نصوص سردية

” رسالةُ بحر” بقلم دينا نبيل

        دينا نبيل 

 

 

 

” إليكَ .. .. تركتني ..  ..  تهشّم مركبي  … … ، لمَ ..   .. ؟

أنتَ يا  .. ..  ..  أمواج ..  .. تتقاذفُني .. … !

عُد إليّ ..   .. نخرَ البردُ عظمي  .. أصابني الصممُ ، عـــــ .. ..  !

إن لم تعُد ..  .. فأنتَ .. .. !!!

… …

…  يا من تجدُ رسالتي فقد وجدتني .. ..

أرسل .. ….  نجدةً ، اطلُبـــــــ ..   .. … …

المُخلص

.. ..  البحر “

أمسكتُها من حوافّها شبهِ الذائبة ووضعتُها أمامى على الرمال كي تجّف ، صحيح أنها كانت داخل زجاجةٍ مغلقةٍ استغرقت مني ساعتين لفتحِها، ولكنّ بحرَ الشتاءِ المتلاطم ، والماءَ القارس ربّما نفذَ إليها.

رسالةٌ غريبةٌ يلفظُها البحرُ بقوةٍ فتصطدِم بوجهي، كما لو كان يضيقُ بها ذرعاً ، وكلّت أمواجُه عن حملِها وحملِ عبءِ ما فيها.

ما العملُ الآن ؟!

من ” البحر” هذا ؟

أعرفُ أنّ كثيراً من أهلِ الإسكندرية يُلقبون أولادَهم بـــ ” البحر ” تيمناً به وطمعاً في طولِ الأجل، فمنَ المؤكدِ أنّ هذا لقبٌ لعائلةٍ هنا ، ولكن أيّهم يكون والمدينةُ بهم ملأى؟

حملتُها بعد أن جفّت تقريباً فلم يعُد الهواءُ الباردُ محتملاً ، أدخلتُها في سترتي خشيةَ أن يُصيبَها الرذاذُ المتطايرُ .. هل من الممكنِ أن تكونَ حياةُ إنسانٍ مرهونةً بتلكَ الورقةِ ؟! .

لم أدرِ أينَ أذهبُ بها .. ؟! .

 لوهلةٍ تذكرتُ قسمَ الشّرطةِ لكنني أحجمتُ خوفاً من عواقبَ لا تُحتمل ، أسرعتُ نحو عمّالِ الشاطئ أعرضُ عليهم الورقةَ لكنّ أحداً لم يُصدقني .. كيف يكتبُ إنسانٌ ورقةً وهو في عرضِ البحرِ؟ .. حتّى وإن حدث هذا ، فكيفَ تصمدُ زجاجةٌ ضعيفةٌ أمام الصخورِ والأمواجِ العاتية ؟ .. ولم تُحطمها إحدى ضواري البحرِ التي تستغلُ هياجَه لترتعَ بحُريّة .

خرجتُ إلى الشارعِ .. لابدّ أن أتصرفَ ، فالرجلُ يموتُ .

لم يأبه أحدٌ ليدي الممدودة ، أعطاني أحدُهم جنيهاً ومضى دونَ النظر إلى وجهي! .. وآخرُ يقولُ لي ” الله يسهل لك! ” ، جريتُ وراءه ، جذبتُه .. ” ثمّة رجلٍ يموتُ في عرضِ البحرِ وأرسلَ رسالةً يستغيثُ ” ، نظرَ إليها نظرةً خاطفةً ، وتأمّلني قليلاً في صمتٍ ثم رحل .

ذهبتُ إلى محطةِ الحافلاتِ .. مُكتظة كالعادة بكتلٍ متلاحمةٍ اتقاءَ المطرَ والصقيعَ ، صرختُ بأعلى صوتي .. ”  ساعدُوني ! .. هناكَ رجلٌ يغرقُ في عرض البحر! “.

 انتبهوا إليّ من فورهم، فما إن أخرجتُ لهم الرسالةَ حتى بدأوا بالتهكمِ والضحكِ ، وعندما لاحت الحافلةُ من بعيدٍ .. تدافعتني أمواجُ اللحمِ ولفظتني خارجَ تيارها .

سقطتُ على الأرض .. لا شيء أشدّ إيلاماً من الارتطامِ برصيفٍ خرساني متجمدٍ يبعث ذبذباتِه الكهربائيةَ في خلاياي ليصيبني بالخدر . لملمتُ أطرافي وشددتُ سُترتي عليّ مقاوماً هواء يَخِزُ عظامي .

لم يكُن هناك من يكترثُ لندائي.

لم يعُد هناك أحدٌ من البشرِ .. وحدُها مظلاتٌ ملونةٌ براقةٌ ، نبتت لها أرجلٌ طويلةٌ تعدو هنا وهناك ، وسياراتٌ ترشرشُ نوافيرَ وتطلقُ نفيراً يتابعُ أصداءَ الرعدِ الذي بدأَ منذُ قليل.

توجهتُ مجدداً نحو الشّاطئ .. كان خالياً من كلّ شيءٍ عدا أعشاشٍ متناثرةٍ تستندُ إليها بعضُ قواربِ الصّيدِ القديمة .. أخذتُ أقلبها .. أغلبُها هزيلٌ متفسخٌ ، ولكنني تخيرتُ أفضلَها حالاً ، ورحتُ أسحبُه على الرمال .

الرمالُ بيضاءُ صلبةٌ ، والقاربُ فوقها يخطّ خطاً طويلاً عميقاً لم يلبث أن امتلأ بماءِ السّيول .. حتى انتهيتُ إلى البحر .. لابدّ من الإسراع ، فالرجلُ يموت!

لا تخفْ شيئاً يا ” بحر” .. أو أياً كان اسمك .. أنا آتٍ إليك!

البحرُ هائجٌ .. تتلاحقُ الأمواجُ بعنفٍ يلتهمُ بعضُها بعضاً .. تنتفخُ وتتعملقُ ثم تتكسرُ على حافةِ الشّاطئ .

الشّاطئُ يتضاءلُ .. يتآكلُ .. والبحرُ يزحفُ نحوي .. تزحفُ ألسنتُه الباردةُ تلعقُ قدميّ .. تطوّقُهما .. تتلقفُ قاربي، تشدّه وتحملُه على أكفّها إلى مائها الرمادي الحالك .

ثوانٍ وعادَ وميضُ السماءِ على حين غرةٍ يخطفُ بصري، أعقبه هزيمٌ أحسستُ له رجرجةً في البحرِ .. والبحرُ من تحتي يفورُ ويهدرُ مُزمجراً . اهتزّ الأفقُ البعيدُ .. رويداً يتلاشى الحدُّ الفاصلُ بين السماء والبحر.. ينبضُ .. يتنفسُ ، ويبتلعُ الاثنين معاً ..

راحت عيناي تدوران في الأرجاءِ علّني أعثر على صاحبِ الرسالة .. ناديتُ .. ” يا بحر .. أين أنت ؟! ” .. السماءُ والبحرُ يتبادلان الشهيقَ والزفيرَ، يشتتان ندائي .. والهواءُ يأبى إلا أن يمزّقَ صوتي .. يبدّده .. فلم أتمكن من سماعِ صوتي !.

الأمواجُ تدفعُ بقاربي، القاربُ ينتفخ إثر تسرب الماء إليه .. غدا أثقلَ، معبأً بالماء والطحالب .. ملابسي التصقت عليّ وتملكني وخزٌ ينشرُ جسدي .. أخذت ألفُّ حول نفسي كإبرة بوصلةٍ هائمةٍ ، حسبتُ نفسي أسبحُ فوق مصفاةِ الكونِ العظمى أدورُ وسط دوامةٍ لشفط ماءَ البحر بأكمله ..

عندها سلّمتُ أنّه لا وجودَ للمدعو ” البحر ” .. ويجب عليّ الخروجُ من تلك الدوامة .

ولكن تراءى لي طوافٌ خشبيٌ هزيلٌ ، ووصلَ إلى سمعي صوتٌ متكسرٌ يبدأُ عالياً ثم يذوبُ بعيداً ربّما هي كلمة ” النجدة ” أو كما خُيّل إليّ .

لم أنتبه لقممِ الموجِ المتصاعدةِ على المدى .. أمواج ذاتَ بطونٍ .. مغاراتٍ .. زرقاءَ حالكةٍ .. سوداءَ .. يصهلُ زبدُها كخيلٍ بيضٍ فائرةٍ تهبطُ مسرعةً نحوي تصلصلُ في معركةٍ لن تكتبَ قطّ .. القممُ تتعملقُ .. تصنعُ رأساً ينفخُني .. ثم ما يلبثُ يسحبُني حتى كاد يبتلعني بطنُه .. تلفّتُ حولي لم أجد الطواف .. ولم أجد بحراً !

صرختُ بكل ما بقي في من قوّة .. ” أين أنت يا ” بحر”.. ! “

….

بينما كان البحر يلفه من كل جانب !.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: