مقالات

زورق صغير

زورق صغير

ـ 1 ـ

آرام كربيت

الآن نهر الخابور ميت؟
عدت إليه بعد زمن، جلست على الأرض الجافة العارية للنهر. تنهدت بعمق مدة طويلة جداً. نظرت إلى الخلاء والصمت والحرارة اللافحة التي تهب علي من السماء والأرض مبهوتاً من لوعة السؤال التي تهزني وتدفعني للحسرة المباغتة المعلقة بالصمت، قلت في نفسي:
أي رياح عاتية ساقت الخابور إلى دروب بعيدة، لماذا رحل وبقي سارحاً كندف الغمام الحائر الطائر في هذا الفضاء دون زوادة أو وعد أن يعود إلى الديار مرة ثانية.
انكفأ صوتي في حنجرتي وغاص عميقاً في سديم الحيرة التي غطت عقلي ولبي. لم أقو على حمل جسدي، كومة من التشنجات المتداخلة دخلت روحي. بقيت جاثياً في مكاني أنشد الصمت اللاهب أن يكف أن يبقى صامتاً. في هذه اللحظات أيقنت أن النهر مثل الإنسان كائن غريب، لا هو من الأرض ولا هو قادم من الفضاء، إنه كائن حي ينطق ويتكلم وينام، يحيا ويموت.
وقفت حائراً, متمتماً على مضض:
ـ أعلم أنني جئتك متأخراً يا غريب، يا قرص السماء على الأرض. لم يكن الأمر بيدي. قبل بضعة ساعات جئت من رحلة مجهولة معجونة بالوجع.
لم يتكلم الخابور، لم يرد، بقي صامتاً كجلمود صخر. مددت يدي إلى جسده المشلوح على الأرض، قلت له:
ـ أعلم أنك ميت الأن يا خابور، وأن روحك وجسدك أصبحت قطع متناثرة في مكان ما من هذا العالم. لكن الدهشة لن تكف عن الولوج إلى ذاكرتي، تنشد البحث عنك مثل عصفور جريح يبحث عن فسحة ينظف جراحه.
العرق يتصبب من رأسي العاري، من أنفي وأذني وعيني ورقبتي. تركت الدموع تمتزج بالعرق وتسيل باسترخاء. كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف صباحاً. رمى المكان ثقله على صدري. نظرت إلى جسور الخابور النائمة على الضفاف الجافة اليابسة كمنحوتات نافرة لا تناسق في مواضعها. نقلت نظراتي المتعرجة على الكائن الميت الراقد تحت قدمي. شققت طريقي حائراً لا أعرف إلى أين تقودني قدماي.
كنت في وسط المسافة ما بين الجسرين لا أصدق عيني وعقلي ما حدث. رأيت الأشجار الذابلة والزل والصفصاف الميت، الأعشاب الجافة والأشواك النابتة على الحواف والأطراف. قلت في نفسي:
ثمة تغيرات كبيرة حدثت في هذه المنعطفات الجافة التي غزت المكان. مشيت في حضن الكائن الميت مسافة طويلة مدوناً الاختزانات الثقيلة في ذاكرتي. ضربت قدمي في الأرض اليابسة، رأيت صورة أبي في القارب يلقي الشباك في الماء، وجهه الشاحب وفي مواضع الوحشة، عيناه تائهتان تبحثان عن الأسماك، والنهر يأخذ القارب إلى وسطه أو أطرافه، في عالم متنقل ودائم الجريان.
عندما رفعت رأسي رأيته قد تلاشى، لم يتبق منه الآن إلا الوهم، رحت أهذر وأتوه
ـ لماذا تلتقط الذاكرة العجوز الصور الثابتة ما دام كل شيء يهيم على وجهه، يركض دون استئذان أو توقف . الهواء الجاف يعبر بحرارته اللاسعة بالقرب من وجهي.
هنا على تلك الضفة اليسرى التقينا وسرحنا، تحت ظلال أشجار الكينا والزيتون والتين والتفاح، وإلى جوار الكروم المسترخية بالقرب من ضفاف الخابور.
تحت ظلال شجرة التوت تعانقنا أول عناق، وقبلنا بعضنا أول قبلة. لعبنا وشربنا وركضنا بين بساتين الشمام ودوار الشمس واليقطين. نمنا في حضن الماء وتعّرينا وغصنا في بعضنا، اكتشفنا أسرار الحياة في كلينا في لحظة انبهاق أشعة الشمس من مكمنها. في تلك البقعة السمراء، تحت ظل شجرة السرو تعرت سمراء من ثيابها، بان جسدها الصلب العاري الجميل, سابحًا بجماله تحت سقف السماء. شالها الابيض كان نائمًا إلى جانبها، يلوح، تهزه النسائم الرقيقة. كنت إلى جانبها منتصب القامة بثقة أمام قامتها الوتد كالوتد، فتحت ذراعي لأحملها كفراشة ملونة، لأنقلها فوق زهري وفرحي. تابعت أدراجي مثل رياح عابرة داخل مجرى الخابور الجاف، مشيعاً نظراتي المكسورة على حواف النهر. رأيت بعض الأشجار العارية تماماً من الورق، متعبة، حزينة. سمعت صوت أنينها يملأ الفضاء، تلوح لي تريد البقاء تريد الماء، لتشرب ما تبقى من بعض الذرات الباقية في الأعماق السحيقة من المكان. رفرف قلبي كطفل صغير لا يقوى على حمل جسده. قلت: ـ مات الخابور العظيم، النهر الصبور، الحلم الذي مكث بيننا ورحل إلى الزمن الأخر.
تابعت سيري صامتاً نحو الشمال الميت كأي طائر غريب تخلف عن سربه لا يدري إلى أين يتجه. في داخلي شغف ودهشة وتساؤل مملوء بالغموض:
ـ أين الخابور، إلى أين رحل؟
لم يكن لدي إجابة تشفي غليلي. جاءني صوت غامض يقول لي:
ألا ترى أنه ميت، كف عن الشكوى والنحيب، لقد استسلم للأقدار التي عبثت به. لقد انطوى على نفسه، اعتزل كباقة ورد غير مروية. الأراضي الشاسعة على جانبيه يابسة، جرداء. البيوت كئيبة متناثرة كحبات رمل مدورة. قلت:
ـ ما أغرب هذا المكان. يبدو أنني موهوم، هذا المكان لا أعرفه، لم يسبق لي أن رأيت مثل هذا الموت المشلوح في العراء، أين صوت العصافير والبلابل؟
مررت تحت جسر القطار، المكان الذي كنّا نسبح فيه، نلهو ونلعب ونسبح، نرمي بأنفسنا من فوقه وندخل في عمق الماء:
ـ أين هؤلاء الشباب والبنات، أين تلك النسوة الريفيات اللواتي كن على ضفافه يغسلن ثيابهن ويطلقن المواويل الحزينة؟ وقلت لنفسي:
ـ للجاف طبيعة خاصة، عالم الخاص، تذبل فيه خدود البنات والجمال.
في ذلك الزمن الجميل، الحقل البعيد، في تلك الأوقات، قبل أن يموت الحلم, كانت سمراء معي في لحظات توهج الخيال. كنّا نرقص ونغني بين حقول القمح والشعير وعباد الشمس. متكئين على الأفق كقدر وحقيقة. نقتات من السنابل زوادة لأزماننا الراحلة . سألتني في لحظة العري الكامل
ـ أي مكان في الأنثى يهزك، أي رؤى أو حلم؟ كانت عيني تتجه صوب الأشجار المورقة، إلى غدران النهر، إلى فيض الخصب في جسد سمراء، وجنتيها والكويكب النائم في حضن جسدها.
في ذلك الوقت دخلنا في أحشاء الغابة النضرة، جسدي فياض بالرغبة، وفي أوج لحظات الصبا والعشق واندفاعات اللهب من المنابع العميقة. اقتربت منها كموج عارم ووضعت فمي على فمها ورحنا في عناق أزلي. مضت بنا الأمواج إلى البعيد فوق سروج الخيل تحملنا على منحنياتها المتناثرة. كانت الظلال وأوراق الأشجار تحمل سرنا. عندما كنّا نتعب نقترب من الخابور، ندخل فيه نسترخي، نروض الجسد الملتهب ليعيد اللون إلى لونه. كانت الحياة والأشياء واضحة لي، غير متردد، لأنني كنت أعرف مسارات المكان ودهاليز الأرض ومسافاتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: