مقالات فكرية

سارق النار بقلم مصطفى نصر

    مصطفى نصر 

 

كتبت روايتي ليالي غربال متأثرا بليالي ألف ليلة وليلة التي أعشقها، قرأت أكثر من طبعة منها، وبذلت فيها جهدا، أخرجت قصصها، قصة، قصة. راعيت في ليالي غربال أن يصلح كل فصل منها أن ينشر وحده، كقصة قصيرة.

أرسلت فصول الرواية لتنشر في مجلات وجرائد كثيرة.

كنت أعيش فترة ازدهار واضحة، فقد أعجب المخرج عاطف الطيب بروايتي الجهيني، وقرر تحويلها فيلما، وعرضها على السيناريست مصطفى محرم الذي تحمس لها أكثر، وأرسل لي الفنان محمود ياسين ريجيسير اسمه الحبشي السينمائي لكي أقابله، واشترى مني الرواية.

وقرأ الدكتور هشام أبو النصر روايتي جبل ناعسة وأعلن في كل مكان عن تحويلها لفيلم سينمائي، وتقابلنا معا، وزرنا حي جبل ناعسة. وروايتي الهماميل نجحت، وعندما سألوا أستاذنا نجيب محفوظ في البرنامج الإذاعي سمار الليالي:

– الرواية التي لفتت نظرك بعد حصولك على نوبل؟

قال الهماميل لمصطفى نصر.

وتحمس أكثر من مخرج تلفزيوني لتحويل الهماميل لمسلسل، فأرسلوا لي، قابلت الأستاذ يوسف عثمان المسئول عن الدراما في التلفزيون لكي أزكي أحد المخرجين، كان السيناريست فايز غالي مقدمها مع المخرج محمد السيد عيسى، والمخرج فؤاد عبد الجليل مقدمها مع الدكتور رفيق الصبان. فاخترت فايز غالي، على أساس أن رومانسية رفيق الصبان لا تتماشى مع أفكاري. واختاروني في مؤتمر أدباء الأقاليم عن مدينة الإسكندرية. وسط هذا النجاح، أصيب ابني الشاب الذي تجاوز الثامنة عشر من عمره، بمرض خطير سريع الأنتشار. ياااه، كل شيء ضاع مني. ثلاث أنواع من العلاج يأخذهم في جرعة، وعلاج إشعاعي. كما أن المرض أثر على حركته فلابد له من علاج طبيعي. تركت كل شيء، عملي، فقد قابلت رئيس القطاع المالي، قلت له:

– لقد استنفدت كل أجازاتي.

فقال لي:

– أي يوم محتاج له، ما تجيش، وأحنا حانتصرف.

أسرعت إلى دورة المياه، أغلقتها علي وأخذت أبكي.

في ندوة بقصر الثقافة، قال الأستاذ صلاح أبو الكل- موظف الثقافة – لزملائي:

– زميلكم مصطفى نصر، منشورة له، قصة، صفحة كاملة بالأهرام المسائي.

لم أعد أحضر ندوات، ولا أدخل مكتبتي، جاءوا إلى بيتي: عبد الله هاشم وسعيد بكر ومحمد عبد الوارث. اخبروني بما قاله صلاح أبو الكل، لم اسع لشراء نسخة من الجريدة. فلا شيء يهم الآن.

تطورت حالة ابني سوءً، استدعيت له طبيب من مستشفى إيزيس، قال لي:

– ما تبهدلهوش، الرئة تحجرت.

نمت بجواره، طوال الليل يتحدث مع ناس لا أراهم، يقول لهم:

– أكيد ما تقولونه، يعني آجي معاكم؟

أحاديث كثيرة من هذا النوع، رغم ما قاله لي طبيب مستشفى إيزيس، أخذته بتاكسي إلى المستشفى الأميري، هناك اثنين أساتذة أحدهما في قسم الأورام والآخر في العلاج الطبيعي، يرأفان لحالتي، يعلمان بحقيقة مرض ابني، لكنهما يقدران أني أب، وأريد أن اطمئن وارتاح وحدث ما توقعه طبيب مستشفى إيزيس.

عشت بعد موت ابني فترة صعبة، غيرت كل شيء في، لم أعد أهتم بنفسي، لدرجة أن طبيبة تزور شركتنا كل يوم، حدثت زملائي في العمل لكي اهتم بصحتي، قلت لها:

– أين المشكلة، سأموت؟، ياريت.

عانيت من زيادة الوزن، وارتفاع ضغط الدم. وبعد أن استرديت جزءً من وعيي، دخلت المكتبة التي كنت قد هجرتها لمدة طويلة، بحثت عن أوراقي القديمة، عدت لروايتي ليالي غربال، اكتشفت ان الفصل الخاص بسارق النار غير موجود. فماذا أفعل؟

اتصلت بالأستاذة عواطف – زوجة صديقنا الشاعر صبري أبو علم – فهي تعمل بمكتبة البلدية، سألتها:

– عندكم في المكتبة الأهرام المسائي في سبتمبر 1993؟

قالت: حارد عليك بكرة.

واتصلت بي في الغد قائلة:

– موجودة.

ذهبت لمكتبة البلدية، وطلبت الأهرام المسائي، صفحة كاملة، لا يصلح معها التصوير، فهو لن يوضح كلمات كثيرة ستختفي عند تثنية الصفحات، فنقلتها حرف حرف وكلمة وكلمة، وأرسلت رواية ليالي غربال، فنشرت في روايات الهلال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: