حواراتشعر

حوار مع الشاعرة والكاتبة السورية هدى الكفارنة

أعد الحوار: فاديا سلوم

قالت الشاعرة : بلا قصيدة ، أسافر مصطحبة كل هذا الغياب ، ومشقة اللا عودة إلى الضحكة ، مسربلةً بالعناء ، يراود أحلامي فتهفو لضمة عطر و انتشاء في كوني كما الرحيق . وتلك البحة تسكن سمع أنيني .. مازال ذاك الوجه مورقاً في عين السؤال ، ما زالت بصمات الأمنية الوحيدة ترسم الدوائر فوق ذراع الشغف . وما من سفر يتسع لنحيب القصيدة .

هدى الكفارنة
هدى الكفارنة                                       
  • الصديقة الراقية الرقيقة أهلا بك

أهلاً وسهلاً صديقتي المبدعة الجميلة … سعيدة جداً بهذا الحوار و اللقاء مع الأصدقاء الكرام

  • صديقتي هدى عرفينا على نفسك بالقدر الذي تريدين

 أريد أن أشكرك في البداية على تقديمي بهذا النص القريب جداً إلى قلبي ، قريب بشكل يكاد يختصر ويفسر ما أريد أو يمكن أن أقوله في التعريف بنفسي وروحي . فأنا المسافرة بلا قصيدة …المصطحبة كل ذاك الغياب … ولا سفر يتسع لنحيب قصيدتي !

هدى كفارنة / كاتبة من سوريا / إجازة في الاقتصاد /لي تسعة كتب إلكترونية موزعة بين الشعر والقصة القصيرة وشعر الهايكو ، صادرة عن “نادي الهايكو العربي ” و “دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني.

  • هناك من يقوم بعرقلة إبداع المرأة بوسائل كثيرة منها الهجوم الدائم على ابداعها والتشكيك فيه والتقليل المتعمد من حجم نجاحاتها …… كيف السبيل للمرأة أن تتخطى ذلك ؟

 صحيح ومؤسف جداً ، في الواقع ، إننا نعيش الإحباط والضعف الإنساني بكل أشكاله ، نحيا مرارة السعي والجري في كل نواحي الحياة ، وهذا ينعكس على الجميع بمختلف أنواع الهزيمة ، لسنا محكومين بالأمل ، نحن قوم بات عنواننا اليأس القاتل للأسف ، وكل هذه الهزائم والخسارات تعود إلى الرجل والمرأة أضعافاً مضاعفة ، فكيف لا تعاني المرأة المبدعة بمشاعرها وعالمها وأحلامها وتطلعاتها ، وهي ترزح تحت عبء هكذا حياة !؟ للأسف كانت المرأة ومازالت تحاول النهوض والتخلص من تبعيتها رغم كل ما حققته من إنجازات على كافة الأصعدة ، أتحدث هنا عن شرائح كبيرة من مجتمعاتنا العربية ، وفِي اعتقادي أن المرأة المبدعة في حالة حرب مع ما يمثلها أو ما هو مفروض عليها .. مع نفسها .. مع بيئتها وظروفها الاجتماعية والاقتصادية ، ولكن لاننسى أنها وبكل شغفها وعنادها وإيمانها بذاتها ، استطاعت وتستطيع أن تجتاز الكثير من المعوقات وتثبت وجودها في مجتمع يصعب عليه التخلص من النظرة المحدودة أو الناقصة إليها . بالنسبة إلي ومن حسن الحظ ، لم تكن لدي هذه المعاناة بشكلها المتضخم ، فقد لقيت التشجيع من أسرتي وأهلي ومن هم حولي .

  • مثل كل الشعراء كان لك بداية …. كيف كانت بدايتك ؟

أعدتيني إلى عالم الطفولة بوداعته وحيويته و أسئلة وجوده ….منذ سنوات الدراسة الأولى تميزت في الإنشاء والشعر والإلقاء ، أذكر أن أول قصيدة كتبتها وحازت على استحسان معلماتي آنذاك كانت عن أبي رحمه الله والذي فقدته في سن مبكرة وكان لهذا الفقد الأثر الكبير في تكويني …. محاولاتي في التعبير عن نفسي تبلورت أكثر في دراستي الجامعية ، رغم أني درست الاقتصاد إلا أن هذا لم يؤثر على عشقي للكتابة ، حيث كتبت الشعر والخاطرة والقصة القصيرة. ولأنني الأخت الصغرى بين إخوتي فقد كانت هوايتي هذه محط رعاية وتشجيع من قبلهم جميعاً، وأعود هنا إلى مكتبة عائلتي القديمة التي كان لها بالغ الأثر في ترك مخزون جميل لديّ بما احتوته من كتب رائعة وقيّمة مكنتني من قراءة الكثير من الشعر والنثر . ومع أنني انقطعت عن الكتابة لفترة بسبب انشغالي بأسرتي إلا أنني عدت مجدداً من خلال صفحتي على الفيسبوك، حال الكثيرين ممن لم تسنح لهم الفرصة والظروف ليثبتوا وجودهم في عالم الأدب والكتابة، كنت اكتب لحظاتي وأنظر إلى الصفحة الخاصة بي على أنها مدونة أوثق فيها بعض فرح أو حزن أو تعب ، كنت أكتب روحي ، وهنا كان لي الحظ الكبير بوجود الأستاذ المبدع بسام جميدة الذي ساند كتاباتي وشجعني، فكانت بدايتي الحقيقية. أذكر هنا تجربتي المميزة في مجموعة “سنا الومضة القصصية “هذه المجموعة الرائعة التي اعتمدت الومضة القصصية السردية وقد ساهمت بالإشراف والكتابة فيها مع مجموعة من الأصدقاء والأساتذة المبدعين ، لكن للأسف الآن متوقفة وأتمنى عودتها وبشكل أقوى . في ذلك الوقت قدِّر لي إصدار ستة كتب إلكترونية عن “دار كتابات جديدة للنشر الالكتروني” .بإشراف الأستاذ محمود الرجبي والدكتور جمال الجزيري . وفِي عام 2017 كان لي شرف الانضمام إلى “نادي الهايكو العربي ” الذي كان انطلاقة كبيرة وبصمة تحمل كل الفرح في حياتي وكتاباتي .وهنا أقدم أسمى آيات الشكر للأستاذ المدهش محمود الرجبي . وإلى الآن أَجِد في الحرف قيدي و انعتاقي .

  • يقول الشاعر الامريكي سانتياغو باكا (( القصيدة الجيّدة قائمة بذاتها، منقطعة النظير، ولا تمنح نفسها إلى رجعيّة الزمن الراهن، ولا تسير على هَدْي الحاضر وأفانينه السائدة، إنها قائمة في حدّ ذاتها كتمثال حريّة تُعظّم قلوبَ الناس في كل العصور )) هل ينطبق هذا لكلام على قصيدة الهايكو ؟؟

تعبير جميل حقاً وينطبق على قصيدة الهايكو .. في اعتقادي أن قصيدة الهايكو بشكلها الخاص ومع مميزاتها التي تملأ النفس بالدهشة لا بد أن تكون خالدة .. صالحة لأي وقت ومكان بما تمثله من معنى وروح .. فهي ترفض القيود والتقوقع داخل قالب جامد لا يتناسب مع العصر والبيئة واللغة . أرى أن الهايكو بشكله القديم أو الحديث لا ينفصل عن الإنسان فهو في قلبه فعلاً… ويمثل قلوب الناس ، ويعيش فيها على مر التحولات ولا يستطيع أن يكون قصيدة قائمة بذاتها إن تنصل من وجود الإنسان الباقي في الماضي والحاضر والمستقبل . والزمن كفيل بهدم كل جمود وقانون التطور لن يقف عند حد أو شخص أو فكرة . الهايكو بما له من قدرة على اختصار حياة في كلمات وسطور معدودة يمتلك قوة تشبه السحر ، في عالم يسوده الضجيج وتلاحقه السرعة التي تمقت الانتظار والوقوف على أطلال الآخرين .

  • أحب أن أطرح هذا السؤال … طقوس الكتابة عند شاعرتنا ؟؟؟

 طقوس الكتابة عندي ! صدقيني أجهل كل الطقوس هنا ، أشعر أن الكلمات تنتقيني .. هي التي تكتبني بمزاجيتها الطاغية ، بانكفائها وطربها ، بألوانها التي آثرت الحزن دون إذن مني . أكتب في كل وقت ، ولا أملك لدفق ما في الروح ما يكفي من الوقت . تلاحقني الصور والحروف والحالات وأحاول أن أقبض عليها قدر استطاعتي رغم نجاحها في الهروب . مثل حلم تراودني الفكرة … وترسمني الأيام كما تشاء … و في كثير من القصائد والنصوص أرى ارتباط الحروف يتجسد من أحلامي .. وينبت ورداً او حقلاً من الأشواك … كل خصب أهازيج فرح .. وكل جدب موال حزين .. لكن أكثر ما يحرك رغبتي في الكتابة هو المطر .. الشتاء بغيمه الواجم وذهوله المرتبط بالأرض و نداءات الظمأ … المطر طقس فرحي والبكاء .

  • إن الشعر والأدب والفنون بكافة تجلياتها تتجسد من خلال الذات تجاه أي موضوع وتأثيره في تلك الذات الإنسانية المرهفة , كيف تجد ذاتها الشاعرة هدى كفارنة من خلال أعمالك وخاصة أنك تكتبين في أكثر من صنف أدبي ؟؟

نسير مع القدر في اتجاهات يفرضها أغلب الأحيان .. وحين يحين الوقت فإن التجربة الواعية لما تريد تفرض مسارها .. كنت ومازلت أحاول الحياة ، وبالنسبة لي فإن الأدب هو وسيلة لإخراج مكنونات النفس من مشاعر وهواجس وتطلعات ومخاوف أياً كانت بشكل جميل ولغة متماسكة ترسم نقاطاً مشتركة مع النفس المقابلة وتؤثر فيها ، سواء أكانت هذه المكنونات وُضعت في قالب الشعر أو النثر ، وكل فن أو جنس أدبي منها قادر على استيعاب الإنسان وما يحيط به .. وحين يستخدم الأدب لغة مناسبة تخدمه بتقنياتها فإنه سيصل إلى هدفه … وحين أشعر بطوفان الحروف فإنها هي التي تختار القالب الذي يتسع لامتدادها و صفاتها … قد تأخد شكل الشعر الموزون أو قصيدة النثر أو الشعر المحكي …وقد تجد الراحة في القصة القصيرة أو القصيرة جداً … فأنا أكتب هذه الأصناف وأعشقها وعندي مشروع رواية أتمنى أن يكتب له التوفيق ويرى النور يوماً ما .. وكم أحلم أن يسعفني القدر بالوقت والحظ لتجد كلماتي دفّتيْ كتاب ٍ ورقي يجوب الزمن والمكان حاملاً أثري .

  • بعض القصائد ترتبط بموقف معين و تكون بمثابة توثيق لهذا الحدث ، ما الحدث الذي أثر فيك و كتبت عنه ،،!

 كثيرة هي النصوص التي ارتبطت عندي بأحداث فارقة .. ذكرت لك أنني كنت أدوّن كلماتي كتوثيق لحالات من فرح أو حزن … أمل أو تعب .. وكثيرة هي القصائد التي تنسكب فيها الروح وتصعد إلى سابع سماء ثم تهبط بانكسار أو تتهالك على مقعد قديم وموسيقا باهتة . لا أريد ذكر واحدة فقط كي لا أظلم باقي القصائد والأحداث وكلها بالأهمية ذاتها عندي . لكن القصيدة التي كانت ومازالت في قلبي هي تلك التي كتبتها عن فقد والدي في محاولاتي الأولى للكتابة والتعبير . ورغم ان هناك نصوصاً كثيرة أيضاً بعيدة عن تجربتي او حياتي الشخصية إلا أنني وفي كل الحالات والأحداث التي رافقتني أو استطاعت أن تحفر بصمتها في روحي فإنني كنت أرنو إلى عالم يسوده الأمل ويجد الحلم فيه بعض سبيل .. أن يرسم حرفي ابتسامة على الوجوه المتعبة في طريق مزروعة بالأسئلة والوجوم .. ويجد في روحه الصدى فيسافر مع حزنه النبيل ليعود مصطحباً حقائب الفرح وغبطة الألوان .

  • من خلال مشاركاتك في ملتقيات وأمسيات , كيف وجدت تقبل القارئ العربي لقصيدة الهايكو ؟

الهايكو هذه القصيدة التي فرضت وجودها وانتشرت بسرعة خاطفة رغم وجود المتربصين والمستنكرين .. تمتلك من التميز والدهشة الفريدة ما يجعلها محببة عند الكثير من الكتاب والقراء على حد سواء .. لكن إلى الآن هناك شريحة واسعة منهم لا تقبل الهايكو بحجة أنه غريب ووافد دخيل على ثقافتنا ولغتنا العربية ولا يعترفون بها على أنها شعر … الواقع أن هذه النظرة المتزمتة تحاول حصار كل تطور بحجة وجوب المحافظة على هوية اللغة والشعر العربي وحمايتها من دنس الثقافات القادمة من بعيد ….حتى قصيدة النثر ما زالت تعاني بعض الشجب رغم قطعها أشواطاً كبيرة جداً في الوجود وانتزاعها مكانتها الخاصة .. فكيف بالهايكو الياباني . و باعتقادي أشد المتربصين بهذا الفن هو التزمت ومحاولة احتكار الحقيقة حول شروطه وخصائصه … والذي يضع الكاتب والقارىء ضمن دوامة من القبول والرفض لهذه القصيدة الجميلة .. بالنسبة للأمسيات التي شاركت بها .. كان للهايكو مكانة و حضوراً رائعاً وسط باقي الأجناس الأدبية وخاصة الوجيز منها ..

  • حدثينا عن تجربة الكتابة لديك بشكل عام وعن شعر الهايكو بشكل خاص .

 الكتابة هاجسي والفلك الذي يذوب عالمي و يدور فيه .. الأرق الذي يعيش معي .. والقلق الذي أسلمت له أيامي .. وكل نص هو مخاض جميل بكل مايحمل من وهم أو حقيقة .. ألجأ إلى الحروف وأحمّلها ما يعجز عنه طَيّ قنوطي وتواتر آمالي وآلامي .. وكل فكرة تجول في خاطري تهبني الضجيج الحبيب وتعود لتتجسد أمامي فتمنحني السلام . سأبقى أحاول وأجرب إلى أن يسطع وجه قمري أو يهدأ الشغف بتوقف طرقات خافقي .. أكتب لأني أتجسد الحقيقة الغائمة في قصائدي .. لأني أعلن حلمي … وأراود في غياهب القدر ربحي أو خساراتي … والخيار ليس لي حين تطل من نافذة روحي قصيدة أو تتكئ على سُور ليلي قصة أو خاطرة .. أما عن تجربتي في الهايكو .. فقد عرفته في هذا النادي الرائع “نادي الهايكو العربي “الذي أعلن انتمائي وتقديري الدائم له … كنت أقرأ السطور القليلة وأَعدها وأتساءل ما هذا الشيء الذي يلتقط ويصف في الطبيعة والإنسان ما يشغل المَلَكات بهذا الاختصار والقدرة العجيبة التي تلامس قلبي .. قرأت الكثير من النصوص و المقالات التي تعرّف بالهايكو.. وتعلمت من الأستاذ محمود الرجبي بأسلوبه المميز الذي رسم بتعليمه أبهى لوحة صادقة للهايكو .. كتبت وكانت سعادة غامرة حين لاقت محاولاتي القبول والتميز عند أستاذ مبدع حقيقي لا يتوانى عن بذل الجهد في سبيل تعليم و تشجيع وتكريم أعضاء النادي وفِي سبيل نشر الهايكو والارتقاء به في عالم الأدب من خلال لغة عربية متقنة وروح شاعرية مع الحفاظ على هويته الجميلة .. وفِي نادي الهايكو العربي حظيت بأجمل تكريم لقصائدي بثلاثة كتب إلكترونية وهي : – ١- قصائد من شتات – ٢- الزاجل الحزين – ٣- أنا كتابٌ للحزن .

  • لأي مدرسة تحبين أن تلجأي الكلاسيكي التقليدي أم هناك منحى آخر لنصوصك ؟

 أحب كتابة الهايكو بنمطيه القديم والحديث .. أدع المشهد يختار المدرسة التي تحتويه بحب وتصل إلى قلب القارىء .. لا أجبر الصور على شكل معين .. فلكل مدرسة خصائصها وشكلها الذي يظهر ذاته من خلال حالة انسجام البصر والبصيرة .. ولكنني لا أعتقد بالتزمت الذي تفرضه نظرية الهايكو الكلاسيكي .. فالتطور دائم وموجود في كل الأجناس الأدبية .. ولن يستطيع الجمود أن ينتج سوى الجمود .. أحب كتابة الهايكو باللغة العربية بكل ما تحوي من خصائص مبهرة ولا أستطيع تذوق الجمال دون لمستها الرائعة على المشهد .

  • ما إشكالية التسمية بالنسبة لك أقصد التسمية اليابانية وهل سيتم الاستعاضة عنها بتسمية عربية برأيك ؟؟

 في نادي الهايكو العربي وضمن سلسلة من المقالات والكتب التي لم تبخل بدراسة وتعليم الهايكو وفق نظرة شاملة وكاملة وذات أبعاد ترفض المحدودية قرأت عن الهايكو باسم هو الهكيدة ، وقد أعجبني الاسم وفكرة إيجاده باللغة العربية ليكون أقرب إلى نفس وأذن القارىء والكاتب العربي .. لكن أرى أن اسم الهايكو لاقى القبول الأكبر والانتشار الأوسع فلا ضير من ذلك .. والتجريب ممكن أن يأتي بالمزيد والجديد .. فالزمن كفيل بإبقاء الأنسب لهذا الفن الرائع .

  • نود في هذه الفسحة قراءة لحروفك المنوعة …….

يسرني ذلك أيتها الرائعة لك كل الحب والتقدير ..

رحم الله الأستاذ المبدع عصام زودي

هايكو

سماءٌ غائمة –

ترقدُ في القبر نفسه

ظلال ٌ حزينة !

……………..

– طلاسم الريح

ظل وقيثارة

على الطريق الشجراء !

……………..

– لوحات النجوم

وجوه فانية

الطريق الأخيرة !

…………..

– خيبة

تصرخ بها نفسها :” واهمة”، و ترسم بريشتها دوامة غضب، لتبتلع اللوحة .

……………………

المرآة

حائرة أمامها ، تحاول تذكر ذلك اليوم الذي ابتاعتها فيه . محل قديم يكاد يخلو إلا من بعض الأنتيكا وتلك المرآة الجديدة نسبياً، وضعت بهدوء في الركن البارد ، كأن هاتفا دعاها لشرائها، لم تفاصل في الثمن، ولم يبد البائع أي مانع في التخلص منها و لو بدون مقابل. غلفها ببعض الأوراق الصفراء، وبصوت خافت مرتاح ” مبروك”. خطوتان خارج المحل، فوجئت بسيارة أجرة تفرغ حمولتها والسائق ينظر إليها، دون تفكير ناولته المرآة وانطلق بها إلى الشارع المقابل. في شقتها الصغيرة أخذت تطوف وتجول باحثة عن أنسب مكان تربع فيه ما اقتنت، صرخت منتصرة على الضيق، نعم، هنا يستطيع الزائر أن يطمئن إلى منظره ويكون شاكراً في الدخول والخروج. كان مساء هادئا لم تعرف أنه سيكون آخر عهدها بالهدوء. في الصباح التالي، استيقظت محاولة أن تسترجع مارأته في حلمها، لكنها لم تنجح في استجماع طلاسم الصور التي أرهقتها، خطت باتجاه المطبخ لتعد قهوتها الصباحية، مالت نحو المرآة، ألقت نظرة سريعة، ومالبثت أن أعادتها ، تمعنت خائفة، ماهذا الوجه! ، كانت بعض ملامح مرسومة دون وضوح، حاولت أن تتعرف إلى صاحبة الوجه ففشلت، فركت عينيها وأكملت طريقها إلى المطبخ. تجاهلت الأمر لكنه تكرر طيلة شهور، إلى أن كان صباح يوم بارد كئيب، وقفت أمام مرآتها تستعد للخروج، تحسست بطنها وهي تجبر شفتيها على الابتسام، لكن ملامح الوجه كانت قد ارتسمت بوضوح شديد، تمتمت مندهشة ” رباه، وجه هذه الميتة ، مالذي أتى به إلى هنا”. في آخر النهار، كانت هناك ملقاة على سرير المشفى، ذاهلة منهمرة الدمع، تحاول أن تفهم سبب موت جنينها، ثمرة أحشائها الوحيدة التي منحها القدر إياها بعد رحلة علاج طويلة. مر أمامها وجه الميتة، غرقت في أسئلة ونحيب. جاهدة كانت تقنع من حولها بشؤم ماحدث وأن قوة غريبة انبعثت من مرآة الموت، واجهتها سخريتهم و اتهاماتهم لها بالضعف والاستجابة للخرافات. مر عامان استطاعت أن تتناسى الأمر و تمضي قدماً بلا ذكريات تؤرق حياتها، لكنها اليوم عاجزة تماماً عن النسيان، جلست خائرة القوى تبكي وتحملق في المرآة لمعرفة ملامح الوجه الجديد، حائرة صرخت ” أي فقد قادم في الطريق؟. همت بكسر المرآة، لكن قواها كانت أضعف من المواجهة، جاهدة نادت الخلاص، أخيراً وقبل أن تتناثر الأشلاء، فُتحت عيناها وخرجت من سطوة الكابوس .

. ………………………..

وصول

لستُ على عجل فكل الوصول هباء حتى عبقر الجميل لم تعد تغويه نداءاتي

يرمي إليّ بفتات منك في مدينة أغناها الحزن بالحلم والصور يتعثر صوتي تتعسر الأنغام وتولد كل قصائدي كسيحة

أراهن الإشارات الكونية أسدل ستائر الرثاء وأمضي الوقت العصيّ بلا يقين في اكتمالي وكلما اوشكت على الصعود استباحت روحي العتمة دمي المتحجر ينسكب في طريقي الموءودة ولا مداد ينقذ الفجر من عشوائية الثواني

…………………….

حنين

لَعمرُك ما ارتاحَ الحنين ُبمهجري

ولا انزاح ليل ٌعن فؤادي وما انزوى

أُهدهدُ حزناً في الصباح وأصطلي

بصبر ٍيعاني في الظنون بلا قوى

وعينٍ بلا دمعٍ تؤرّقُ خاطري

فتذروه مدحور َالخواطر في النوى

ليضحكَ جرحٌ من خضاب ِخميلتي

وتَرقُدَ أحلام ُ المشقّةِ في غِوى

أنا إِنْ تكبّدتُ الحياةَ بوحشتي

فللروح ِما همّتْ على وجع ِالرّوا

وللهم ّ أوتار ٌ أحاكي شغافَها لتُلهم َ أيامي

وتعزف َمانوى أسائل ُورداً إن تشّرب بالندى

وأقسِمُ مغلوباً يغني وإن ذوى

ألا ليت هذا العمرَ يدرك

وقتَه فيملأ آمالَ الحياة بما ارتوى

أخوض ُعراكاً لا يغادر ساحتي

و أصبحُ للكون الغريب على الطوى

يجاهرني اليأسُ المسافر بالرؤى

فأنقش سفراً بالحروف قد اكتوى

…………………………………….

هدى كفارنة

هذه هي الكاتبة السورية التي نثرت عبق الياسمين مع كل حرف من حروفها

سعدت جدا صديقتي في هذا الحوار الموفق والنقي مثل روحك الجميلة

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: