مقالات

زمان لما كنت في الثانوية العامة سنة 1995.

زمان لما كنت في الثانوية العامة سنة 1995.

د. محمد شحاته العمده
كان ليلة أول يوم امتحانات والليلة دي جه علينا الدور في (دراس القمح) وطبعا لو فاتنا الدور ممكن نقعد أسبوع على بال ما ندرس القمح، وده هيخلي الشمس تاكل السنابل والقمح يتفرط في الأرض، فكان لازم ندرس مهما كانت الظروف.
وبالفعل بدأت الماكينة تدرس في القمح بتاعنا من الساعة 10 بالليل لحد الساعة 4 الفجر، ومن بعد الفجر كنت بأشيل أجولة القمح من الغيط للبيت على الحمار، فضلت على الوضع ده لحد الساعة 6 ونص تقريبا ، وبعدها أخدت دش ولبست ورحت امتحان اللغة العربية في مدرسة البداري الثانوية.
ما كنتش متضايق ولا زعلان من اللي حصل رغم إني ما لحقتش أراجع وكنت مهدود من الشغل طول الليل وما نمتش.
ما كنتش زعلان علشان حصاد ودراس القمح كان موسم مهم جدا عندنا.
كل همي إن محصولنا يكون كتير لإننا تعبنا فيه طول الموسم.
ما كنتش متضايق علشان ريحة القمح والتبن ساعة الدراس كانت بتديني طاقة إيجابية عمري ما حسيت زييها من وقت ما بطلت أشارك في أعمال الزراعة.
ما كنتش متضايق علشان لما قضيت أول ساعات الصباح في الغيط وسط الخضرة والميه، الهوا والنسيم وصوت العصافير والكروان غطوا على أي شيء كان ممكن يضايقني.
ما كنتش متضايق علشان كنت شايف الفرحة في عيون كل أهل القرية اللي كانوا مبسوطين بالمحصول اللي هيجوزوا بيه عيالهم واللي هيسدوا بيه ديونهم واللي هيفضل خزين في بيوتهم طول السنة.
ما كنتش متضايق علشان شاركت في اليوم ده اللي بيعتبر يوم المكافأة لكل فلاح ومزارع تعب وشقي، وفي الآخر ربنا عوض تعبه خير.
ليه بطلنا نزرع زي زمان؟
ليه الخير بقى قليل ؟
ليه الأرض بطلت تدينا زي الأول ؟
ليه بطلت ألبس جلابية وأمسك خرزانة ؟
المدينة قتلت كتير من صفاتي وفقدت فيها كتير من الأحاسيس اللي كنت بأحسها في الصعيد وسط الزرع والغيط والميه.
المدينة خرساء بكماء صماء، حجارة بيوتها زي سكانها قاسية.
العمر مش بس هو اللي بيضيع !!! حاجات كتير قوي بتضيع ومش بترجع أهم كتير من العمر والفرص والمناصب والمال.
احساسنا بجمال الأشياء وقيمتها ومتعتنا بيها ، في رأيي أهم من الحياة نفسها.
حكاوي_العمدة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا