مقالات فكرية

ذات يوم بقلم سيد الوكيل

سيد الوكيل 

 

ذات يوم كنت أجلس في إدارة النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة، ووجدت كتابا مهملا بين كومة من الأوراق والكتب القديمة، الكتاب طبعة خاصة، فقيرة ومحدودة، لا غلاف بالمعنى المعروف، فقط اسم الرواية واسم كاتبها على ورق رديء: شحاته عزيز جرجس. كنت اسمع عنه ولم اقرأ له بعد، ربما لأنني لم أعثر على كتاب واحد له. أدهشني ماقرأت من جمال ومتعة. فسألت نفسي كيف يمكن أن يعيش رجل مثله ويكتب كل هذا الجمال ثم يموت. وكيف يكون لدي هذه الوقاحة لأزعم أنني ناقد وأنا لا أعرف عنه اي شيء؟ وكيف يطمئن نقادنا الأشاوس إلى الهري الذي يملؤون به صفحات الجرائد والمجلات عن أصدقائهم ومعارفهم، ويزينون حفلات التوقيع التي لا تخدم سوى الناشر؟ كيف ينحصر النقد في متابعات عابرة تراهن على كل إصدار جديد، وتتكلم بثقة عن التجديد والتميز؟

ترى كم من كتاب القصة المميزين الذي عاشوا وماتوا ولم نقرأ لهم، ولا نجد لهم تراثا ملموسا من الكتب تدل على أنهم عاشوا وكتبوا في زمن ما. في الوقت الذي مكنت فيه الكتابة الرقمية كل وأي شخص يزعم أنه كاتب، من أن يحظى بقدر من الانتشار والوجود الدائم، وربما الخلود لأطول زمن ممكن.

الحل إذن في الكتابة الرقمية، التي اعتبرها بداية لتاريخ ثقافي سيكون أكثر صخبا وثراء من تاريخ الكتابة الورقية، وربما أطول عمرا. أن نعيد تدوين تاريخ القصة إليكترونيا، لكن هذا أمرا يحتاج مؤسسة ثقافية كبرى لتنجزه. ولكن إلى متى سنظل في حاجة إلى المؤسسات فيما يستطيع كل شخص أن يكون مؤسسة في حد ذاته؟

هكذا كانت فكرتي عندما انشأت هذا الموقع أن يكون ذاكرة رقمية للقصة القصيرة. في البداية كان مجرد مدونة، تختص بتدوين أرشيفي لكتاب القصة المصرية خلال القرن الماضي دون أي تمييز. فليس مهمتنا تقييم أحد، لنترك هذا للقراء والتاريخ. وكانت شروطنا بسيطة جدا ، هي أن يساهم الأدباء والنقاد معنا بجمع نماذج من أعمال واحد من كتّاب القصة الذين لا نجد لهم وجودا على الإنترنت. أما المتوفرون أمثال تيمور وحقي وإدريس وغيرهم، فأنا كفيل بهم.

عرضت فكرة الملفات على بعض الأصدقاء في الأقاليم المختلفة التي طالما عانت من التهميش قبل ظهور الإنترنت الذي هدم الحدود بين المركز والهامش. سجلوا تاريخ القصة في محافظاتكم. ماذا عن فؤاد حجازي، ومحمد الراوي، وسمير ندا، وحسين خليفة، وقاسم مسعد عليوة، أحمد حميدة، سعيد بكر.. وآخرين لا يمكنكم تجاهل دورهم في حياتكم.

الوحيد الذي استجاب هو الصديق سمير الفيل وقدم ملفا عن أدباء دمياط… أما نور صلاح هذه الرائعة، فقد سلكت دروبا مختلفة لدعم الموقع، أعرفها وأقدرهاـ على الرغم من أنني لم أنشر لها معزة لكل مواطن ههههه.

ولكن المؤسف أنني لم أجد استعدادا من النقاد لدعم الموقع بشيء، إنهم ينشرون في الدوحة، والحياة اللندنية، والشارقة، والأهرام.. وعالم الكتاب، وأي نشر ورقي كان، وكأنهم يعتبرون النشر الإليكتروني أمرا لا يليق بهم. لهذا فأنا أقدر كثيرا حرص الدكتورة أماني فؤاد على أن تهدي مقالاتها التي تنشرها في المصري اليوم إلى الموقع.

فكرت أن الشباب قد يتفهمون هذا أكثر من القدامي وحساباتهم الملوثة بتاريخ من المعاناة والتمهيش والصراعات فيما بينهم.. حاولت ضم بعض الشباب إلى إدارة الموقع لكنهم لم يختلفوا كثيرا عن الآخرين.. لا أحد مستعد أن يعطى شيئا من أجل التاريخ، والوطن، والثقافة وكل هذا الهراء الذي أفكر فيه…

لا أحد مستعد أن يقدم شيئا ولو فائضا عن الحاجة.. كم أنا ساذج وأضيع عمرى هباء من أجل مثاليات جوفاء. بكل صراحة، كنت أنوى إغلاق هذا الموقع. وأعود إلى أعمالي غير المكتملة، روايات وكتب تنتظر مني أن اتفرغ لها لا أكثر. وقبل اليأس بخطوة ظهرت مرفت يس.

في بضع أسابيع، أصبح للموقع طابع جديد وحيوي، نجحت في جلب كتاب جدد من جيلها راغبين وقادرين على التفاعل مع الموقع، ونجحت وحدها في إنجاز أكثر من ملف: محمد مستجاب ـ يوسف إدريس، لطيفة الزيات.. وكان ملف نجيب محفوظ بمثابة التحدي لنا. ليس لقميته وقيمة محفوظ نفسه، ولكن لأمر طرأ قبيل النشر بيومين فقط. لقد غير ( وورد برس) كل نظام النشر بالموقع. وكان علينا أن نستوعب النظام الجديد بأسرع ما يمكن، ونحل كل رموزه المعقدة. لكن نجاحنا في هذا التحدي، أعاد في نفسي الأمل.. والتفكير في نسق جديد وتطوير أبعد مما نحن عليه. يحقق قدرا من الانتشار القرائي والنقدي للقصة القصيرة وكتابها الجدد والقدامى معا.

تلك شهادتي على قصة موقع القصة، ولتكن مجروحة ولا يهمني هههههههههه ، لكن لا يمكنني أن أنهيها بدون الإشادة بدور الشاعرة العراقية سعاد العتابي، التي عرضت علىّ استبدال المدونة المحدودة بموقع أكثر إمكانية. ولولا هذا لظل مدونة شخصية، لا يمكنها أن تتطور لأكثر من ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: