مقالات نقديةنقد أدبي

خديجة السويدي تكتب: البنية الأولية للدلالة في رواية “حجر السرائر” لنبيل سليمان قراءة في العتبات بقلم  

 خــديجة السويدي – المغرب

 

 مقدمة أولى: في عتبة العنوان

    يفرض علينا العبور إلى فضاء النص الروائي الوقوف أولاً عند العنوان باعتباره أول دالٍّ لغوي ورمزي يستقبله القارئ بصرياً، وأول ما يشوش فكره ويدفعه إلى التساؤل عن دلالاته وأبعاده، وعن مدى إحالته على محتوى النص، فهو العتبة الأولى التي توصل إلى المعنى، وتفتح أفق انتظار القارئ ليتسلم زمام التأويل قبل الولوج إلى أغوار النص العميقة. ومن ما يحيل بطريقة مباشرة على مضمون النص الروائي، ومنها ما يحيل بطريقة غير مباشرة، مجازية واستعارية، تستدعي قراءة النص قراءة متمعنة تتيح فهم الخارج (العنوان) انطلاقا من الداخل (النص). فكيف تبدّى كل ذلك في رواية نبيل سليمان (حجر السرائر)*؟

  اختار الكاتب لعنوان روايته دليلاً لغوياً مركباً من دليلين لغويين هما: “حجر” و “السرائر”، تجمع بينهما -تركيبياً- علاقة إضافة، والإضافة في اللغة تفيد التعريف والتحديد والتعيين. ومن أجل أن نسهل عملية تحليلنا لعنوان الرواية سنقوم بتفكيك الدليل اللغوي المركب إلى دليلين جزئيين، أي إننا سنعيدهما إلى أصلهما قبل أن تتم عملية هد

نبيل سليمان

مهما وتطويرهما إلى استعارة.

   نبدأ تحليلنا من الدليل الجزئي “حجر” الذي يعني في القاموس “الصخرة الصغيرة التي هي عبارة عن مادة صلبة تُتخذ من الجبال[1]“، و”الجمع في القلة أحجار، وفي الكثرة حجار وحجارة”[2]، ومن سماته: ]+جماد[ ]+مادة[ ]+قسوة[ ]+صلابة[ ]+ثبات[، أما موسوعياً فقد ارتبط الحجر بما هو روحاني ليكتسب سمات جديدة من قبيل:]+كريم[ ]+نفيس[ ]+ثمين[ ]+قدرة[ ]+علاج[ ]+شفاء[. أما الدليل الجزئي “السرائر” فهي جمع سريرة، والسريرة كالسر تعني في القاموس “الأسرار التي تكتم، وعمل السر من خير أو شر”[3]، ويقال “أسررت الشيء بمعنى أخفيته”[4]، ومن سماتها: ]+معنوي[ ]+خفي[ ]+مكتوم[ ]+سري[ ]+مهم [، ويقال أيضا أسررته بمعنى أظهرته وأعلنته، والوجهان معاً متضمنان في قول الله تعالى في سورة يونس الآية 54: »وأسرّوا الندامة لما رأوا العذاب«. أما موسوعياً فقد ارتبطت السرائر بالقلوب لأنها وعاؤها ولأن “السر اسم لما يكتم ويخفى في القلوب من العقائد والنيات والأقوال وغيرها”[5].

   وما يهمنا من كل هذه المعطيات، هو أن الدليل الجزئي “حجر” والدليل الجزئي “السريرة” يلتقيان في سمة الكتمان. وبما أن للحجر موسوعياً القدرة على الشفاء فله القدرة أيضاً على كتم الأسرار وحفظها، على عكس الإنسان العاقل الذي قد يضعف عن كتمان أسرار خطيرة إذا غلب عليه ضعفه البشري أو الإيماني، فيفشي ما ائتمن عليه من أسرار. يقول أبو حاتم محمد بن حِبان التميمي البُستي: “من حصّن بالكتمان سِره تمّ له تدبيره، وكان له الظفر بما يريد، والسلامة من العيب والضرر، وإن أخطأه التمكن والظفر، والحازم يجعل سره في وعاء، ويكتمه عن كل مستودع، فإن اضطره الأمر وغلبه، أودعه العاقل الناصح له، لأن السر أمانة، وإفشاؤه خيانة، والقلب له وعاؤه، فمن الأوعية ما يضيق بما يُودَعُ، ومنها ما يتسع لما اسْتُوْدِع”[6]. لكن هذا الكتمان الذي يتسم به الحجر، وتتسم به السريرة سيتحول إلى إعلان وإظهار عند استحضارنا لدلالة “التعريف بالإضافة” الذي ذكرناه سابقا، والذي يفيد التعيين والتحديد والتخصيص. وبذلك فإن إضافة الكلمة النكرة “حجر” إلى الكلمة المعرفة “السرائر” حوّلها من كلمة نكرة غير محددة وغير معرّفة إلى كلمة معرّفة ومحددة ومعينة، مما يعني أننا سننتقل مع هذا التحول الذي طال كلمة “حجر” النكرة من الكتمان والإخفاء إلى المعنى النقيض والمتمثل في الفضح والتعرية، أي فضح وتعرية الأسرار أو الخبايا المكتومة والمسكوت عنها. وهذا ما أشرت عليه نهاية الرواية التي اتخذ الكاتب من آخر كلمتين انتهت بهما (حجر السرائر) بداية لها، وكأن الكاتب ضمّن الحجر أسراراً ثمينة بين ضفتي غلاف راويته عن التحول الذي طال المجتمع السوري الذي اتخذت منه الرواية فضاء عاماً لأحداثها، ليدفع القارئ إلى الإقبال على نصه الروائي بنشاط.

   إن تعريف كلمة (حجر) بإضافتها إلى كلمة معرفة (السرائر) قد  أفاد التحول، وهو يؤشر في الرواية على عدم الاستقرار والقلق والخوف الذي تعيشه شخصيات الرواية ويعيشه المجتمع السوري مجهول المصير نتيجة الاستبداد السياسي، ومن ثمة فإن الرواية تنشد الثبات والاستقرار.

   نستشف من كل ما قلناه مقولة سيمية (أو محور دلالي) جامعة لسيمتين متضادتين هما الإخفاء والإظهار، تتمثل في الوجود (س) واللاوجود (سَ)، ونمثل لها بالمربع السيميائي الآتي

     يتبين من خلال المربع السيميائي المستنبط من العنوان أن الإخفاء يتواجد على المحور السلبي (س2′ و س2)، أما الإظهار فيتواجد على المحور الإيجابي (س1′ و س1)، وبذلك فإن نفي الإظهار إثبات للإخفاء، ونفي الإخفاء إثبات للإظهار. من ثمة فإن إثبات الإخفاء إثبات للكتمان ومن ثمة للسريرة، وإثبات الإظهار إثبات للاكتمان ومن ثمة تحرير للسريرة وفضح للمستور والمخبوء والمسكوت عنه.

     عند هذا الحد يمكننا طرح التساؤل التالي: ما المكتوم أو المسكوت عنه الذي يحاول الروائي فضحه وتعريته والبوح به؟

مقدمة ثانية: في عتبة الإهداء:

يثير نبيل سليمان، ربما للمرة الأولى في الرواية العربية، مسألة أن تُهدي رواية إلى شخصية روائية في رواية أخرى. فقد أهدى (حجر السرائر) إلى ونسة نوري وحورية المرهج.

أما الأولى فهي شخصية محورية في رواية نبيل سليمان (درج الليل درج النهار – 2005)، وتنتمي إلى الطائفة الإيزيدية (الكردية) التي نالها من التكفير ما نالها، وآخره ما فعل بها (داعش) من قتل رجالها واسترقاق وسبي نسائها وبيعهن في السوق الداعشي للنخاسة. ومن رواية نبيل سليمان (أطياف العرش – 1995) جاءت إلى الإهداء في (حجر السرائر) شخصية حورية المرهج التي تنتمي إلى (الطائفة المرشدية) التي نالها من التكفير أيضاً ما نالها، منذ قامت في سوريا مطلع القرن العشرين.

جاء الإهداء في (حجر السرائر) في العبارة التالية:» إلى ونسة نوري وحورية المرهج من أجل حرية الاعتقاد  «(ص5) موضحاً لغموض العنوان وموجّهاً للقراءة. فالإهداء باعتباره أحد المصاحبات اللفظية الداعمة للنص “يعطي انطباعا مهماً عن العمل الإبداعي، ويكشف كثيراً من الغموض المحيط به، لاحتوائه على علامات ودلالات ترتبط بالنص وتتواشج معه على نحو يتفاوت من إهداء إلى آخر، كما يسهم في إنتاج دلالات النص وتكوين معناه”[7]، وبذلك يكون الكاتب باعتماده العبارة التالية المكونة للشق الثاني من الإهداء “من أجل حرية الاعتقاد” قد بين أن المكتوم والمسكوت عنه هو الحرية عامة وحرية الاعتقاد خاصة المصادرتين. ومادامت الحرية في معناها العام تعني مسؤولية الفرد في تحديد مصيره وتحقيق اختياراته، فإنها تعتبر حجراً ثميناً ونفيساً وكريماً، بل وأساساً، لكن مصادرة هذه الحرية سيجعل منه حجر الأسرار المكتومة التي لا يمكن البوح بها في مجتمع احتجزت حريته.

   يتضح إذن أن الكاتب في روايته الموسومة بـ “حجر السرائر”، يحاول تعرية وفضح ما تم السكوت عنه والكتم عليه، ألا وهو الحرية المصادرة.

  يمكننا أيضا من خلال هذا الإهداء استنباط مقولة سيمية (أو محور دلالي) جامعة لسيمتين متضادتين هما الحرية والعبودية، تتمثل في مقولة الوجود واللاوجود ونمثل لها بالمربع الآتي:

    يتبين من خلال هذا المربع السيميائي المفصل للبنية الدلالية المتمثلة  في الوجود واللاوجود، أن الحرية تتموضع على المحور الإيجابي (س1′ و س1)، أما العبودية فتتموضع على المحور السلبي (س2′ و س2)، وبذلك فإن نفي الحرية المؤدي إلى فقدانها إثبات للعبودية، ونفي العبودية المؤدي إلى امتلاك الحرية إثبات للحرية، ونقصد بالعبودية هنا تجريد الإنسان من أبسط حقوقه كالحق في التعبير والاختيار وإبداء الرأي والاعتقاد الديني والسياسي.

 البنية الأولية للدلالة في الرواية:

   تنبني رواية نبيل سليمان “حجر السرائر” في مستواها العميق على بنيتين عميقتين تنبثق إحداهما عن الأخرى، تتعلق الأولى ببنية الإظهار والإخفاء المنبثقة عن المقولة السيمية المتمثلة في الكتمان واللاكتمان، وتتعلق الثانية ببنية الحرية والعبودية المنبثقة عن المقولة السيمية المتمثلة في الوجود واللاوجود، وهما ما مّثلنا لهما بالمربع السيميائي في تحليلنا في المقدمتين (الضافيتين) للعنوان والإهداء.

  1. بنية الإظهار والإخفاء

   عملت رواية “حجر السرائر” باعتمادها على ساردين: سارد عليم غير مشخص وغير ممثل، وسارد ممثل هو شخصية من شخصياتها (رباح مثلاً) قادر على النفاذ إلى الدواخل للإمساك بعمق النفس البشرية للكشف عن واقع إنساني عمته الفوضى، نتيجة جنون السلطة الذي أصاب القادة السياسيين والجنرالات، والذي أدى بهم إلى إيثار مصالحهم الخاصة على حساب مصالح الوطن المتمثل في سوريا، ومن ثمة إلى حدوث سلسلة من الاغتيالات السياسية الناتجة عن الانقلابات العسكرية.

   يرتبط السرد زمنيا بمرحلة من أصعب المراحل التاريخية التي عرفتها سوريا منذ خروج المستعمر الفرنسي، أي منذ حصولها على الاستقلال (1945)، والتي شهدت نزاعا دمويا على السلطة والحكم. إن الرواية بغوصها في نبش سجلات ذاكرة الأحداث التي شهدتها سوريا والكشف عن الأسباب المعلنة والخفية، الظاهرة والمخفية الكامنة خلف الصراعات السياسية، تنتقد الواقع الذي آلت إليه الأوضاع السورية على جميع المستويات: السياسية والحزبية والدينية والعقائدية والحقوقية والقانونية والاجتماعية، وهذا الانتقاد واضح وجلي في عنوان المجلة الحقوقية التي وقعت عليها عيني الأستاذ رمزي الكهرمان الملقب بـ “أبو الدستور” الحاملة للعنوان الآتي:» مجلة حقوقية بوليسية انتقادية روائية فكاهية تبحث في علم الحقوق والشؤون العدلية والحوادث القضائية (ص10) «وفي عنوان المذكرة التي كان بصدد كتابتها والمتمحور موضوعها حول »الخصومة والجريمة. الخصومة السياسية والجريمة السياسية في القانون (ص5) « لكأن الرواية تفصح منذ البداية للقارئ عن طبيعة الفضاء الذي ستجري فيه الأحداث وستتحرك فيه الشخصيات.

   لقد جعل المحامي عبد الواسع من قضية قتل/ اغتيال أخيه المحامي “رمزي الكهرمان” الملقب بـ “أبو الدستور” قضية سياسية جماعية، بل رمزاً للدستور السوري الذي سرى فيه السم كما سرى في جسد الأستاذ رمزي، حتى لم ينفع معه أي دواء، كما صار محط تلاعب السياسيين ومصدر إفلاتهم من المحاكمة والمحاسبة. والرواية بتحويلها لجريمة شخصية إلى جريمة جماعية، أي من قتل زوجة (درة حفظي) لزوجها (المحامي رمزي الكهرمان) إلى اغتيال سياسي، ومن ثمة إلى جريمة سياسية، يجعل منها رواية سياسية بامتياز.

   تناوب على سرد أحداث (حجر السرائر) ساردان: سارد ضمني غير مشارك في الأحداث، وسارد مشارك فيها. الأول سارد عليم يعرف ما يدور في دواخل الشخصيات من أفكار وأحاسيس، والثاني شخصية من شخصيات الرواية وشاهد من شواهدها، وصحفي شمام – كما يصفه السارد وكما يصف هو نفسه – عمله كشف الأسرار وإضاءة الزوايا المظلمة التي غفل السارد العليم عن إضاءتها والإحاطة بها، ومصور يصور بمصورته نفسه بعين كاشفة لعمق سريرته المرتبطة بحياته الشخصية والنفسية والعاطفية والمهنية، ولعمق النشأة الاجتماعية والسياسية والعسكرية لكل من بدر الدين أتماز في علاقة بأخيه عطاء الدين أتماز المنتمي لتنظيم الإخوان المسلمين، وسنان عبد المنعم في علاقته  بأبيه وبابن خاله غزال حاج تميم شريك والده في التجارة، وعبد الواسع الكهرمان في علاقته بالصحفي الذي هو نفسه رباح المصور للمحامي عبد الواسع الكهرمان بمصورته التي أضاءت جانباً من شخصيته، وكشفت عن مواقفه الشخصية من الكفاح الهادف إلى تحقيق الوحدة السورية كما أضاءت جانباً من الاغتيالات السياسية التي طالت أخاه الأستاذ رمزي الكهرمان وقادة الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، ومن الجريمة السياسية التي اعتبرتها الديكتاتورية من أكبر وأخطر الجرائم السياسية التي ينظر فيها المجرم السياسي لعدو النظام والحكم على أنه عدو للشعب، وعن موقفه من التطرف الديني.

   تتمظهر بنية الإظهار جلياً في رواية “حجر السرائر” من خلال المساحات التي يتركها السارد العليم المتحدث بضمير الغائب للشخصيات الرئيسة والثانوية للتحدث بنفسها عن نفسها، عن أحلامها وأمانيها وتطلعاتها، وذلك بغية الكشف عمّا تضمره في قرارة نفسها من شر أو خير اتجاه نفسها أو غيرها، فدرّة حفظي، مثلاً، ما كان لأحد أن يعلم ما تضمره من شر اتجاه زوجها رمزي الكهرمان لولا الحوار الذي دار بينها وبين ابن عمها الخائن للزوج وللوطن، وما كان لابن عمها أن يعلم برغبتها في قتل زوجها لولا إفصاحها له، وعن ذلك يقول السارد: »للمرة الأولى يطرق اسم الأستاذ رمزي سمعها منذ جهرت بالتخلص منه أمام مرآة الخزانة وأمام خطيب (ص9) « وما كان لأحدٍ أن يعلم بأن “المقدم حسني الزعيم” كان يتطلع للإطاحة برئيس الجمهورية وحكم سوريا غير درة حفظي التي أفصح لها عن سره وما يتطلع إليه حين خاطبها وهو سجين مثلها:» اسمعي يا درة حفظي: عندما أحكم سوريا، سأعفو عنك، أقسم بشرفي العسكري« (ص14). وإذا كان إظهار المكنون متوقفاً على الإفصاح، فإن معظم شخصيات الرواية تظهر مكنوناتها عن طريق تحويلها من فكرة مجردة قابعة في الذهن إلى فكرة واقعية مصرح بها ومعلن عنها، أي إنها تنتقل بأفكارها من مرحلة التفكير فيها سراً، بينها وبين نفسها، إلى مرحلة التنفيذ والتطبيق واضعة بذلك الكل أمام أمر الواقع، ومثالها في الرواية شخصيتا نديدا  وميريل جيمرا.

   وعموماً فإن شخصيات الرواية تتأرجح بين الكتمان واللاكتمان، بين الإظهار والإخفاء، لأنها محكومة بانتماءات سياسية واجتماعية ودينية، حتمت على بعضها الكتمان وعلى بعضها الآخر البوح بمكنوناته رغبة في التحرر من كل القيود المفروضة.

  1. بنية الحرية والعبودية

   يحضر مفهوم الحرية بجلاء في رواية “حجر السرائر”، إذ اتخذ الكاتب منه بنية أساسية لمناقشة ثلاثة أنواع من الحرية مصادرة: حرية التعبير، حرية الاعتقاد السياسي والديني، وحرية المرأة. وقد مثّل للحرية الأولى بالجرائد التي أغلقها المقدم حسني الزعيم الملقب بسيدي الجنرال فور حكمه لسوريا. يقول السارد: »كان رباح قد أفاق متأخراً، كما تعود في الأسابيع الأخيرة، منذ صدر قرار سيدي الجنرال بإلغاء تراخيص الجرائد، ومنها الجريدة التي يعمل فيها رباح: ألف ياء« (ص12). ومثّل الكاتب للحرية الثانية برمزي الكهرمان الملقب بـ “أبو الدستور” في دفاعه المستميت عن الدستور، وعن حرية الاعتقاد السياسي التي رآها من حق كل  فرد سوري، والتي اعتبرها النظام الديكتاتوري جريمة ما دامت تعارض النظام الحاكم، ومثّل لها بالشخصية الرئيسة المتمثلة في نديدا الكهرمان التي سارت على نفس خطى والدها المحامي رمزي الكهرمان الهادفة إلى تغيير وتعديل قوانين الدستور الخاصة بالأحكام العرفية والإدارة العرفية والموضوعة من طرف المتناوبين على حكم سوريا ، بدءاً برئيس الجمهورية ووصولاً إلى المقدم حسني الزعيم بغية “تنقيتها من كل ما قد يجنح بالسلطة التنفيذية نحو الديكتاتورية” (ص122). وقد عُززت الرواية باقتباسات من هذه القوانين مما زادها مصداقية.

   تبدو شخصية نديدا كأنْ لا مثيل ولا شبيه، متحررة من كل القيود المفروضة اجتماعياً وسياسياً وعرفياً، شخصية متطلعة إلى التغيير والتحرر من العبودية المكمة للأفواه على جميع المستويات الاجتماعية  والسياسية والدينية، والمخضعة للفرد وللجماعة، إنها رمز للمرأة المناضلة والثائرة في وجه الاستبداد السياسي، وفي وجه المجتمع الذي نظر إلى المرأة نظرة تقلل من قيمتها وفاعليتها داخل المجتمع، وتحصر مهمتها في الزواج وتربية الأولاد. فنديدا الكهرمان كانت على عكس بنات جنسها أول امرأة تزور ابنها في بيت طليقها. يقول السارد: »ذات صباح فاجأت نديدا نفسها، كما فاجأت الجميع، إذ حضرت إلى بيت رباح الذي أبكمته المفاجأة، كما أبكمت أمه. ولما أخذ رمزي يحرر البكم، تعثر أبوه بالفرحة، بينما تعثرت أمه بالنكران والعجب: مطلقة تأتي إلى بيت طليقها؟! نكاية بمن استنكروا فعلة نديدا، كررت زيارة ابنها في بيت أبيه –أي كررت زيارة طليقها- حتى خافت من أن يعود الماضي، ففاجأت نفسها كما فاجأت الجميع: ما من زيارة بعد لبيت رباح) «ص73). ونديدا هي أول امرأة ترغب في تعليق صورتها إلى جانب صور الرجال على واجهة أستوديو التصوير الذي زارته. يقول السارد: »ظلت سادرة في إغماءتها حتي اكتشفت أنها واقفة أمام الواجهة الزجاجية لاستوديو المصور الأرمني ميناس كوزيان: هذه صورة طفل أصغر من رمزي وهذه صورة ضابط، وهذه صورة الشهيد يوسف العظمة، وليست في الواجهة صورة لامرأة: لِمَ لا تكونين أنت أول امرأة تعرض صورتها في هذه الواجهة، مثلما ستكونين أول من ستقود سيارة في الشام؟«(ص183).  إن هذه الرغبات ستظل مكتومة لحظة تفكير الشخصية الرئيسة نديدا فيها، نظراً لطغيان المجتمع الذكوري على المجتمع النسوي، وهذا ما كانت تخشاه نديدا عندما طلبت من صديق والدها الدكتور عبد الحنان أن يعلمها السياقة: تقول نديدا:

  • »هل تعرف من يدرب امرأة على قيادة السيارة؟

  • لا لا أعرف، ولكن لا يمكن أن يكون إلا زوجاً أو أخاً هذا لو وجد، لِمَ تسألين؟

  • أريد أن تكون لي سيارة وأقودها بنفسي.

  • رحمك الله يا رمزي الكهرمان، ما رأيتك مرة إلا قلت لنفسي: هذه البنت فيها من روح والدها الكثير، كرمى له أنا مستعد لأن أدربك وإن كان ذلك مغامرة لي ولك أمام الناس.

 قال والسيارة تدور حول نصب المرجة، ثم تنعطف صعداً. أخذ الحلم يُنسجُ طوال الطريق من ضحكة، من خوف، من الألسنة التي لا ترحم، من الاعتزاز بأول من تقود سيارة في الشام، وبذكرى رمزي الكهرمان«(ص229).

   يبين هذا الحوار الذي دار بين نديدا والدكتور عبد الحنان نظرة المجتمع للمرأة المقبلة على تعلم قيادة السيارة، والمتمردة على تعاليمه المميزة بين الذكر والأنثى. غير أن إرادة نديدا ستجعل من الرغبة الدفينه ومن الحلم حقيقة عندما تبدأ فعلا بتعلم السياقة: » غزال سيعلمك.. هو يعلمني فعلا في هذه الفترة قيادة السيارة، قبله دربني الدكتور عبد الحنان مراد فترة قصيرة. الدرس الماضي كان على طريق المزرعة. غزال معلم ماهر. الطريق صعبة خربها الشتاء، انقطاعنا عن المزرعة أضرّ بها وبالطريق. ولكن السيارة بين يدي غزال ما شاء الله« (ص254).

    أما حرية الاعتقاد الديني المصادرة فقد مثلت لها الرواية بالاعتداءات التي طالت السافرات، وبالشخصيتين الثانويتين المتمثلتين في المحامية ميريل جيمرا المسيحية والمحامي منذر كتو المسلم ، إذ خرجت الشخصيتان بزواجهما عما يحدده الدين وما يرفضه المجتمع، فرغم رفض الأهل أقدما على الزواج، وأقدما على خرق إحدى المحظورات الدينية والمجتمعية الرافضة لزواج المسلم بغير المسلمة والمسيحية بغير المسيحي، والتي لازالت تشكل شوكة في حلق مجتمعنا العربي.

   يتضح إذن من خلال هذا التحليل أن المقولة السيمية المتحكمة في النص الروائي بأسره هي مقولة الوجود واللاوجود الجامعة للسيمين المتضادين المتمثلين في الحرية والعبودية، والمولدة لحكاية الرواية بتضافرها مع المقولة السيمية المتمثلة في الكتمان واللاكتمان الجامعة للسيمين المتضادين المتمثلين في الإخفاء والإظهار، وذلك لأن امتلاك الحرية يحرر السريرة من كتمانها ويمنحها كامل الحق في إظهار كل مكنوناتها والإفصاح عن كل ما يدور في خلدها من أفكار وآراء واعتقادات دون خوف من سلطة المجتمع أو السياسة أو الدين القامعة. وفقدان الحرية يَسْجُن ويَأْسِرُ السريرةَ بأسرارها ومكنوناتها، ويدفع الذات البشرية إلى الإخفاء وعدم الإظهار، وبالرجوع إلى النص الروائي نجد أن الممثلين، سواء الفاعلين أو غير الفاعلين (المساعدين والمعارضين) يتأرجحون بين الكتمان واللاكتمان، بين الإظهار والإخفاء، فالذات الفاعلة المتمثلة في “نديدا” تتواجد على المحور السلبي المتمثل في الإخفاء لإخفائها لعواطفها نحو أمها “درة حفظي” قاتلة أبيها، ولعواطفها نحو بدر الدين أتماز، ولطبيعة العلاقة الرابطة لها به، ولرغباتها تجاه نفسها، كالرغبة في تعلم السياقة وتعليق صورتها على زجاج أستوديو التصوير إلى جانب صور الرجال وإسوةً بهم. وهذا الإخفاء كان يدخلها دوماً في حالة من الصمم، لا تبرأ من علته إلا إذا أظهرت المخفي عن أختها ابتهال والمتعلق بقتل أمها لأبيها، أو المخفي في سريرتها والمتعلق بكرهها لأمها. وبمجرد اتخاذها لقرار التحرر من هذا الصمم خارج جدران مزرعة عمها الدكتور عبد الواسع الكهرمان، تنتقل من المحور السلبي للمربع السيميائي المتمثل في الإخفاء إلى المحور الإيجابي المتمثل في الإظهار عبر نفيها للإخفاء، غير أن هذا الانتقال يبقى انتقالاً ممكناً ومحتملاً، لأن الذات الفاعلة المتمثلة في نديدا لم تحقق مشروعها السردي المتمثل في التحرر من الاستعباد المفروض من طرف المجتمع على المرأة بتقييده لحريتها وتحديده لمجالات اشتغالها واهتمامها، والمفروض من طرف المتناوبين على الحكم على الشعب السوري بتقييدهم بل بسلبهم لحريته التعبيرية والاعتقادية (السياسية والدينية) والاختيارية والحزبية. وهذا السلب يفرض على بعضهم الكتمان (إخفاء سنان عبد المنعم لانتمائه الحزبي، إخفاء عبد الواسع الكهرمان لرغبته في تعديل الدستور، إخفاء المحامية ميريل جميرا لعلاقتها بالمحامي منذر كتو، تكريم سنان عبد المنعم العقيد محمد ناصر كضابط وكآمر لسلاح الجو – يجرى اغتياله –  خوفاً من الطائفية)..

   وخلاصة القول، فإن معظم شخصيات الرواية، سواء الرئيسة أو الثانوية، تطمع جاهدة إلى التحرر من القيود التي يفرضها عليها المجتمع بأعرافه وتقاليده الموروثة، والدين بمحظوراته، والسياسة بقوانينها المستبدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * صدرت الطبعة الأولى عن دار الصدى، دبي 2010، والطبعة الثانية عن دار الحوار.
1 و[2]– محمد ابن منظور، لسان العرب، دار المعارف، القاهرة، ص781.
[3] – المرجع نفسه، ص 1989.
[4] – المرجع نفسه، ص 1989.
[5] – الكتمان، موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، المجلد الثامن والعشرين، ص: 173.
[6] – أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البُستي، روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، تحقيق وتصحيح: محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية، ط 3، 1374، ص: 176.
[7] – عيسى عودة برهومة وبلال كمال عبد الفتاح، سيمياء الإهداء دراسة في نماذج من الروايات العربية، حولية كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية، المجلد الرابع، العدد الثاني والثلاثون، ص ص: 674/675.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: