سينما ومسرحمقالات نقدية

سينما أونطة.. خليل الزيني وشباب امرأة

     خليل الزينى

 

بصراحة كنت حيران وانا أضع العنوان لهذا المقال فهل اكتبه عن شخصية البطلة في الفيلم أم عن تجربة كاتب الفيلم ؟

طبعا تجربة كاتب الفيلم أشمل وأعمل (وفيها لمحة نادرة)…وهذا هو العنوان الرئيسي الذى يضعنا مع فيلم اليوم الذى هو جزء من ابداعات الكاتب ـ عمومًا ـ التي ركزت الضوء في الغالب على مشاعر الأنثى اللعوب في كل اطوارها وبكل قوالبها

وطبعا في المجال العالمي في ذلك الوقت، كان مَلك هذه المنطقة ومبدعها الأول هو: استيفانزفايج، وكانت كتبه متوفرة باللغة العربية من سلسلة  (كتابي) المدعوم من (حلمى مراد) حين كانت الثقافة تقوم على اسماء رجال كل واحد منهم مؤسسة تنشر الجمال فقط وبلا أي هوامش أخرى

فيخرج كاتبنا اليوم وهو أبرز ما في فيلم اليوم ؛ هو كاتب لم ينل شهادة قط وبدأ رحلة التعليم في سن السابعة عشر وبعد مراسلات ثقافية ينتزع شهادة ميلاده فيبدأ في رحلة الكتابة المتخصصة للسنيما ـ والتي بدأت سنة 1947 بفيلم الأب بطولة محمود المليجي

طبعا معظمكم عرف أننى أتكلم عن (أمين يوسف غراب) وفيلمه الخالد

“شباب امرأة” ورغم مرور العقود على الفيلم إلا انه ما زال يحتفظ ببريقه، ومنزلته بين أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما

صورة 3

لكن تعرف الاستاذ / أمين له كم فيلم في السنيما؟

 له 29 فيلم…. دارت معظمها حول الأنثى اللعوب أو صراع الفضيلة والرذيلة المبني على سطوة الجسد … والرجل متمكن جدا في هذه المنطقة يكاد يملكها منفردا والدليل

فيلم (نساء مُحرمات)… لـ صلاح ذو الفقار وهدى سلطان وحسين رياض

(دعوني اعيش) …لـ فاطمة رشدي ومحسن سرحان وماجدة

وبالمناسبة هو صاحب فيلم ( السفيرة عزيزة ـ ومبدع شخصية الاستاذ حِكم ) وفيلم (علموني الحب ـ سعد عبد الوهاب) والباقي افلام جيده وستندهش عندما تقع اسماؤها أمامك

أما عن  “شباب امرأة”  فقد كتبه الاستاذ أمين قصة مجزأه  يعنى سيناريو وصل لمكتب (صلاح أبو سيف )…

وهذا يدفعنا لنؤكد ـ على ما سبق الإشارة له ـ على أن البعض في مجال الفن يكون مؤسسة كاملة، فالرجل منذ أن دخل المجال بالعمل مساعدًا لـفريد كرامب في فيلم “لاشين” وبدأ يختار لنفسه مبدأ واتجاه يتحرك من خلاله … (ستكتشف هذا بعد لحظة)

من يشرف علي مكتب(صلاح ابو سيف) ويدعمه؟

زوجة المخرج صاحبة البكالوريا الفرنسية والمتعايشة مع الأدبالفرنسي

“وفية خيري / والبعض يذكرها وفية أبو جبل”

وكذلك أبو سيف متعايش مع بلزاك وزولا بالتحديد ومعاصريه فثقافة الفنان أمر هام وأساسي وكونه صاحب اطلاعات تجعل أعماله لها نكهة مميزة

وللعلم إذا رأيت اسم (صلاح أبو سيف)فىإعلان فيلم ككاتب سيناريو اعلم أن المقصود الزوجة … التى لم يخرج اسمها إلافي القليل جدًا وسنقف معها في فيلمين قادمين إن شاء الله.

معنا سيناريو كامل فماذا عن الحوار؟

كان الحوار بيد العبقري المتفرد في جيله سيد بدير،ولا يحتاج لشرح او وصف

إذن نحن أمام كوكبة من مبدعي الكتابة وكلًا متخصص في مجاله الفني بدأت بكاتب سينمائي مبدع مغمور…كيف؟

آه، مغمور بالنسبة لجمهور المكتبات؛ لا أحد يرى رواية أو كتاب منشور مكتوب عليه (تأليف ـ أمين يوسف غراب ) الرجل كاتب متخصص في الكتابة للسينماومعروف في الوسط وبين قراء مجلة آخر ساعة التي تنشر له قصص قصيرة باستمرار وبدعم من الأستاذ/ محمد التابعي

في عام 1956 ومع ظهور فيلم (شباب امرأة ) ونجاحه الساحق الذى شجع الناشرين ليصدروا القصة في كتاب !

فنحن مع كاتب يسير عكس التيار وخرج

(من الشاشة إلى رفوف المكتبات)

كما أشرتُ في العنوان والكتاب يلقى قبولا فتتعدد الطبعات ويلمع اسم غراب في سوق الأدب … (نعم سوق ـ أكل العيش يحكم)

ورغم حساسية موضوع الفيلموإغراؤه أيضا إلا أن أبو سيف أخضع الفكرة للمتاح والمقبول وساعده على ذلك كما قُلت حرفية “سيد بدير”المتمرس في العمل الإذاعي كمخرج ويتلامس مع هموم المجتمع وتحولاته فتظهر لمساته المباشرة في جمل مزدوجة المعنى ظاهرها غير مقصود والخفي سهل المنال يؤدىالغرض منه سواء إعمالًا لفكر المشاهد أو الزوغان من الرقيب وفى النهاية أشبعت حرفة الكاتب (بدون فذلكة أو تعالي على المتلقي! )

الكاتب الذى يرتكز ابداعه على غواية الجسد الأنثوي وتناولها في أكثر من قالب

لأنه واقع تحت سطوة جاذبية الفكرة ، وبالرغم من هذا إلا أنه يقظ لكل حركة في السيناريو؛ لربما لقطة عابرة أوقعته فيالممنوع،ولهذا استعان كاتب السيناريو بالمخرج الخبير في دعم النص ليتلاحم مع إبداعكاتب الحوار.

الفيلم خرج باسم “شباب امرأة”بينما هو يتناول خريف عمر امرأةفاتنة ومتسلطة ومكتفية ماديًا،نوعية خاصة من النساء في قالب الأنثى الذواقة !

 {وهذا ما لمح له السياق ولنا ان نقبل او نرفض ـ كونها ذواقة تختار فريستها بمهارة} في مقابل الشاب البكر الانطوائيالقروي معدوم الخبرة وهى مقابلة تم التعامل معها كثيراً في تلك الفترة وخصوصا من الكُتاب أصحاب الأصول الريفية وخوفهم من سطوة القاهرة ، فتغري المغتربين بالجنس ويهوون إلى مستنقع الرذيلة

والرذيلة معنا في الفيلم لم تكن صاخبة أو محصورة في بقعة ما لكنها كامنة في نفس بشرية تتحين لحظة الانقضاض على الفريسة المناسبة

وقد وصل هذا لعموم الناس بكل بساطة ورشاقة ـ إن جاز أن أقول هذا ـ من خلال الإسقاطات البصرية والسمعية البسيطة والجميلة التي لم تتحدى المتلقي وراعت ثقافة المجتمع فوصلت بكامل معناها.

(بالمناسبة أغنية رشدي في الفيلم تم توظيفها جيدا ـ بعيدًا عن استغلال المخرج لشادية كمغنية واختيار أغاني لها دور في الفيلم )

ولنلمح لبعض الإسقاطات

فرد الحمام الذي طار عندما فر (إمامـ البطل) من مواجهة(شفاعات ـ البطلة)

الشباك المفتوح والهوى يعصف بالستائر المتطايرة.. عقب نزهة شفاعات مع أمام (أنا كتبت الهوى للتوضيح)

المعادل بين مرض البغل ومرض (إمام) في منتصف الفيلم

سحب الخروف … عندما اتفقت الست على الزواج مع إمام …

الحوار وإسقاطاته اللفظية كلها قام بها وتكفل بها الفذ (عبد الوارث عسر) من أول ما لمح لانحراف إمام وانه سيجعله شيخًا له وحتى حوار الحلال والحرام في المولد والإسقاط على شفاعات

أما الطاقم الفني من الممثلين كان مشكلة ـ تجارية ـ لكنها حلت بلا أى صخب فالمرشحة للدور الأول ليست نجمة شباك! ..ماذا؟

كاريوكا ليست نجمة؛ هي في مرحلة غروب شمسها بعد رحلة 21 سنة تمثيل ـ حينها ـ ذروتها مع الريحاني ولم يعد الجمهور يقبل على الراقصة الممثلة بعد ان اعتزلت الرقص وللعلم هي ممثلة قديرة جدًا جدًا (ولعلها كانت على بعد خطوة من هوليود … لكن حمشنة دم بنات البلد أثناء عدوان 1948… تلك قصة أخرى)

وكذلك البطل شكري سرحان هذه أول بطولة مطلقة له ـ الرجل معروف ومتميز ولا ننكر لكن حسابات الشباك لها ميزان آخرـ كان الحل في وجود شادية النجمة المتوهجة المتفردة فىالأفلامالغنائيةفى ذلك الوقت لتكون هي الداعم للشباك وللرواية مع زيادة فى دورها ولم يعترض غراب”مراعاة أصول الصناعة ليس عيباً في الفنان”

سر نجاح هذا الفيلم وخلوده (روح الجماعة) .. كان عسر أستاذً للإلقاءالمسرحيويكتفي بهذا … وصلاح ابو سيف يستغل حرفة عسر هذه لتظهر في تنوع طبقات صوت الرجل مع تعبيرات وجهه المدهشة والمعبرة جدًا.

بالإضافة لشادية ذائعة الصيت التي دعمت كاريوكا ومن هي كاريوكا؟ …تاريخ طويل لكنها وقفت بجوار شكري سرحان …

وكل هؤلاء وقفوا تحت راية مخرج واعٍ(بفكره المدعوم بالاطلاع كما قلنا من قبل وهذا يدفعه لأن يختار من النصوص التي تخرج من المطابع وما يُترجم وما يعد للسينما ما يتماشى في حبكته مع واقع الحياة فعلًا وليس به من الخيال إلا القليل ويمكن التجوز عنه في مقابل مصداقية الفكرة ـ كالنص الذى نحن نتكلم عنه ـ النابتهمن جذر مصري وتجرية واقعية … نعم الواقعية ويصبح هذا هو اسم المدرسة التي يحمل أبو سيف رايتها)يدعم نص مبهر بعيدًا عن اسم صاحبه التجارى

وهذا سر شغفي بهذا الفيلملأنه قدم للشارع الثقافي مبدعسار عكس التيار نجح على الشاشة فدخلت كتبه إلى المطابع وتوالت أعماله ومنها

“ويحدث في الليل فقط “و”الساعة تدق العاشرة” لكنه لم يخرج بعيدا عن شخصية الأنثى اللعوب وربما ضمت الرواية أكثر من قالب يعبر عن اللعوب كما في الساعة تدق العاشرة

ورغم كل هذا فلم تعش له إلا شفاعات واحده

هل من كاتب سيناريو متابع ؟ …. انا انتظرك

وانتظركم … فـــركـــش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: