مقالات فكرية

د.محمد سيد عيد يكتب: موت شارون بين الحكم الطبى والأخلاقى والقضائى

د. محمد سيد عيد 

تعتبر قضية موت أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إكلينيكيا لمدة ثمان سنوات (من 2006-2014) من بين القضايا التي يتناولها مبحث الأخلاق الطبية. فالإشكالية التي يمكن أن تطرح في هذا المبحث هي لماذا نترك إنسان يتألم طالما أن ثمة بديل لراحته؟

من الناحية الأخلاقية ، إذا كانت غاية الفعل هي الخير والعدالة ، فإن تلك الغاية لن تتحقق إذا استيقظ شارون مرة أخرى. إذن فما هو الخير في هذه الحالة ؟ أن نقضى عليه ونريح العالم من شروره أم أن نتركه يتعذب بما أقترفه من إثم طوال حياته ويكون ذلك شر انتقام ! الحقيقة أن الحكم الطبي لم يكن يستهدف الحياة الخيرة بقدر ما يستهدف الحياة وحدها بغض النظر عن كونها خيرة أم شريرة ، ومن ثم فعلينا أن نغير وجهة النظر إلى نوع هذا الخير أو أن ننظر إليه نظرة أخرى مغايره وفقا لقوانين الحياة وليس لقوانين الأخلاق الضيقة المحدودة في الغاية والوسيلة.

فثمة ما يعرف بالقتل الرحيم Euthanasia (الذى يتمثل في التعمد في وفاة المريض سواء بموافقة الشخص أو المريض بإعطائه حقن الباربتورات مركبا مع المرخي العضلي العصبي ويؤدى إلى وفاة المريض)  ، الذي يمكن من خلاله الحكم على شارون بالموت وذلك بهدف تخليصه من الآلام. حيث أنه قد توقف عمل كل أجهزة جسمه تقريبا ما عدا القلب .فقد ضجر منه كل من يعمل بالمستشفى التي كان يمكث بها بسبب الرائحة الكريهة التي تنبعث منه ومن حجرته.

فالقتل الرحيم  ينقسم بحسب موافقة المريض إلى أقسام وأصناف:

  • قتل رحيم طوعي: وهو قانوني في بلجيكا ولوكسمبرج وهولندا وسويسرا وبعض الولايات المتحدة الأمريكية.وهو يحدث بطلب من المريض للطبيب بالوفاة وغالبا ما يستخدم مصطلح الانتحار بدلا من الموت.
  • قتل رحيم غير طوعي: وهو يحدث عندما تكون موافقة المريض غير متوفرة. وهذا مثل القتل الرحيم للأطفال في حدود معينة وفي ظروف معينة وذلك نجده في قوانين هولندا.
  • قتل رحيم قسري: وهو ما يجرى ضد إرادة المريض. ونجده على سبيل المثال في هولندا وبلجيكا ، حيث يتم القتل الرحيم من خلال الطبيب ولا يتم ملاحقته قضائيا ولا يعاقب طالما أنه أستوفى بعض الاستثناءات القانونية المعينة. (http://ar.wikipedia.org/wiki/قتل_ رحيم)

أما بالنسبة للحكم القضائي وهو فيما يتعلق بتحقيق غاية العدالة ، فهو مشروع رهانه الإصداع الى كلمة العدالة. فى مقابل الحكم الطبي الذى هو مشروع علاجي. إن ميثاق العلاج يجمع في نفس الخصومة الطبيب ومريضه. ومن الجهة القضائية قرار يفصل بين المتخاصمين معينا أحدهما كمذنب والآخر كضحية. إن الحكم يضع حدا للمحاكمة في حرم المحكمة. لأن شيئا ما قد انتهى ، والعدالة قالت كلمتها.

ولكن المسألة في الموت الرحيم –على سبيل المثال- إذا ما اتخذناه في هولندا أو بلجيكا فالطبيب ينفذ فقط في حدود استثنائية من القانون. هنا القرار للحكم الطبي وليس القضائي ؛ لأن الحكم القضائي يتراجع أمام الحكم الطبي، فهو المقرر الأول والأخير هو صاحب الرأي فهم أهل الاختصاص والقاضي يجب في الأساس أن يصل عبر القرار الطبي. ومن ثم لا يلاحق الطبيب قضائيا في الموت الرحيم. فهي رغبة من المريض. كذلك الأم بناء على رغبتها يضحى الطبيب بجنينها عندما يشكل خطرا لحياتها.

بيد أننا في أمر إشكالية شارون لم نكن أمام محكمة حتى نقرر ماذا نفعل. فلم يعرض هذ الأمر على محكمة لتقرر حياته من وفاته. الذي يقرر هنا هو الطبيب وربما الشعب الإسرائيلي الذي يتمسك بحياة هذه الشخصية الوطنية المخلصة في الدفاع عن وطنها –من وجهة نظر الشعب الإسرائيلي- في المطالبة بأن يظل على قيد الحياة. وربما هنا الحكم قد يكون سياسيًا. فنزع الأجهزة عنه في فترة مبكرة قد يمثل جريمة قتل سياسية للأخذ بالانتقام أو الثأر من كل المجازر الوحشية التي قام بها طوال حياته. إن الحكم هنا ليس هو انتقام ولا ثأر ولكنه حكم طبى. فلن يلاحق القانون الطبيب إذا كان قد نزع الأجهزة عن شارون منذ عام 2006.ولن يلاحق القانون الطبيب إذا لم ينزع الأجهزة وتركه ميتا ثمان سنوات. فأين تمكث العدالة في أي منهما؟ فهل كان من العدالة أن نقتل شارون قتلا رحيما منذ 2006 أم أن ننتظر إلى 2014؟ أم أن نحاكم الطبيب الذي اتخذ الحكم الطبي ببقائه ثمان سنوات؟ أم أن نعطى له جائزة لأنه جعل العالم يرى آية من آيات المولى عز وجل وعبرة لمن يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟!!.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arالعربية

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: