مقالات

شاهدان على الإبادة

مصعب الحمادي

بقلم مصعب الحمادي

في مثل هذا اليوم (٦ حزيران/يونيو) من عام ٢٠١٢ ارتكب شبّيحةٌ موالون للنظام السوري ينحدرون من قُرى (المحروسة وأصيلة وتل سكّين) جريمة إبادةٍ جماعية بحقّ جيرانهم البدو من أهالي قرية القبير في ريف حماه قرب مدينة محردة.

لا يتعدّى عدد سكان قرية القبير ١٣٠ نسمة، وقد راح ضحية المجزرة حوالي ثمانين شخصاً من الرجال والنساء والأطفال، بينما نجى أربعون شخصاً كانوا مغتربين في لبنان يوم تنفيذ الجريمة، وحوالي عشرة آخرون كانوا يرعون أغنامهم خارج القرية في ذلك اليوم.

أتت المجزرة بعد أيّام فقط من مجزرة الحولة، التي تشبهها بأسلوب التنفيذ من حيث استخدام السكاكين وذبح الضحايا بالسلاح الأبيض، كما تبعتها مجزرة التريمسة في نفس المنطقة بعد شهرٍ واحدٍ فقط.

قبل تسع سنوات، تسلّلتُ إلى قرية القبير الواقعة تحت سيطرة النظام بعد ٣٦ ساعة من وقوع المذبحة وكنت برفقة صديقي الصحفي الأميركي الشجاع David Enders الذي كان جاهزاً دائماً للتضحية بحياته في سبيل نقل الحقيقة في سوريا، حيث إن التسلّل خفيةً إلى مناطق النظام لتوثيق مذبحة كان مغامرةً تنطوي على درجةٍ عالية من الخطورة.

وصلنا القبير بعد رحلةٍ استمرّت ثلاث ساعات على متن دراجةٍ ناريّة فلم نجد من أهل القرية إلا رجلين وأربع نساء من أولئك المحظوظين الذين كانوا يرعون الأغنام خارج القرية وقت حصول المذبحة، أما الباقي فلم نر منهم إلا آثارهم:
رائحة لحومهم المحروقة داخل غرف النوم، بقع دمائهم المتيبسة في باحات البيوت، ونقط دماءٍ متناثرة على الحيطان الداخلية، وفوق الملابس المعلّقة، وعلى الوسائد المبعثرة على حصائر بائسة.

رأينا سريراً محمولاً لرضيعٍ حديث الولادة تمّ قتله واختفت جثّته مع باقي الجثث التي أخذها الشبيحة معهم ليرقصوا عليها في قراهم.

رأيناً قضباناً حديديّة ضُرب بها الضحايا حتى الموت، وعاينّا سكّيناً بدائيةً ذات مقبض خشبي استُخدمت في ذبح الضحايا وكانت مضمّخةً بالدماء. لكنّ معظم عمليات الذبح كما قال لنا الناجون تمّت بذلك المقصّ الذي يستخدمه البدو لجزّ أصواف الأغنام، وقد تمّ تسليم المقصّ لبعثة الأمم المتحدة في سوريا.

لم نمكث في القرية طويلاً بسبب خطورة الموقف وقرب الجيش السوري من المكان، ولأن أحد الرجلين الناجيَين خاطبنا بالقول:
“أسألكم الله أن تغادروا وتتركونا بحالنا، لقد انقطع نسلنا ولم يبقَ من أهل القرية إلا نحن.”

مضت تسع سنوات الآن وما نزال نجهل لماذا قام الشبيحة بهذه المذبحة المروّعة بحقّ قرويين بدو بسطاء يعيشون في منطقةٍ يسيطر عليها النظام وليس لها علاقة بالثورة. كما أننا ما نزال نجهل ماذا فعلت الأمم المتحدة بمقصّ الصوف الذي لم يغِب عن بالي منذ ذلك اليوم!

يعيش صديقي ديفيد في بيروت منذ بضع سنوات، وصار بإمكانه أن يكّلمني بالعربية الآن.
عندما استذكرنا مذبحة القبير سويّةً قبل يومين، قال ديفيد:
يا هَراااام!
وأتبع ذلك بتنهيدةٍ عميقة تلاها صمتٌ مطبِق.

لم يتعلّم ديفيد العربية فحسب، بل صار سوريّاً أيضاً، مسكوناً بالهمّ، وقد خطّهُ الشيب لهول ما شاهده معنا من بَشاعة، فقد وثّق مجزرة الحولة من قبل، ودَخلنا معاً سجن تنظيم القاعدة في إدلب عام ٢٠١٣.

إننا نستحضر اليوم الذكرى التاسعة للإبادة الجماعية التي وقعت بحقّ أهالي قرية القبير، فنرسل أكاليل الورد للتراب الذي احتضن رفاتهم، ونتمنّى أن تأخذ العدالة مجراها في سوريا، حتى تتمكن أرواح الضحايا من أن ترقد بسَكينةٍ وسلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: