حوارات

حـوارُ مـركـز ليفـانت للدِّراسـات الثقافيَّة والنشـر المفتُوح: الثقافة في زمن جائحة كورونا العالميَّة التَّداعـياتُ الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة مع الكاتب/ خـالد السَّحــاتي

   

 الحوار :

1-أهلًا وسهلًا بضيفنا الكريم، أ. خالد السحاتي، الذي بات اسمه معلمًا من معالم الأنشطة الثقافية، بعد أن خضت في الفاعليات والأنشطة المتعلقة بهموم الثقافة العربية والإبداع العربي.. في بداية حوارنا نودُّ أن نسمع من حضرتك عن المولد والنشأة والتكوين، وتجربتك في السفر والتكريمات والشهادات المميزة التي حصلت عليها، وعن المهام التي أنجزتها؟.

– أهلاً بحضرتك دكتور/ أدهـم الأديب والناقد، يُشرِّفُني أنْ أكُون معكُم اليوم في هذا الحوار، وُلدتُ في مدينة بنغازي الليبية، ونشأتُ وترعرعتُ فيها، في بيتٍ عربيٍّ أصيلٍ، كان والدي رحمهُ اللهُ قد ربَّانا على حُسن الخُلُق، ونظافة اليد، وطلب العلم، وزرع فينا حُبَّ القراءة والاطلاع.. وكان ذلك سبباً رئيسيّاً (بالنسبة لي) في وُلُوج عالم الكتابة الفسيح، حيثُ بدأتُ مشوار الكتابة قبل عقدين من الزَّمن، كانت البداياتُ من خلال بعض المُحاولات المُتواضعـة في عـالـم القصَّة القصيرة والحكايات، بدأتُها عندما كنتُ في المرحلة الإعـداديَّة، كُنتُ أُجـرِّبُ، وأُحاولُ صياغة الجُمل، وتركيب العبارات، وكانت أداتي في ذلك “اللغة العربيَّة” العزيزة، حيثُ أنَّني عاشقٌ مُنذُ طُفُولتي للنَّحو والصَّـرف، والمحفُوظات والتَّعبير أيضاً، كُنتُ أُفتِّشُ في “مُختار القامُوس” عن معاني الكلمات، وأقرأُ فيه وقت فـراغي؛ لأنَّ اتْقَانَ اللغَةِ هُـوَ أوَّلُ سِلاَحٍ لاَبُدَّ أنْ يَحْمِلَهُ الكَاتِبُ فِي مشواره الكتابيِّ.. تجربتي في السَّفَرِ: تتعلَّقُ-بِـدَايَـةً- بِحُبِّ وَالدِي –رَحِـمَهُ اللهُ- للسَّفَرِ، فعندما كُنتُ طفلاً سافرت مع والدي وبقيَّة الأسرة إلى أوروبا، (اليُونان ورُومانيا)، وبعدها زُرْنَا العاصمة السُّوريَّة “دمشق”، كُنتُ أفْـرحُ كثيراً عندما أُشاهدُ صُورتي مع والدي ووالدتي في المسجد الأمويِّ بدمشق، كان عُمري وقتها تقريباً خمس سنوات.. وبعد أنْ كبُرْتُ كان السَّفرُ هوايةً منْ هواياتي الرَّائعَــةِ.. رغم ما فيه من التعب والمشقة، ففي الحديث الشريف: “السفر قطعة من العذاب”.. لما فيه من المشقة والتعب، ومعاناة الحر والبرد والخـوف، ومُفارقة الأهل والأصحاب والأحباب. 

بخُصُوص الشهادات والتكريمات: أفتخرُ كثيراً بكُلِّ شهادة تقديرٍ قُدِّمتْ لي، سواء من المُؤسَّسات الأكاديميَّة أو البحثيَّة أو الثقافيَّة والأدبيَّة، لأنَّها تحملُ في مضمُونها قيمةً نبيلةً، هي “الشُّكْرُ والتَّقديرُ”، بمعنى أنَّ الجُهد العلميَّ أو الإبداعيَّ هُو محلُّ تقديرٍ واحترامٍ منْ تلك المُؤسَّسات التي قدَّمت لي مثل تلك الشهادات العزيزة، التي أُعلِّقُها وساماً على صدري، قبْلَ أنْ أُعلِّقها على الجُدران.      

أمَّا المهام التي أنجزتها، فهي عديدة، منها أكاديمية: فقد تشرفتُ بأنْ أكُون مُنسِّقاً لوحدة ضمان الجودة بقسم العلوم السياسية(كلية الاقتصاد جامعة بنغازي) لمُدَّة ستة سنواتٍ، على فترتين، وتشرفتُ بتنسيق الموسم الثقافي للقسم خلال الأعوام: (2013-2014م)، (2016-2017م). ولله الحمد صدرت أعمال هذين الموسمين إلكترونيا (عن جامعة بنغازي) في كتابين، يوثقان محاضرات ومناقشات كل منهما. الأول بعنوان: (مفاهيم وقضايا معرفية مختارة) صدر إلكترونيا عــام: 2016م، والثاني بعنوان: (دور الجامعات في المجتمعات العربية)، صدر إلكترونيا أيضا، في عام: 2018م.. وأتمنَّى مِنَ الله تعالى أنْ أكُون قد وُفِّقْتُ في إنجاز كُـلِّ ما أُسْنِدَ إليَّ مِنْ مَهَـامٍّ، “وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ”. صدق الله العظيم.

2- أصدرت –حضرتك- كُتُباً مُتنوِّعةً في الأدب والثقافة والسِّياسة..، وكتبتَ دراساتٍ نقديَّةٍ، نأملُ أن نسمع لمحاتٍ عن حصيلة الإنجازات التي أنجزتها في حياتك الأدبيَّة والثقافيَّة والإبداعـيَّة، وعن كتابات الغـير عن أعـمالك؟.

* بالنسبة لأعمالي المنشُورة، فقد صدرت عدَّةُ كُتُبٍ منها في المجالات التي أشرت إليها حضرتك دكتور/ أدهم، ومن هذه الكُتُب: (المُتغيِّرات الدَّوليَّة وتأثيرُها على السِّياسات الإعلاميَّة الليبيَّة: دراسةٌ نظريَّةٌ للإعلام المـرئيِّ (التِّلفزيُونيِّ))، صدر في القاهـرة عام 2017م. وكتابُ: (ذاكرة القلم ونشوة الكتابة: مقالاتٌ وخواطرٌ في الثقافة والأدب وأشياء أُخْرَى)، صدر في القاهرة عام 2018م. وكتابُ: (آراءٌ وتأمُّلاتٌ في عالم السِّياسة)، القاهرة 2019م. ومجمُوعةٌ قصصيَّةٌ بعُـنوان: (شــواطئ الغُــربــة) القاهـرة 2019م. بالإضافة إلى أَعْمَالٍ أُخْــرَى بَعْضُهَا كَمَا أَسْلَفْتُ مَنْشُورٌ في ليبيا، وبَعْضُهَا الآخرُ في ألمانيا.. كما أنَّني شَارَكْتُ فِي عَـدَدٍ مِنَ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ (الأكاديميَّة) والأدبيَّــة الجماعيَّة في مصر وألمانيا.. ونُشرتْ أعمالي القصصيَّة والثقـافيَّة في العـديد من المجلاَّت الأدبيَّة والثقـافيَّة والأكـاديميَّة، والصُّحُف والمـواقـع الإلكترُونيَّــة.. وتُرجمت بعض أعمالي القصصيَّة إلى اللغة الإنجليزية ضمن كتابٍ موسُوعيٍّ ضخمٍ، يُوثِّقُ للأدب القصصيِّ الليبيِّ عُنوانُهُ: “السبيل إلى الأعمال الأدبيَّة الليبيَّة”، للأديب الليبي الأستاذ/إبراهيم النجمي، سَــوْفَ يَصْدُرُ قــريباً إنْ شــاء اللهُ.

* بالنسبة لكتابات الآخرين عن أعمالي، فالحقيقةُ أنَّ هذا شرفٌ لي أوَّلاً، أنْ تنال أعمالي المُتواضعةُ شرف دراستها وقراءتها نقديّاً منْ قبل عددٍ من الأُدباء والكُتَّاب والنُّقَّاد العـرب الرَّائعين، ومن هـؤُلاء: تشرفتُ بتقديم الأديب الليبي الكبير الأستاذ/ سالم العبَّار لمجمُوعتي القصصيَّة “شواطئ الغُــربة”، وبتناوُل ذات المجمُوعة بالدراسة النَّقديَّة منْ قبل الكاتبة والأديبة المصريَّة الرَّائعة الأستاذة/ هُـدى تـوفيق.. في مجلَّة: (ديوان الآن-مجلة الأدب الحديث). وكذلك مقالة نقديَّة بقلم الأديبة المصرية الرائعة الأستاذة/ وداد معـروف، ونُشرتْ في عدة مواقع إلكترونيَّة.. ومقالة نقديَّة بقلم الأديبة السُّوريَّة الرَّائعـة/ ميادة مهنا سليمان ونُشرتْ في عدَّة مـواقع إلكترونيَّة أيضاً.. وكذلك تناوُل بعض أعمالي القصصيَّة بالنَّقد والتَّحليل منْ قِبَلَ بعض الكُتَّاب والأُدباء والنُّقَّاد العـرب في مجموعة تغريدات نخلة الأدبية، وصدور كتيب إلكتروني يُوثِّقُ هذه الأعمال والقراءات النَّقديَّة بعُـنوان: (قصَّةُ: ضجيج الصَّمت للقاص/ خالد خميس السحاتي: قراءات لأديبات وأدباء تغريدات نخلة، كتاب: منصة النقد، إعداد: رابطة النقد، برئاسة الأستاذة/ زينب الحسيني، إشراف: دكتور/وليد الزبيدي، العراق،أبريل2021م).. فشُكراً جزيلاً بحجم الكون الفسيح لكُـلِّ هـؤلاء المُبدعين الأعـزَّاء الفضلاء على جُهدهم ومُثابرتهـم، وأُمنيـاتي لهُـم بـدوام التَّوفيق. 

3- مركز ليفانت للدراسات الثقافية يشرفُ بإقامة هذا الحـــوار مع حضــرتك.. والسُّـؤالُ الثالثُ: ما الذي جعـل أ. خالد السحاتي يتَّجهُ نحو الدِّراسات السِّياسيَّة؟، وبماذا تختلفُ لُغـة الخطاب في الدِّراسات والبُحُوث عن لُغـة الإبداع؟، وهل تختلفُ أساليبُ الكتابة الفكريَّة عـنْ أساليب الإبـداع؟، حبَّذا لو تُحدثنا عـن تجربتك المُتعـلِّقة بتعـدُّد الاهـتمـامات التي اشتغـلت فيهــا؟.

* أوَّلاً: بخُصُوص الاتِّجاه نحو الدِّراسات السِّياسيَّة فكانت بِحُكْمِ الاهتمام أوَّلاً، ثُمَّ بسبب التَّخصُّص في هذا المجـال ثانياً.. أما لغة الخطاب فهي بالتأكيد مختلفة بين المجالين، الدراسات السياسية والكتابة الإبداعية، الأولى: يغلب عليها الطابع الأكاديمي (العلمي)، القائم على المنهجيَّة العلميَّة..، أمَّا الثانية: لغة الإبداع: فهي تقُـومُ على الجوانب الفنِّيَّة الإبداعيَّة، المُتعلِّقة بتقنيات وجماليَّات السَّرد (في مجال القصَّة القصيرة والأقصوصة أو القصة القصيرة جدّاً)، فهُناك الزَّمـانُ والمكـانُ والحبكةُ، والشَّخصيَّات، والحــوار، واللغـــة…

بالنِّسْبَةِ لِتَعَـدُّدِ الاهتمامات: رغم صُعُـوبة ذلك الأمـر، إلاَّ أنَّني أتصوَّرُ أنَّهُ من الأُمُور المُمتعة (بالنِّسْبَةِ لِي)، والتِي تَتَضَمَّـنُ كَثِيراً مِنَ التَّحدِّيات والصُّعُـوبات، فَلِكُـلِّ مَجَالٍ طَبِيعَـتُهُ وعَـوَالِمُهُ وفَضَاءَاتُهُ الخَــاصَّة.. وتجربتي المُتواضعةُ في تعدُّد الاهتمامات: ترتكزُ –بدايةً- على تعدُّد وتنوُّع القـراءات، في مجال الثقافة والأدب والتَّاريخ، ومجال التَّنمية والتَّطوير الذَّاتيِّ..، بالإضافة إلى مجال التَّخصُّص(العلوم السِّياسيَّة)، وحاولتُ أنْ أُقـدِّم بعض الأعمال أو المُساهمات المُتواضعة في هــذه المجـالات، فيما سمحت به الظُّرُوفُ، وأتمنَّى أنْ أكُـون قد وُفِّقتُ فيما قــدَّمْتُ.. ورغم أنَّنا في عَصْرِ التَّخَصُّصِ، إلاَّ أنَّ التَّعـدُّد والتَّنوُّع مطلُوبٌ في نظـري؛ منْ أجْـلِ مَزِيدٍ من الفهـم، والعُمق، وسعـة الأُفُـق، بـل والإحاطة -أحياناً- بموضُوعٍ مُعيَّنٍ منْ عدَّة جوانب، أو منْ زوايا مُتعدِّدةٍ، وعــدم الاقتصار على النَّظَـرِ منْ زاويــةٍ وَاحِــدَةٍ فقط.. وعندما أتحدث عن تعدد الاهتمامات تعود بي الذاكرة إلى سنوات الطفولة، حيث أتذكر أنني أعددت وسيلة حائطية شاملة في نهاية المرحلة الابتدائية، وفي المرحلة الإعدادية كنت عضوا في فريق الإذاعة المدرسية، ثم مشرفا عليها في الصف التاسع، وحصلت على جائزة الطالب المثالي آنذاك، وكنت أجري الحوارات مع المعلمين، وأقدم البرامج الإذاعية في المدرسة، كنت أحب لغتي العربية، فقد درست في الكتاب القرآن الكريم..، وتنوعت قراءاتي الأدبية والثقافية، كانت مكتبة أبي ثرية بكثير من المراجع..، كل ذلك ساهم في تكوين حصيلتي المعرفية، وزاد من شغفي بالقراءة والاطلاع، والتنوع المعرفي، الذي انعكس فيما بعد على اهتماماتي في مجالات الكتابة المتعددة..       

-4سُؤالُنا الرَّابعُ أ. السحاتي هُـو: هل مررتم بمحطات الصحافة والإعلام في مسيرتكم المهنية؟، وهل تقلدتم مناصب في مجلات أو صحف ورقية ومواقع إلكترونية؟، وهل تثري الصحافة التجربة الفكرية أو تضعفها؟.

* كانت بدايتي في مجال الصحافة من خلال كتابة بعض المقالات في “الصحف المحلية”، مثل: صحيفة “أخبار بنغازي”، وصحيفة: جامعة “قاريونس” (سابقاً)، وقد حظيت -ولله الحمد- بتشجيع كبار الكتاب والصحفيين في ليبيا آنذاك، ممَّا حفَّزني على مُواصلة المسير في هذا المجال، وتشرَّفتُ بالكتابة في كبريات الصُّحُف والمجلاَّت (المحلِّيَّة والعربيَّة) في فتراتٍ لاحقةٍ.. وفي عام 2016م قُمْتُ بتأسيس مجلَّةٍ علميَّةٍ اسمُها: “شؤون دبلوماسيَّة” العلميَّة، وهي مجلة معنيَّة بالعلوم السِّياسيَّة وحُقُولها المُختلفة، وتشرَّفْتُ بإدارة تَحْرِيرِهَا مُنْذُ تلك الفترة حتى الوقت الحالي. كما أنَّنِي عُضوُ هيئة تحريرٍ في عددٍ من المجلاَّت العلميَّة المُحكَّمة الأُخْرَى، في ليبيا وخارجها.. وعلى الصَّعيد الإعلاميِّ: قُمْتُ بإعداد مجمُوعة برامج إذاعيَّة قُدِّمت في إذاعة بنغـازي المحليَّة قبل عام2011م، منها: برنامج: (غـرائب وعجائب)، وبرنامج: (ذكريات رمضانيَّة).. وغـيرهـــا.. وقمت بإعداد برنامج إذاعي بالاشتراك مع زميل إعلامي، قدم في إحدى الإذاعات المحلية بعد 2011م.         

5-من مآسي أطفال بُلدان في الشرق الأوسط وأفريقيا؛ ما تقشعـرُ لها الأبدانُ، مآسٍ وقضايا؛ قلَّما عالجها السَّرْدُ العـربيُّ، ومنها: أحوالُ تشرُّد أطفال الشَّوارع، وتسليح الميليشيات التَّكفيريَّة والطَّائفية للأطفال، وإجبارهم على عمليَّات انتحاريَّة، ومُشكلة (الجندر)، واعتداءات جنسيَّة على الأطفال منْ قبل كبارٍ يلبسُون ثياب التُّقى والإيمان كذبًا، عدا عن الاعتقالات والإفقار والجُوع والتهجير وغير ذلك، سُؤالنا: هل عالج أُدباءُ العـربيَّة ومُفكِّريها موضُوعاتٍ تختصُّ بهؤُلاء المُهمَّشين؟، وإلى متى يبقى كُتَّابُنا العـربُ، في أفريقيا وبُلدان الشَّرق الأوسط مُتناسين الموضُـوعــات المسكُوت عـنها؟.

* يُوصَفُ الأَدَبُ بِأنَّه “تِلْكَ المِرْآةُ الصَّافِيَةُ لِلْحَيَاةِ، التِي تَلْتَقِطُ صُوَرَهَا، وَتَكْتَنِهُ أَسْرَارَهَا، وَتُعْطِي {بانوراما} عَـامَّةً لَهَا (بِحُلْوِهَا وَمُرِّهَا وَحُزْنِهَا وَفَرَحِهَا)، وَتُعَبِّرُ عَنِ اتِّجَاهَاتِ القِيَمِ وَالسُّلُوكِ الفَرْدِيِّ وَالجَمَاعِيِّ دَاخِلَ إِطَارِ أَيِّ تَجَمُّـعٍ بَشَرِيٍّ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يُعْتَبَرُ ضَرُورَةً مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الحَيَاةِ الّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الإِنْسَانُ مِثْلَمَا يَحْتَاجُ إِلَى الغِذَاءِ وَالهَوَاءِ وَالمَاءِ”، وهي تعكسُ منْ ضمن ما تعكسُهُ مُعطيات الواقع المُعاش في قالبٍ إبـداعيٍّ (قصَّة قصيرة -أُقصُوصة-رواية-شعـر..)، ومن خلال مُتابعتي للمشهد الثقافيِّ العربيِّ أستطيعُ القول أنَّ: ثمَّة اهتماماً واضحاً بتلك القضايا التي ذكرتها حضرتك، خُصُوصاً ما يتعلَّقُ بمُعاناة الأطفال من جرَّاء التَّهجير والحُرُوب في سُوريا واليمن وليبيا، وغيرها من الدُّول التي كانت تُعـاني صراعـاتٍ ونزاعـاتٍ مُسلَّحـةٍ، ففيما يتعلَّقُ بالأحداث في سُوريا (مثلاً) مُنذُ عـام 2011م: نجدُ أنَّ هُناك العديد من الرِّوايات التي ركَّزت على جوانب من المأساة، لأُدبـاء منْ سُوريا، منها على سبيل المثال فـقط: رواية “أيام في بابا عمرو”(2013م) و”عائدٌ إلى حلب”(2013م) للروائي: عبد الله مكسُور، وكذلك: “رواية تقاطُع نيران: يوميَّات من الانتفاضة السُّوريَّة” للأديبة سمر يزبك، ورواية: “نزوح مريم” (2015م) للروائي: محمُود الجاسم، ولا ننسى أعمال الروائي: نبيل سُليمان، والتي منها مثلاً: “جداريَّات الشَّـام: نمنـوما”(2014م)، و”ليل العالم”(2016م)..، وهذه الأعمالُ جميعاً تناولت جوانب عديدة وفُصُول مُتباينة لا تُنْسَى من الأزمة السُّـوريَّة، والتي أنتجت مُعاناةً ظـلَّ المُواطنُ يرزحُ تحتها لسنواتٍ عديدةٍ، بين التَّهجير والنُّزُوح، والمنافي القسـريَّة.. وانقطاع الكهرباء والمحرُوقات ونقص المُعـدِّات الطبِّيَّة.. والإرهاب والتطرف..، وأصبحت رائحةُ الموت في كُلِّ مكانٍ، بيُوتٌ مُدمَّرةٌ، وقذائفٌ، وكثيرٌ من الآلام والغُصص والمآسي المُمتدَّة بلا انتهاءٍ.. وقصصٌ تُرْوَى من شُهُود عيانٍ عن بعض تلك الأحداث.. وفي تصوُّري نجح الأدبُ في نقل ملامح تلك المُعاناة، ليس في الإبداع الرِّوائيِّ فحسب، ولكنْ حتَّى في الإبداع الشِّعريِّ والقصصيِّ والمسرحيِّ والدَّراميِّ.. وهذا هُـو دورُ الأديب والفنَّان المُحترم: أنْ يحمل رسالةً ساميةً، يُعبِّرُ عنها في أعماله، بكُـلِّ إخلاصٍ وموضُوعيَّةٍ، وصدقٍ وتفانٍ، وأنْ يَحْمِلَ مشعـل التَّسامُح والمحبَّة والسَّــلام، وأنْ يطرح الأسئلة التي تَشْغَـلُهُ كَأَدِيبٍ ويَتْرُكَ المساحة المُنَاسِبَةَ لتقـديم إجاباتٍ مُتنوِّعةٍ ومُتعدِّدةٍ، بتعـدُّد وتنوُّع القــراءات لأعماله الإبداعـيَّة..    

وعلى الصعيد الفكري لا يمكن أن ننسى مساهمات المفكر الدكتور/مصطفى حجازي في أعماله العلمية المهمة، وخصوصا كتابه: (التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، 2001م)، وكتاب: (الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية 2006)، حيث قال في مقدمة كتابه الثاني: “المقصود بالبحث هنا إنسان عالمنا العربي في واقعه الراهن، الذي تتوافق الأدبيات على وصفه بالمأزق كيانيّاً، ممَّا يُؤكِّدُهُ المشهد العام لهذا العالم، كما يتجلى للعامة والخاصة سواء بسواء. لابد من الوعي بديناميات هذا المأزق الكياني والقوى الفاعلة فيه والمحركة له فيما وراء طروحات التخلف، وقُصُور الحُرِّيَّة والدِّيمُقراطيَّة التي ما فتئت تتكرَّرُ برتابةٍ تكادُ تُفقدُها كُلَّ حيويَّتها وقُدرتها على الفِعْلِ. لابد من كشف قوى العطالة في هذا العالم وناسه مما لازال خارج الطرح والبحث والمُعالجة”.. بالإضافة إلى أعمال: د.محمد عابد الجابري ود.عبد الإله بلقزيز ود.محمد جابر الأنصاري ود.نبيل عبد الفتاح ود.صالح السنوسي ود.عبد الخالق عبد الله، والأستاذ/السيد يسين، وغيرهم كثير.. وكذلك مجمُوعة من الإصدارات والنَّدوات والمُؤتمرات المُهمَّة التي عُقدت في إطار مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، ومركز الدراسات والاستراتيجية بمُؤسَّسة الأهرام بمصر، وهذه أمثلةٌ فقط، ومُجملُ هذه الأعمال تناول كثيراً من القضايا العربيَّة المُهمَّة، والتي أشرْتَ لبعضها في سُؤالك، وأتصوَّرُ أنَّ ذلك التَّناوُل نتج عنهُ تراكُمٌ معرفيٌّ واضحٌ، ساهم –ولو قليلاً-في تطوير الأطر النظرية في العديد من العلوم الاجتماعية والإنسانية، خصوصاً إذا علمنا أن العديد من الأعمال الفكرية العربية الرصينة ترجم لعدة لغات، مما ساهم أيضا في التعريف بالقضايا العربية والمفكرين والكتاب العرب في السنوات الأخيرة.         

-6كيف تَنْظُـرُ حضرتك إلى المشهـد الثقافيِّ الليبيِّ؟، هل يحملُ ميزات الواقع الثقافيِّ العربيِّ؟، أي ألا يزالُ يتَّصفُ بالعـدميَّة والأمِّيَّة الثقافيَّة وتدني مُستوى القيم الأخلاقيَّة في مُؤسَّسات السِّياسة المُسيطرة على الأنشطة الثقافيَّة؛ على ما بات معـرُوفًا لدى قلَّةٍ من المُثقفين الواعين؛ لحقيقة مُعضلة الثقافويَّة المُنتشرة بيننا؟، كيف بإمكان المُثقف العُضويِّ، أو الهوويِّ، أنْ يستزرع وعيًا مُختلفًا في المُجتمع العـربيِّ؟، لاسيِّما أنَّنا نعيشُ في مرحلة تاريخية مفصليَّة إبان ثورة “الرَّبيع العـربي” المُنتشرة في مُعـظم الأقطار العـربيَّة في العقد الأخير؛ إذ احتشدت المآسي الجماعيَّة والحُرُوب الأهليَّة، وازداد القهرُ والإفقارُ والجهلُ والفسادُ في مُعـظم الدُّول العـربيَّة، تُرى.. كيف انعكست هذه الأحداثُ الخطيرةُ وتداعياتها على الفكر والثقافة والأدب، وعلى الرواية العربية بشكل خاص؟، هل رصدتَ من موقعـك بصفتك أديبًا مُثابرًا ومُجتهدًا معالم دربٍ يُؤسِّسُ لرُؤى سياسيَّة واجتماعـيَّة جديدة، ويُؤصِّلُ لكتابةٍ إبـداعـيَّةٍ مُختلفةٍ عـن السَّابـق؟.

* المشهـدُ الثَّقافيُّ الليبيُّ -بشكلٍ عـامٍّ- تأثر بالأحداث التي عصفت بالدَّولة مُنذُ عام 2011م، لقد حدث تغييرٌ سياسيٌّ مُـدَوٍّ في الدَّولة، كان هُناك نظامٌ سياسيٌّ قائمٌ على أيديُولوجيَّةٍ راديكاليَّةٍ، ويتبنَّى نظريَّةً سياسيَّةً معيَّنةً، وبعد ما يُقاربُ 42 عاماً انتهى كُـلُّ شيءٍ، تغيَّر النِّظامُ السَّابقُ، وجاء نظامٌ جديدٌ، يحملُ قيماً سياسيَّةً جديدةً، قائمةً على الدِّيمُقـراطيَّة والتَّعـدُّديَّة والحُرِّيَّة..، وبالتَّأكيد المشهــدُ الثقافيُّ تأثر بشكْلٍ كبيرٍ بكُــلِّ تلك الأَحْـدَاثِ، اتَّضحت التأثيراتُ في المُنتج الثقافيِّ والإبداعيِّ الليبيِّ، حيثُ تناولت العديد من الأعمال الليبيَّة موضُوع الثورة والتغيير السياسي، والقيم الجديدة (كالحرية والديمقراطية وحُقُوق الإنسـان…إلــخ)، وسوف أضرب هنا أمثلة بسيطة على بعض تلك التأثيرات المُشار إليهـا، أولاً: أعمال الروائي والأكاديمي الليبي دكتور/صالح السنوسي: حيث قدم السنوسي عددا من الأعمال الفكرية والروائية المهمة، منها: على الصعيد الفكري: العرب من الحداثة إلى العولمة، القاهرة،( 2000)، العولمة: أفق مفتوح وإرث يثير المخاوف، القاهرة، (2003)، المأزق العربي: غياب الفعل الجماعي وعُنف الأقلية، القاهرة، (2004)، إشكاليَّة المُجتمع المدني العربيِّ: العُصبة والسُّلطة والغرب، القاهرة، (2011).. وفي المجال الإبداعيِّ له: رواية: “يوميات زمن الحشر”، القاهرة، (2012).. ورواية: “الهروب من جزيرة أوستيكا” القاهرة،(2018).. ثانياً: أعمال عالم الاجتماع الليبي الأستاذ الدكتور/مصطفى عمر التير، ومنها: كتاب: “أسئلة الحداثة والانتقال الديمقراطي في ليبيا: المهمة العصية”، بيروت، (2013)، وكتاب: صراع الخيمة والقصر: رؤية نقدية للمشروع الحداثي الليبي، بيروت، (2014). ثالثاً: أعمال عالم السياسة الليبي: علي عبد اللطيف حميدة: ومنها: كتاب: “الأصوات المهمشة: الخضوع والعصيان في ليبيا..”، بيروت، (2009).. كتاب: “ليبيا التي لا نعرفها: دراسات منهجية في التاريخ والثقافة والمجتمع الأهلي”، طرابلس،(2013).         رابعـاً: أعمال الكاتب والأديب: أحمد الفيتوري، ومنها: رواية “ألف داحس وليلة غبراء”، بنغازي-القاهرة(2016)، وكتاب: “ليبيا في مهب الربيع العربي”، بنغازي-طرابلس(2018)، وكتاب: “ثقافة في وضع غائم”، بنغازي(2020). وغيرها كثير مـمَّـا لا يتَّسِـعُ المقــامُ لِذِكْـرِهِ هُـنَـا.. وأقـولُ ختاماً: يُلاحظُ من الأمثلة السَّالفة الذِّكر أنَّ: الأعمال الفكريَّة والإبداعيَّة الليبيَّة تناولت مُعظم القضايا المُهمَّة والحيويَّة بالنِّسبة للدَّولة والمُجتمع الليبيِّ، وتحدثتْ عن أوضاع ليبيا قبل عام 2011، وما طرأ عليها من تغييراتٍ سياسيَّةٍ وثقافيَّةٍ واجتماعيَّةٍ بعد السَّـابـع عـشـر من فـبرايـر عـــام 2011..   

بالإضافة إلى ذلك، نُلاَحِظُ أنَّهُ بعد 2011 حدثت طفرةٌ واضحةٌ في “الفنِّ الرِّوائيِّ”، كتابةً ونَشْراً وقراءةً، حيث سُمِحَ لكُتَّابِ المهجر بالعودة للوطن، ووُزِّعَتْ أعمالُهُم القديمة والجديدة، وبرزت أسماءٌ جديدةٌ في هذا المجال، ولُوحِظَ تنوُّع مواضيع الرِّواية الليبيَّة في هذه المرحلة، حيثُ كان من بينها: حُقبة النِّظام السَّابق بكُلِّ ما فيها (ثقافيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً)، والمرحلةُ الجديدةُ التي دخلت فيها البلدُ، بأحداثها وتطوُّراتها، وما شهدهُ المُجتمعُ من تغيُّراتٍ واضحةٍ على أكثر من صعيدٍ، وضمن هذا السياق، وصل الأدب الليبي إلى العالم عبر جهود الترجمة المحلية والعربية والعالمية، وتحصل أدباء ليبيون على جوائز عالمية، وهنا أذكر الروائي/ هشام مطر، الذي تحصل عام 2017 على جائزة أحسن كتاب للسنة من منظمة أمريكية عن كتابه “العودة”، ونال الكتاب ذاته “جائزة البوليتزر”، وجائزة الكتاب الأجنبي الفرنسية في ذات العام، كما نال جائزة “مان بوكر الدولية” عن كتابه “في بلد الرجال”، وجائزة “الأخوين شول”.       

 7- نعيشُ هذه الأيام في زمن جائحة كورونا، التي تنتشر على المُستوى العالميِّ، ترى.. أتغير هذه الجائحة من طبيعة العلاقات الاجتماعية المتسمة بالكراهية والقسوة التي استمدت من قيم الاستهلاك والفساد بين أفراد المجتمع؛ بعد أن تتجاوز البشرية هذه الجائحة؟، أمن الممكن أن تصوّب الإنسانية مسار العولمة المرتبط بأمركة شعوب الأرض، وتقويم سياسات القهر والفساد، والاتجاه نحو سياسات أكثر عدلًا ومساواة؟.

* دفع ظُهُـورُ فيروس كورونا المُستجد (كوفيد 19) (Corona Virus) في نهاية عام (2019م)، في مدينة ووهـان بجُمهُـوريَّة الصِّين، وانتشاره السَّريع والمُخيف، وتسبُّبهُ في إصابة أكثر من خمسة ملايين مُصابٍ حول العالم آنذاك، ووفاة أكثر من ثلاثمائة ألف شخصٍ في دُولٍ عدَّةٍ، مُعظمُها من الدُّول المُتقدِّمة صناعيّاً: مُنظَّمة الصِّحَّة العالميَّة (who) إلى أنْ تُصنِّفهُ في الحادي عشر من شهـر مارس 2020م، بأنَّهُ: “جـائحةٌ عـالميَّةٌ”، تغيرت عند ظهورها كثير من تفاصيل حياتنا، وانعكس التغير على الشأن الثقافي والاجتماعي.. إننا على ما يبدو نعيش في: “مجتمع المخاطر العالمي”، حسب تعبير السوسيولوجي الألماني أولريش بيك (1944-2015).

وكما هُو معلُومٌ للجميع فقد أفرزت التَّطوُّراتُ المُعاصرةُ تغيُّرات اجتماعيَّة بارزة، أجبرت الفرد على التخلِّي عن بعض الأنماط الاجتماعيَّة التقليديَّة، بسبب تغيُّر الظُّرُوف الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وتبدُّل الأدوار، والظُّرُوف الحياتيَّة، كما هو الحال مع انتشار “جائحة كورونا”، حيث دعا الأطباء إلى ضرورة “التباعد الاجتماعي” للحد من انتشار المرض. وكان منْ أهـمِّ تداعيات جائحة (كورونا) فرضُ نظريَّة “التَّباعُـد الاجتماعيِّ”، التي أُرْغِمَ الجميعُ على تطبيقها طوعاً أو كـرهـاً، وقد استدعى العمل بهـذه النَّظريَّة تفكيك احتشاد الناس في الأماكن المُختلفة، وعدم إقامة الفعاليَّات الثَّقافيَّة أو الإبداعـيَّة أو غيرهما.. أيضا: ساهمت هذه الجائحة في إعادة تقييم العلاقات الاجتماعية، ودراسة تأثيرها على تلك العلاقات، خصوصا في فترات فرض الحظر المنزلي، والتباعد الاجتماعي، والحجر الصحي..، وأشار بعض الخبراء إلى: أن الأسئلة ما تزال تطرح حول كورونا، كيف ستؤثر الآثار الصحية والاقتصادية والمجتمعية لتفشي المرض على العلاقات الاجتماعية، مثل التماسك الأسري، والتفاعلات فيما بين الأصدقاء، والأزواج، والزملاء، والمدرسين والطلاب؟. ولا تزال أسئلة هناك أيضا حول: ما إذا كان الناس سيشعرون بشكل أو بآخر بالارتباط بالآخرين؟، وما هي الآثار الناجمة عن عمل الأشخاص من المنزل في نفس البيئة التي يعيش فيها أطفالهم وأفراد أسرهم؟، وكيف سيتعامل الأشخاص في الأماكن العامة؟.. وفي هذا السياق، من المهم الأخذ بعين الاعتبار أن السياق الخاص في كل بلد سيؤثر على كيفية ومدى تبدل العلاقات والسلوكيات الاجتماعية أو تغيرها أو تحولها”.(أنظر: مجموعة باحثين، تقرير: الآثار الاجتماعية والاقتصادية لجائحة كوفيد 19 في الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، (سيسرك)، مايو 2020م).

-8الاستشرافُ فعـلٌ يستبقُ معـرفة مُغيَّبة في المُستقبل، ويحدُثُ نتيجة الإمعان بأحداث ومعطيات سابقة وحاضرة، ويتعلق مفهوم الاستشراف بالزمن النفسي من بين الأزمنة المتنوعة في النصوص السردية، ولعل ما يهمنا منها هو هذا الزمن لأنّه حاضر في واقع الشخوص الفاعلة في فعل السرد عن طريقين: معرفة الشخصية لذاتها حاضرًا وماضيًّا أولا، وثانيا: استشرافها المستقبل؛ إذ زمن السرد النفسي يتعلق بالتوقع والانتظار والأمل والرجاء والتذكر والحنين…، تُرى ما الذي يخبرنا به أ. خالد السحاتي عن الرؤى الاستشرافية للكتابات الفكرية والإبداعية الليبية؟ هل هناك كتابات عـربية استشـرافـية؟.

* يمكن تعريف اصطلاح “الاستشراف” باختصار: بأنه “مجموعة من الأنشطة التي تعمل على تحسين عملية صنع القرار، ويكمن الهدف الأساسي منه أن تصبح في موقف أقوى في المستقبل.”. يقول الفيلسوف الفرنسي موريس بلونديل: “لا يجري توقع المستقبل، بل يجري الاستعداد له”.. لذلك، يعتبر الاستشراف “اجتهاد علمي منظم يهدف إلى صياغة مجموعة من التوقعات المشروطة، أو السيناريوهات التي تشمل المعالم الرئيسية لمجتمع معين”..

وبخصوص الكتابات الاستشرافية في عالمنا العربي، سوف أشير إلى أبرز النماذج في هذا الصدد: “مشروع استشراف مستقبل الأمة العربية”، الذي انطلق في إطار مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، وأشرف عليه وترأس فريق الباحثين المفكر الراحل د.خير الدين حسيب. واستهدف هذا المشروع-الذي بدأ تنفيذه عام 1983م-استشراف مستقبل العالم العربي خلال ثلاثة عقود (1985-2015م).. وقد حاول المشروع أن يتوصل إلى تصورات متباينة للسيناريوهات الممكنة والمحتملة للمستقبل العربي.. وقد صدر كتاب يتضمن أبرز ملامح هذا المشروع وتقريره، تحت عـنوان: “مستقبل الأمة العربية: التحديات والخيارات”، 2002م.. هناك أيضا مشروع: “مصر: 2020″، الذي تم تنفيذه من قبل منتدى العالم الثالث وبدعم رمزي من الحكومة المصرية، واستهدف المشروع صياغة رؤى مستقبلية بديلة لمصر، وبلورة منهج جديد في إدارة شئون الدولة والمجتمع. وانطلق هذا المشروع عام 1995م ليغطي فترة 25 عاما.. هُناك أيضاً: “رُؤية السُّعوديَّة 2030″، وهي خُطَّةٌ تمَّ الإعلانُ عنها في 25 إبريل2016، نَظَّمَ الخُطَّة مجلس الشؤون الاقتصاديَّة والتنمية، ويشتركُ في تحقيقها كلا من القطاع العام والخاص وغير الربحي.. يُوجدُ أيضاً: “مشرُوعُ سوريا: 2025″، الذي أطلقه برنامجُ الأمم المُتحدة الإنمائيَّ عام 2005.. وقد تميزت هذه المشاريع بشكل عام بأنها قامت أساسا على عمل جماعي بحثي، يركز على المقاربات العابرة للتخصصات، والتي من ضمنها مجال “الدراســات الاستشرافـيــة”..

أما بالنسبة للنموذج الليبي فقد كانت هناك مبادرة بارزة، في فترة النظام السياسي السابق، سميت: “مشروع: ليبيا 2025: رؤية استشرافية”، وقد تم تشكيل فريق عمل من خيرة خبراء ليبيا(2008)، لإعداد هذا المشروع، ضمن إطار مركز البحوث والاستشارات بجامعة قاريونس سابقا (بنغازي حاليا)، وتحت إشراف مجلس التخطيط الوطني آنذاك. وقد طرحت الرؤية ثلاث سيناريوهات، الأول: يشير إلى استمرار الوضع الراهن، حيث يفترض تضافُر مجمُوعة من العناصر تعملُ على استمرار الأوضاع الحالية (في ذلك الوقت)، مع إدخال بعض التعديلات على النظام الاقتصادي. ويعتمد الثاني: على ثقافة النهوض والتنمية المستدامة، بافتراض مجموعة من العناصر الإيجابية التي يمكن أن تسهم في تحقيق مُجتمع الأمن الإنساني، أبرزها إرادة سياسية داعمة للتغيير. وأخيراً: سيناريو الاحتواء المُشابه لسيناريو استمرار الأوضاع الرَّاهنة، وهُو يتناقضُ أساساً مع مفهُوم “الثورة المُتجدِّدة”.. وأشارت الرُّؤية إلى جُملةٍ من التَّحدِّيات العامَّة منها: تحديات عامَّة، حيثُ حالة الإحباط العام والعزوف عن المشاركة، وتخلف الأطر الإدارية والمؤسسية والقانونية، وعدم جاهزيَّة البُنى التَّحتيَّة في مُختلف القطاعات.. وقد أثار هذا المشروع آنذاك ردود أفعال متباينة بين مؤيد ومنتقد.. وليبيا اليوم في أمس الحاجة لمشروع استراتيجي لتحقيق التنمية الوطنية الشاملة، وتطوير التعليم والاقتصاد..، وبناء دولة القـانـون والمُؤسَّســات.

9-انطلاقًا من أنّ الجوائح والكوارث والحروب المدمرة توازي بفعلها الثورات، فهي كاشفة عن عيوب المجتمع النسقية، ومؤسسة لأنساق اجتماعية جديدة، وقد لاحظنا تغيرات في الدول القادرة على تحديد مخاطر الفيروس وتوضيح مدى انتشاره، فكانت الشفافية والعلنية، وفي بعض المدن العربية كثير من المبادرات التي أطلقتها مؤسسات المجتمع المدني والأهلي، ومن المعروف أنّ فعاليات هذه المبادرات لا تبدأ إذا ما رافقها توعية، يقوم بها أفراد الكيان الثقافي في المجتمع، إضافة إلى دور الأسرة المرتكز على احترام الثقافة والكتاب، والسؤال أستاذ خالد: هل أدركت أنشطة قام بها مثقفون ليبيون تلبية لمبادرات هادفة إلى مواجهة الجائحة، وهل لاحظت تغيرات حصلت على قيم مُجتمعنا وسلوك أفراده، لاسيّما الاهتمام بالكتاب والقراءة؟، وهل يسعى الناس إلى التخلّي عن عيُوب مُجتمعـيَّة نسقيَّة تزيدُ من خُطورة الجائحة؟، ألمحت مساراتٌ جديدةٌ تُؤسِّسُ لمُستقبل مُختلفٍ اجتماعيًّا وثقافيّاً وعلميّاً؟.

* نعم، بالفعل تُوجدُ مُبادراتٌ ثقافيَّةٌ في ليبيا حاولت مُواجهة الجائحة، رغم فترة الحظر الطَّويلة، التي توقفت فيها المؤسسات الثقافية والأكاديمية عن العمل، ورغم قلة الإمكانيات، بسبب ظروف الأزمات العديدة التي مرت بها الدولة.. ومن تلك المبادرات: عمل مركز وهبي البوري الثقافي في مدينة بنغازي، (التابع للهيئة العامة للإعلام والثقافة-مكتب اﻹعلام والثقافة-بنغازي(، حيث أن هذا المركز يعمل على نشر الوعي بين أبناء المجتمع، من أجل خلق جيل ناجح ومثقف، يُساهمُ في تحقيق مُستقبلٍ مُشرقٍ، وذلك من خلال إقامة: المُحاضرات التوعويَّة، والنَّدوات والأمسيات الأدبيَّة وغيرها.. وفي نهاية عام الجائحة 2020م، بدأ المركز يعاود نشاطه تدريجيا، مع القيام بالإجراءات الاحترازية، حيث توجد به مكتبة، تقدم خدماتها للزوار من القراء والباحثين، كما يتعاون المركز مع عدد من المنظمات الوطنية، لإقامة الدورات التدريبية، والمحاضرات، والأمسيات والندوات ومعارض الفنون التشكيلية، وغير ذلك.. وفي نهاية ديسمبر 2020م افتتحت الهيئة العامة للإعلام والثقافة في الحكومة الليبية معـرض بنغازي للكتاب، بمشاركة العديد منْ دُور النَّشر والمكتبات، واستمرَّ هذا المعـرضُ لمُـدَّة تسعـة أيَّامٍ، وأُقيم على هامشه أمسيَّات أدبيَّة وثقافيَّة.  

ولا ننسى أن بعض الجامعات الليبية بادرت إلى إنشاء منصات رقمية لبث المحاضرات العلمية، المتعلقة بالمقررات الدراسية، من أجل استمرار العملية التعليمية التي تأثرت سلبيا بسبب جــائحـة كـورونا.

أما بخصوص مسألة التغيير على صعيد المجتمع، فهي بطبيعة الحال تحتاج إلى تضافر الجهود، ووجود رغبة جادة وإرادة صلبة لإحداث التغيير الإيجابي المنشُـود.. في هذا الإطار، يتساءل المفكر الراحل هشام شرابي: “كيف لنا أن نحدث تغييرا في المُجتمع؟، فالمُجتمعُ لا يُمكنُ تغييرُهُ إلاَّ بتغيير العائلة، وهذه الأخيرةُ لا يُمكنُ تغييرُها إلا بتغيير المُجتمع، والاثنان مُترابطان بشكلٍ لا يقبلُ التَّفرقة. منْ هُنا كانت أهمِّيَّة الإدراك الذاتي، والمعرفة النَّقديَّة والوعيِّ الاجتماعيِّ، فهماً وإدراكاً وعملاً، في مُعـالجة هذه المُعضلة”.. (هشـام شــرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ط3، بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1981م، ص ص65-66). إنَّ أهمَّ ركيزةٍ من ركائز التنمية اليوم –في نظري- هي “تنميةُ الذِّهنيَّة العربيَّة”، منْ خلال تطوير طُرُق التَّفكيــر وأنماط التَّعامُل مع الواقع الرَّاهن، وجعْلِهَا أكثر عقلانيَّة، فالتنمية الذهنيَّةُ هي مفتاحُ التَّغييـر المنشُـود، والقراءةُ هي طريقُ العلم والمعـرفـة..

10-أثبتت الجوائحُ التي أصابت البشر تاريخيًا أنّها غيّرت مناحي الأدب والنقد والعلم والفكر والفلسفة والدين، ووصل بالبعض لمساءلة العدالة الإلهية، ولعلّ العالم –اليوم– يجيب عن أسئلة جديدة بظل جائحة كورونا، ومرض COVID-19، وغيره من الأمراض المعدية، التي نشرها وينشرها فايروس كورونا، أسئلة تتعلقُ بتوظيف الإنترنت لمُراقبة الأوبئة، واستخدام أنظمة إنذار مُبكرة للكشف وتتبع الأمراض، وتطوير الذكاء الاصطناعي لصناعة الأدوية، وتوظيف الروبوتات الأقل عُـرضة للفيروسات، وغير ذلك، ومن جهة أخرى فإنّ هذه الجائحة التي تتسم طرق معالجتها بالعلنية وتوفير المعلومات والكشف عن الحقيقة، أبرزت دور العلم والتكنولوجيا المتزايد في مسارات حياتنا، لاسيّما دور الكيان الصحيّ، وإلى جانبه كيان المثقفين الذي يسهم أفراده بقيادة المجتمع في دروب مُواجهة الجائحة ومعالجة آثارها الاجتماعية والاقتصادية، كما أظهرت عجز الساسة، وعدم جاهزيتهم للمواجهة، أستاذ خالد السحاتي، ليتك تحدّثنا عن دور الكتاب والأدباء والعلماء والتكنولوجيا المُعاصرة في قيادة كيان الثقافة للمُجتمعات الإنسانيَّة، وتوجيه المُثقفين الجادِّين والعُضويين للسِّياسات في عالم ما بعـد جائحة كـورونا؟.

* الحقيقة هذا السؤال يحتاج لشرح وتفصيل، لكن المقام لا يتسع لمثل ذلك التفصيل، لذلك فإنني أقول إجمالا: أن دور الأدباء والكتاب والعلماء في عالم ما بعد جائحة كورونا: حمل مشعل التغيير الإيجابي، ونشر ثقافة التسامح والسلام، والمحبة والوئام في العالم، نحن نعيش في عصر تفاعل الثقافات، وإفادتها من بعضها البعض، وتطورات ما بعد الجائحة أعادت إلى الأذهان مجموعة أفكار، منها: أن العالم دخل مرحلة جديدة من مراحل “التغيير الإلكتروني”، فكل شيء أصبح قائما على العمليات الإلكترونية أكثر من ذي قبل، مدارس إلكترونية، دراسة عن بعد، بطاقات إلكترونية، ولهذا يرى بعض الخبراء أن: “سنة واحدة من هذه الجائحة العالمية كفيلة بأن تحمل معها عقداً أو أكثر من التحوّل الذي لم نشهده من قبل”.. بالفعل، شهد العالم تغيرات مذهلة، بل خلقت الجائحة ذاتها سياقا من عدم اليقين، أثر على كل شيء في حياة الإنسان.. لذلك، فالواجب علينا كدول عربية الاستفادة من هذه الظروف، لتحقيق التطوير العلمي والاقتصادي، والعمل على الخروج من دائرة التخلف والتبعية، وصنع مستقبل أفضل للأجيال القادمة.      

11- أخيرًا، نطمع في مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر بالإسكندرية، أن نسمع من حضرتك توجيهات لسياسة المركز بصفتك خبيرًا في تنشيط الثقـافة والإبـداع؟.

* في الحقيقة مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر في الإسكندرية (من فاعليات شركة ليفانت لتنمية الموارد البشريّة) يُعتبرُ في نظري من المُؤسَّسات العربيَّة الرَّصينة، أقُولُ ذلك عن قناعةٍ؛ لأنَّني مُتابعٌ مُنذُ فترةٍ لنشاطات المركز المُختلفة، هُناك جُهُودٌ جبَّارةٌ تُبذلُ ليكُون “ليفانت” منارةً للثَّقافة والإبداع في عـالمنا العــربيِّ، وهذا واضح من خلال: الدورات التدريبية، وورشات العمل والندوات والمُحاضرات التي يُقيمُها المركزُ، في إطار الاستثمار في تطوير الموارد البشريَّة وتنميتها، وأنني أتوجه إليكم بالشكر على هذه الجهود الرائعة، وأؤكد لكم أن أفضل سياسة يمكن أن ينتهجها أي ناشر هي التركيز على “الجـودة”، وتقديم أفضل الأعمال إلى القارئ، وجودة العمل تبدأ من النص المقدم، والمجاز للنشـر، ثم جـودة الكتاب ذاته، من الناحية الطباعية والإخراجية، وتسويقه بالشكل الصحيح في كل المعارض العربية والعالمية.. وفي الختام أتمنى لكم دوام التوفيق والتقدم والسداد، وكل عام وأنتم بكل خير.. مع خالص مودتي وتحياتي..      

 

مع تحيات د. أدهم مسعود القاق

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: