًا، ناطقًا بهذاءات نفسيّة وكوابيس وتوهيمات عقلية مصدرها النفس البشرية الفصامية، التي لا تفرّق بين السطحي والجوهري، بين السخافة والنبل، حتّى يجعل القارئ مشفقًا على السارد، الذي ينأي بنفسه نومًا، بل بالموت هلعًا من منظومة مجتمعيّة مفعمة بعيوب نسقية معيقة فاعلية فردانيته وفطرته الإنسانيّة.

يستمر السارد في هذاءاته وهو على فراش الموت، يخبرنا أنّه أستاذ جامعيّ، يستشعر وجود أشخاص حوله يحاولون تقبيله فرحين بنجاته من الموت، ويستنتج: “لقد متُّ هناك وحلّت روحي هنا”45، فيجيبه قرينه المنفصم عنه، أنّها إرادة الله، فيعترض لعدم استشارة الله له بولادته وموته، ويعرف أنّه وصل إلى ما هو عليه بعدما ردّد كالمجنون: “أنا لست أنا، أنا هو، أنا هو.. ” هو في غيبوبة منذ أشهر وربما سنوات، بنى حلمه هناك في غفلة عن هنا، واستمر في هذاءاته وتداعي توهيماته بحوارية صعبة داخل الذات المنقسمة على نفسها، ويختلط عليه الأمر حين سمع ابنه يطلب من الكاهن إخراج الشياطين الساكنة في جسده، ويستشعر بدء مراسم تحضير الذبيحة؛ ليتناولها الكاهن، وهو متجهم الوجه، غير آبه لألم السارد، ويخبر أولاده أنّ الشيطان يحترق داخله، نتيجة كلمات الله، ولم يسمع السارد اعتراض أحد على جهل الكاهن الذي نطق بكلماته الزانية “كجمر يحرق روحي وعقلي…” ولا بمقاومته للكاهن الذي جعله يشعر بأعشاش زنابير في رأسه، إلى أن يعود الخدر له، فيغطس في نومة، لعلّ الكاتب استفاض في الفصل في توصيف مشهد يعايشه عن طريق مناجاة النفس، فالسارد وإن كان مغيّبًا جسدًا ولكنّه حاضر في وعي القارئ الذي وصلته معلومات عن الكاهن والأولاد.. وفي ذلك استطاع حميرة أن يظهر أفكار السارد صامتة، بعدما قدّمه للقارئ غائبًا عن وعي محيطه، كما قام بتوصيف أهله الجهلة والكاهن الشيطان وجلّادي الزنزانة المجرمين.

ارتكز الكاتب في رسم مسار الحكاية السرديّ على فصامية السارد الذي يقف على حافة الموت، فلا هو ميت لينتقل إلى عالم آخر، ولا هو حي يتفاهم مع الآخرين، وفي تكرار هذاءات السارد كان يطلّ المؤلف على القارئ بموقفه من العيوب النسقية للمجتمع، فذكر الطفولة البائسة، وجهل التديّن الزائف، وقهر البشر في زنزانات السياسة الرخيصة، وسوء الفهم بين أفراد الأسرة الواحدة.

ولعلّ مهارات الأسلوب وضحت في تغلغل الكاتب في عقل السارد المشوّه، بعد أن اصطنعه ملامسًا الحياة بأضعف طاقات البشر؛ إذ تلمس حواسه معطلة سوى من لحظات مغادرة روحه الحياة نحو الموت، كما بنى خطابه في ذاته المنقسمة لذوات عدة، وأبقى جسده منفردًا تمامًا طوال سرد الحكاية، التي فتت زمنها حين جعل غيبوبته سنوات على الرغم من أنّ حديث السارد قد ينحصر في أيام بل ساعات، إن لم يكن دقائق، فهو في مشهد وصول زوجته وأولاده والكاهن، الذي كواه بالجمر لإخراج شياطينه، هوى بزمن الأحداث التي تتطلب ساعات إلى لحظة حين اختفوا فجأة، وكان واضحًا أنّ ما مرّ من أحداث مجرد حلم مزعج زمنه ثانية أو أقلّ، ثمّ تمنى أن يبقى: “غارقًا في نهر النوم المتسخ” لأنّ الواقع أكثر قذارة واتساخًا، ولكنّه يعود إلى حلمه من جديد، ويتمسك بشياطينه، منكرًا أبوته لأشخاص يدّعون أنّهم أولاده، وينكر زوجته التي تكشّر عن أنيابها بغضب لافتراسه، ويقول لهم: أريد التخلص منكم “لأعود أنا.. أنا لست أنا بينكم.. صدّقوني” وتهاجمه زوجته وتزعم معرفة الآخرين له بدلالة أسرته.. ثمّ بصفاقتها تسمح له بالقفز خارج البيت، فيسمع صوت ابنه بأنّ شيطانه ماكر، ولابد من إخراجه منه، أمّا السارد فيلجأ إلى نفسه، ويعود إلى أحلامه الكابوسية، يزور طفولته البائسة، ويعيش لحظات اشتهائه الذرة المسلوقة، التي كان يشتريها الأطفال من غير مشاركته لهم؛ لعدم امتلاكه المال الكافي، ويصف حال الطفل الذي يلتقط بقايا حبات ذرة رماها الأطفال وهو يمتص ماءها، وينتشي كأنّه يقذف في رحم غيمة، ثم يخطف حبة ذرة من يد طفل ويركض محققًا حلمه بامتلاك الذرة لا المرقة، ويقول: “آه ما أطيب التهام الحلم” حينها لم يأبه للصراخ ودوي الصافرات من خلفه، ولم يشعر بصفعات الناس على وجهه، ما شعر به كان: “نكهة التحقق، إكسير الحلم”، ولكنّه لا يسلم من أذى الشرطة؛ إذ عدوه مجرمًا سارقًا حبة الذرة، حتّى تحوّل إلى مسيح زمنه فداء الذُرة، وليس كما أراد الرب لابنه أن يكون مخلصًا فدفعه إلى الصليب! عاد السارد إلى كابوسه وفقست أسئلة جديدة؛ ليتساءل من موقع اللامعقول عن الفرق بين الأسئلة والملابس الداخلية، وفي هذا الفصل لم يتدخل المؤلّف في ترتيب ما يرويه السارد، بل سرد من دون أن يفترض وجود أحد من حوله، على الرغم من أنّ القارئ عرف معلومات عن الزوجة والأولاد والطفل وما جرى معه بدلالة شخصية السارد الرئيسة، ودُفع لاتخاذ موقف لما صُوّر له بشكل متقن.

يُظهِر السارد صوت طبيب من خلال حوار ينمّ عن علاجه السارد المصاب بالهلوسة، وحين يطلب منه التقيّد بتعليماته يتذكّر الضابط الذي ضربه بطفولته قائلًا نفس العبارة: عليك التقيّد بالقوانين.. أتسمع؟”71، وحين تدخل المرأة مع جرائها، وقصد السارد زوجته وأبناءها، ابتسموا له مطمئنين على صحته، فقابلتهم ذاته المنفية والمذعنة برقة وحنان ظاهرًا، أما باطنه فتعلّق بالذات العارفة التي حثّته للظهور بموقفه الكاره لهم، “في داخلي عواصف مُشتعلة، ولكنّي… أنا نسمة مُنعشة وزوبعة مدمّرة…”72 يتحلقون حوله بفرح رعاةٍ في حقل اغتيال ذئب، ثم يهرب إلى الحلم وتداعيات هلوساته وهذاءاته.. لتنشط ذاكرته وتعيده إلى عهد أسرته التي كافح للتخلّص منها ساعيًا ليجد نفسه، كي يعثر عليها، ثم ينتهي الفصل بتخيّله لموقف أولاده منه وينهيه بـ: أممممممممممم! لقد استطاع الكاتب أن يستمر بمناجاة ذات السارد المنقسمة على مدى صفحات كثيرة، امتدّ فيها كما لو أنّ القارئ يسعى إلى سراب لمعرفة ما وراءه، وإن كان ينقل معلومات عن بقية الشخوص، فهي مدركة بدلالة السارد المتماوت.

في الفصل 4 ونتيجة هذا المونولوج الهوسي المرهق، لم يبق أمام الكاتب إلّا التجريب في الفانتازيا فقد: “نبت لي لسان هامشيّ، لسان يندفع ليقول ما لا أريده، وتبرعمت روحٌ أخرى داخل روحي…” استطال لسانه وقهر أفكاره، بل رسم في هذيانه صورًا تقاتل أخرى، واستحال إلى قاطرة مجنونة تبحث عن سكة نجاة وسط طرق كثيرة، محاولًا أن يخرج رأسه المحشور في مقصلة واحدة بين مجموعة من الرؤوس الغريبة، وتحضر إلى المشهد صورة امرأة تتحدث الفصحى، ويستدير نحو ممر كئيب؛ ليتأكّد فيهلوس بأسئلتها، ويجيبها لسانه الهامشيّ الذي ينوب عنه ساخرًا أنّه: (النائب عني كما هم نواب البرلمان)، وتختلط صورة المرأة مع زوجته، التي تشترط عليه ألّا يفكّر بالتخلّص منها، فيعدّد متاعبه في ضياعه وهشاشته ومواته وقهره… قائلًا: “كل ذلك لأتخلّص منكِ” ويستمر المونولوج بين السارد والزوجة، كما لو كانا موجودين سوية، حتّى يشعر بخفته محمولًا على نسمة حين تطلب منه أن يخرج من حياتها، فيتخلّص من ماء رحم المكان القميء، وينغمس في ألوان الطبيعة وهو حرٌّ، يطير إلى بيته، مخاطبًا الفراشة والطير: “كيف حالك أيّتها الدودة؟ يقترب من بيته ولكنّ المسافة تحتضر، والزمن يموت، وحين يفتح الباب يشمّ رائحة الشمس، وتقابله زوجته بنكرانه، يحاججها ليدخل إلى بيته، فترفض لعدم معرفته، ثم يسمع صوته من الداخل، فيتذكر نفسه و: “لكن كيف يأتي صوتي من داخل البيت وأنا أقف خارجه؟” 87، كيف يكون موجودًا وغائبًا باللحظة نفسها، ثمّ يدخل إلى البيت: “هذا أنا.. ما أجملني! كم اشتقتني!… أضمني وأدفن وجهي في صدري وأبكي… لكنّي أدفعني بعنف…”87، يسأل زوجته عن هذا الغريب، ويسأل: “كيف لا أُنكرني؟ لا أعرفني؟”87، لغة نكران مع زوجته “هذه اللغة أضيق من قبر”88، ثم يكتشف عجزه عن الحركة، ويختفي بهاء العالم، يوصيه الكاهن بالتزام تعاليم الله، مالك حقوق الموت، ويوصيه الطبيب الالتزام بتعليمات الدواء.. لقد استمر الكاتب في تقديم شخصيات حرة عبر إطلالاتهم على شخصية السارد الذي كان يعلّق عليها، ويُقصِر فاعلياتها على ارتباطها به، من دون أن يمنحها رمزية لفتح باب التأويل، بل لم يأخذ الساردُ عقل القارئ بعين الاعتبار، بل كان يقدم جملة ويؤخر أخرى من غير أن يهتم بمنطقية الأفكار، كان يستهدف بكلامه شخصيات متواجدة في لا وعي السارد، وليس في ساحة عقله.

مناجاة ذاتية جديدة بين أنا وأنت، في داخل نفس السارد المهووس، بي أنا القميء الواجد ذاته، وأنا أو أنت التائه بين الفقر والغنى، الرفعة والذل، الجهل والعلم… وتستحضر ذاكرته طعم الذرة المسلوقة التي سرقها، والخبز المغمس بالشاي أيام الفقر المدقع، وتنفصم شخصيته بين سعادة شعر بها وذلّ كامن في حبة الذرة، “كنت أنظر إلى الأطفال بحسد، في قلبي تغلي قدور من الذرة، ذل يحرق كلّ خلية من جسدي، طفل في السابعة يقف وحيدًا مثل يوسف في بئره… يحمل قهر العالم كلّه… يرشح ذلّه دمعة فدمعة…”94، ولعلّ الكاتب وظّف تقنية الخطف خلفًا مُرجعًا سوء الحاضر لطفولة البؤس، مرتكزًا في تفسيره رؤى فرويد الذي فسّر سلوك الشخصية بهيمنة اللاشعور على حاجاتها ودوافعها، بل يرى السارد في استحمامه بين يدي أمه انتقامها منه، وهي لا تعني له سوى أنّها من الأهل البخلاء الحقراء السفلة الديوثين… وأنّ الله لم يستشره في اختياراته فهو حاقد عليه أيضًا، أما قسيمه المذعن فيسعى للمصالحة مع الله ويخضع لقانون الأسرة، نقيضان متصارعان في نفس واحدة، ويخلص أحدهما لنكران صفته أستاذًا جامعيًّا، ويؤكّد أنّه سيناريست، ولعلّه ظهر صوت المؤلّف، وإن كان استمر في مناجاة النفس الداخلية موظّفًا اللغة نفسها التي يستخدمها السارد.

أستاذ جامعيّ عصاميّ نشأ في أسرة فقيرة، عمل في طفولته بائع حلوى وينكره الآخرون حاضرًا، له بداية وليس له نهاية، وآخر لا بداية له ولا نهاية، من دون ذاكرة سوى ما يقوله الآخرون عنه، فينكرهم ويرفضهم، وثالث نبت في داخله بعدما نبت لسان مجهول جديد، لسان الكاتب الذي يحتار عن أي شخصية يتحدث عن الطفل أو الأستاذ الجامعيّ، أو الكاتب، الفقير أو المجنون.. وقاده إلى صراع مع الذات، وليس مع المحيط، إلى أن لبسه كاتب درامي،ّ فكتب الشخصية وعاش تفاصيلها، شخصية متوهمة ورقية، خلقها الخيال وتتحكم بمصير السارد، ويدخل في مونولوج ذاتي مع الروح المسفوحة على الورق، مع كاتب يسعى لتكون روحه عارية أمام الآخرين، وتتمرّد شخصية السارد على الكاتب في محاولة رفض المصير الذي رسمه لها على الورق، ويقرر صاحب الشخصية أن يتخلّى عن رأسين؛ ليبقى له رأس معالمه محدّدة، ويستمر المونولوج الداخليّ بين الشخصية المنقسمة على ذاتها من موقع المدرك لهوية الشخصية الروائية المتوهمة، ولكن المعبّرة عن الفاعلين في التاريخ من دون مليارات البشر، الذين عاشوا وماتوا من دون أن تذكر أسماؤهم، ويُفتَح السرد نحو معانيَ تتعلق بالكتّاب المغرورين، وشخصية الأستاذ الجامعيّ التي ترفض أن يرتديها السارد، لاسيّما حين تكون فكرة، بل حبرًا على ورق أبيض، شخصية تفكر وتبكي، وفجأة تسمع ضجيجًا ناتجًا عن تمزيق الكاتب الصفحة، فتموت معذبة، نتيجة تمردها على المؤلّف… وعلى الصفحات البيضاء، وعلى بياض فضاء المستشفى وعلب الأدوية والشراشف البيضاء، وعلى جبائر الجبس على قدمه ويده وعلى حطام جسده على الشاش والقطن على رأسه” 107، وهنا صرّح الكاتب أنّ من يهذي طوال الصفحات السابقة موجود في مستشفى يصارع الموت، رجاؤه أن يعود لحياته، ويعيدنا السارد لمونولوج الذات المنقسمة لذوات ثلاث: الذات المنفيّة والذات المُنكرة والذات الفكريّة، وحين تسترسل الذات المنفية في تذكر طفولة الشخصية الساردة؛ إذ كان يبيع الجوارب لتشتري أمه خبزًا، تصل الممرضة، فيصمت، فتخبره الذات المُنكرة قرب وصول الشرطة والكاهن للتحقيق معه في حادث السقوط عن السطح، وتختلف الذاتان بالموقف من ذكريات الفقر “المفترس الأشرس في التاريخ”111، ويصل كاهن وشرطيّ وطبيب، ثلاثيّ الإرهاب البشريّ، القمع والفرض والإرغام، ويسألونه عن صحته، فينبري لسان جديد ويجيبهم عن سقوطه من فوق السطح بسبب عثرة رجله، فهذا اللسان مروّض ومعتاد على الخيانة، وتتداخل الأجوبة بين الذوات الثلاث على دعوتهم له بالسلامة، إلى أن تظهر بطاقته الشخصية، يستلمها مرتجفًا، وتعترض الذات الفكريّة على معلومات البطاقة التي سجلت من دون مشورة السلطة له، فالسلطة توثّق ما يعبّر عن مصلحتها لا ما يعبّر عن أفكارك، ثمّ يعرف القارئ أنّ السارد متهمٌ بدفع زوجته من على السطح بهدف قتلها، وأكّد أولاده تلك الواقعة، وبهذا يجد القارئ أنّ السارد لم يتوارى خلف مجريات الأحداث، بل يقدّمها واضحة كما هي، جريمة نفّذها السارد بقتل زوجته، وهذا ليس خبرًا، بل أكّد بشهود وهم ابنيه، ولعلّ طريقة توصيف أحداث هذا الفصل ارتكزت على معرفة السارد بتفاصيل الحكاية، مما جعل اللغة انسيابية وواضحة التوجّه.

تسرد الذات المنفيّة الخائفة من هزيمة معارك لم يطلبها صاحبها، وتشتكي من إنكار الذوات الأخرى في الشخصية المنقسمة على نفسها، ومن جهلها الجسد الذي يحملها، وتتضارب الأفكار في الدماغ، ويعود السارد بذكرياته لمعرفة نقطة ارتكاز رغبة في النجاة من هذا المستنقع، وفي محضر التحقيق يؤّكّد أنّ قدمه زلّت، فتمسّك بزوجته، وارتميا سوية، ثمّ يعترف في حالة هذيان أنّه كان يحاول أن يقتل جسده، الذي يسجن روحه في داخله، ليحررها من قيوده، وعلى الرغم من أنّ الأحداث يعتريها جريمة قتل وشهود وشرطة وكاهن دين، فإنّ الحبكة تبددت تمامًا في جريان تداعي الأفكار على لسان السارد، ولم يترك الكاتب للقارئ سوى تركيز انتباهه لهذاءات السارد الذي يستعدّ للموت.

سردية أخرى، قامت بسردها الذات العلميّة، ذات الأستاذ الجامعيّ الذي انتهى من محاضرته وسأل طلابه: عن توقّعات كلّ منهم للنهاية التي ستؤول إليها الشخصيّة، يذكّر بالانضباط والهدوء، ويستمع لآراء متعددة، ويجيب على أولهم أنّ رأيه يندرج في إطار اللغة النائمة، والمطلوب منه إيقاظها، قائلًا: “أمامك مهمة إيقاظ اللغة، أن تشدّ اللغة من شعرها، وتجرّها بكل قسوةٍ بعيدًا عن فراشها، وأن تنهال عليها بسياط رغبتك في تكسير كلّ ضلوعها وحروفها وقواعدها، وأجابت طالبة أخرى، أن بطل الحكاية ينشد خيانة نفسه، تواطؤًا مع محيطه المسيطر عليه، فأجابها بأنّها محقّة، ووافقها أنّ المحيط المعادي، الكاهن الذي عده خارج تعاليم الله، والشرطي الذي رأى فيه مجرمًا والطبيب الذي رأى فيه مجنونًا وزوجته الجرباء وجراءها الذين يخضعونه لقيم مجتمعهم، فُرضوا عليه وروضوه وجعلوا روحه هشّة، فعقد صفقة مع محيطه، ربما بجنونه الذي ينفيه إلى مستشفى المجانين، أو كما قال طالب آخر أن نومه المستمر هو هروب من الشيخوخة، خوف من المستقبل، لذلك استذكر طفولته وشبابه، نام ليحلم فكان الحلم رائحة جثة تتعفن، لقد استجدى الماضي بصفته ملجأ يحميه من الخوف، ويتابع الأستاذ الجامعيّ ويقدّم تصوّره عن اختيار البطل أسئلة صعبة يستعيد عبرها ذاته المتعلقة بحاضره، لا يريد ماضيه ولا مستقبله، يريد أن يقبض على حاضره، حتى لو حوصر، فهو يقاتل لمنع انتباذه، وإذا عجز فراحته تكمن خارج كينونته، وهذا اقتضى منه حفظ الزمن، فتسلل إلى الثلّاجة وأحكم قفلها على جسده متحاشيًا الشيخوخة، كما احتفظ بذاكرته، هو يعيش اللحظة التي تخلّصه من رائحة جثة حلمه المتعفنة، يعيشها في موقع اللا موجود، فيعجز الشرطي والطبيب والكاهن والزوجة وأولادها عن ترويضه.

شهد الابن والابنة على أبيهما السارد أنّه قتل زوجته سقوطًا من على السطح، ودافع عن نفسه منكرًا الشهود وشهادتهما، وانتهى الأمر بإحالته إلى مستشفى الأمراض النفسيّة، ليستكمل السارد المونولوج بين الذات المنقسمة إلى ذوات، أمّا الذات العلمية، بصفته أستاذًا جامعيًّا، همست في أذنه صمتًا ممتدًا.. فاصطرعت وجوهٌ في رأسه، ثم قدّم له الشرطيّ مرآة، تمرأى فاستحالت شخصيته المهووسة كاتبَ سيناريو، وأشار إلى أقصى الكادر مصوّرًا: 1 – طفل يخجل من ملابسه.. ثمّ نظّم جدولًا لمشاهد درامية وفق سيناريو مقترح لتفسير أحوال الجنون: مشهد2 – طفل فقير يصبح شابًا برفقة فتاة جميلة، يمران جانب منزل يحيط به الياسمين، يلتفت الشاب نحوه متحسّرًا، وتطلب منه الفتاة هدية، فيقدم لها عنقود ياسمين، تتأفف منه فيذكّرها أنّها هدية الفقراء.. مشهد3 – ينام شاب وفتاة في غرفة فقيرة، تشكو الفتاة من البرد فيدعوها؛ ليكون مدفأتها، تحرد الفتاة، فيقول لها: هكذا يدفأ الفقراء.. مشهد4 – الشاب والفتاة في باحة طلاب، صفعته على رقبته، تأفف وسألها لماذا؟! فردت: مزاح الفقراء.. مشهد5 – الشاب والفتاة يحملان سندويتشين، الشاب يأكل بنهم وتلذذ، تتقزز الفتاة، فيقول لها: أيتها المجنونة هكذا يأكل الفقراء.. المشهد6 – الشاب خلف عربة مثلجات يبيع، تصل الفتاة ومعها زوادة طعامه، ولحظة وصولها يسقط أرضًا، يتحلّق النّاس حوله، وتبدي الفتاة ذعرًا، فيبتسم قائلًا لها: أيتها المجنونة هكذا يموت الفقراء، إثباتًا على أنّ الفقر هو أس مصائب الفرد العاجز على رفض ما يُفرض عليه، ولعلّ الكاتب أراد من مشهدية السيناريو خطابًا مباشرًا لعقل القارئ من دون عاطفته.. إلى أن نسمع صرخة: توقف.. توقّف… ترفض شخصية السارد التي خلقها الكاتب، ويصرخ ساردًا، فتختلط الضمائر في كلامه، ليحيلها فكرة، فيطلب منه المؤلّف أن يتمرأى.. فتقرأ اختصارات ضمائر المتكلم والمخاطب هذيانًا يومئ لتوق الكاتب تحطيم اللغة المتداولة مفسحًا المجال لما وراء اللغة، وحين يطلب المؤلف من السارد الهرب، يكون قد حوصر، وحين نجح بالهرب فعلًا ركض حرًّا، واقترب من نفسه أكثر، لأنّ الهرب خروج منهم، وقتال من أجل الذات، وحرق القوانين والشرائع والديانات والطريق التي تمس ذاته، وبتداعي الأفكار بين شخصية البطل ومبدعها، وبأسئلة أقرب للحوار، يصيب السارد الحريق وتندلع النيران في داخله، ثم تنتقل لملابسه، فيحترق اللحم والحبر والورق والقيود… وصل إلى مفترق طرق، وحين قرر دربه، جاءه جواب الكاتب: اخرس، واتهمه بالغائب، فثار عليه ووعد بالحل، لكنّه: “وقف يراقب جسده يحترق متوهمًا أنّه يحرقهم.. وفاته أنّه كان يحرق الآخرين في داخله” 140، كلّ ذلك كان في مستشفى المجانين، وفيها اختصر كاتبنا الضمائر المعبّرة عن الأنا والآخر، نحن وأنت… وخلط في تركيبها الصرفيّ انعكاسًا لاختلاط المعاني في العق المضطرب، ولعلّ علاقة أسئلة السارد بالملابس الداخلية تعالقًا بتأوهاته الأخيرة مع امرأته التي استعصت عليه؛ إذ بدت تضاريسها أشبه بمغارة علي بابا عصية على دخوله فيها، سوى من سهام ناظريه أمام عريها، وحين اتهمته باقتصاره على محبة الملابس الداخلية فحسب، أجابها: “أيتها المجنونة، هكذا ينظر الفقراء”144، ليكون مشهدًا سرديًّا مكمّلًا لمشاهد السيناريو السابق.. قرر السارد الموت فحسده الله، لأنه “غير قادر على الموت، كما (أنا، أنت، نحن) لعلكتحنا بعد الذي قاسيتحناه في الغربة والتيه والغرق، جعل درب نجاتنا الموت الذي لا يقدر عليه الإله، فالحياة هي الرعب المنثور في زوايا روحينتنا المتعفّنة”144، وفي الأحلام الفاسدة والرائحة الكريهة وفروض الآخر عليك، لتعيش في عالم الموت، وتنتهي الرواية بوصول جرباء تحمل جردل ماء الموت، تضحك وهي تصبّه على الجميع، وتغرق معكحنا، ويكون الموت غرقًا، ويصف الحالة بـ: “نتأشهق بعد امتلاء الفم بالماء، متسائلًا وهو يغرق: تُرى أنحن حقًا في الحياة أم جئنا من الموت لنصحو من جديد؟

كثّف الكاتب لغته موظّفًا لغة الشعر في: “أتقيأ البحر وأصرخ…” و”أغزل أحلامي” و”عتمة قاحلة” و”الصمت المغبّر” و”باب الكابوس” و”أنا مدفون في هذه الوجوه…” و”أفك أزرار عقلي” و”يتبل أحلامه ببهارات الأمل، ويشمّها.. ” و”شارع مضاء بالمطر” و”شجر يميل بغنج” وغيرها، ولعل لغة المجاز الشعريّ هذه تتساوق مع رواية تيار الوعي ومقتضيات فنياتها وتقنياتها.

لقد أقام المؤلّف الحوار على لسان سارد انفصمت شخصيته، موظّفًا ضمير المخاطب (أنت) في الحوار، ويستمر بهذيانه حوارًا بدا مسرحيًّا كما لو كان بين شخصيتين فعليتين، أما سياق السرد فجعله بضمير المتكلم، “كيف أكون ميتًا وأنا أشعر وأفكّر…” 20، ثم يجرب شعور القرف والخوف والحزن؛ ليتأكّد أنّه على قيد الحياة، لكنّ مشاعره تختلط، ويحتار بين كونه ميتًا أو نائمًا، متذكّرًا طفولته البائسة، مكملًا: “فيما أغزل أحلامي كأرملة تحيك الجوارب؛ لتنسى أنّها لم تكد تفتح فرجها حتّى أغلقته رياحٌ محمّلة بالموت”25، وفيما السارد يهذي ينفتح باب كابوسه، ليسمع صوت زوجته أو أحد أولاده، فيصرخ أنّه مريض، من دون أن يسمعه أحدٌ، فيعود إلى سؤاله: “هل أنا ميت؟” وحين يغادره الشخص، ظنّه ملاك الموت الذي سيستجوبه كما فعل معه المحققون في أقبية السلطة حين كان يتألم صارخًا متلويًا نازفًا باكيًا… والجلّاد يصرخ؛ ليثير الرعب، فينهار، ويتيقن أنّه ليس في القبر: “لعلّني في المعتقل.. أنا في تحقيق أمنيّ.. هي ذات الإجراءات… صمت قبور، ظُلمة، تشكك.. القبر زنزانة تحقيق… لا فرق بين الزنزانة والقبر”، يستشعر وجوده من وجود أشخاص حوله، لا يسمعونه، يرجو ربّه أن يخرجه من حالة الموت، حتى لو أعادوه إلى الزنزانة، وحين يغوص في الحلم، يتمرأى باحثًا عن شكله، يرى آخر في المرآة أكثر قبحًا منه، وتتغير وظائف حواسه، يتماهى مع ديك ذبحته المرأة، يرتعش معه وهو يفقد روحه، وينتبه لريش الديك المدمّى، ليغرق في دماء الفقراء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: