قصة قصيرة

جزيرة ذئابِ البحر.. قصة: كيفين واتسون(*) ترجمة: رجب سعد السيد.

         رجب سعد السيد 

 

كانت البداية أن شد سرطان البحر شعر “آندي”.

  لما فتح عينيه، وجد سرطاناً بحرياً طويل الأطراف، تقبض كلاباته على خيوط من الشعر، فلوَّح أندي بيده تجاهه، وصاح: (إبتعد!). وكان ثمة شيئ مشدود إلى بنطاله الجينز. نظر لأسفل. وجد سرطان بحر آخر، فلهث جزعاً، فقد كان يحيط به عشرات من تلك المخلوقات. حاول أن يقف غير أن الدوار أصابه، ففقد توازنه. وكان لسقوطه على بعض السرطانات صوتُ طحن فظيع، وأسرعت بقيتُها نحوه، فصاح: (لا!). وتحامل على نفسه لينهض ويلوذ بالفرار، فأبعد السرطانات، غير أنه كان عاجزاً عن تبين طريقه. صاح: (نظارتي!). وتحسس صدره بيده، فوجد النظارة تتأرجح وهي معلَّقة بالخيط الذي وضعه حول عنقه. راح يدفعهم بعيداً عنه؛ وتبين أنه أمام شاطئ فيه صخور. لم يتوقف عن العدو، رغم أنه غير مخطئ. وفجأة، حدث هبوط للرمال تحت قدميه، ووجد نفسه يغرق فيها حتى وسطه. إنها الرمال المتحركة!. ستسحبه لأسفل وتخنقه.

   قال أندي لنفسه: لا تخف، ولا تقاوم؛ وأغلق عينيه محاولا أن يبقى ساكناً. ولم تعد الرمال تسحبه بنفس السرعة التي بدأت بها، إلا أنه كان بمستطاعه الإحساس بأنها تجرجره ببطء إلى اعماقها. وسمع صوتاً يصيح به: (لا تغلق عينيك!). ماذا؟. كأنه صوت “هيلين”. وفتح عينيه فرأى أخته، وكانت تبدو بهيئة مفزعة، كأنها وحش بحري غريب؛ وكانت أعشاب بحرية تغطي كتفيها ووسطها. قالت: (تعلَّق بهذا). وألقت إليه بطرف حبل، وكانت الرمال المتحركة تكاد تصل إلى صدره. فأحكم قبضته على الحبل قدر استطاعته. وقالت هيلين: (لا تُفلِته، فلعلي أتمكن من إخراجك من هناك).

  وكانت هيلين أكبر وأطول من أندي، فراحت تشدُّ الحبل بكل قوتها، وكان أندي يستحثها وقد تهدجت أنفاسه. ولم تكن الرمال لتطلق سراحه بدون مقاومة، وكانت قد سحبت رجليه. وأخيراً، حققت هيلين تقدماً، وبدأ أندي ينزلق خارجاً؛ وسرعان ما تمكنت هيلين من إخراجه؛ وكان قائماً على أطرافه الأربعة، يسعل ويحرك يده محاولاً إزالة الرمل من فمه، وقد وقفت هيلين قبالته، تلهث قائلةً: (لقد حالفنا الحظُّ حين قذفت الأمواجُ بالحبل إلينا عند الشاطئ، ولكن القارب اختفى، فلا أثر له). قال أندي: (لا أعرف، وأعتقد أنني كنت فاقداً للوعي).

   أعانت هيلين أندي ليقف، فقال لها: (إسمعيني للحظات .. إن سرطانات البحر  قادمة في أثرنا، فدعينا نلجأ إلى هذه الصخور). وتسلق الأخوان الصخور، وراحا يستطلعان ما حولهما. كانا في خليج، وإلى الخلف منهما كثبان رملية وواجهة منحدر، وأمامهما الشاطئ الغادر ووراءه البحر. قال أندي: (إن البحر هادئ للغاية، فماذا حدث لنا؟). التفتت إليه هيلين: (لعلك لا تعرف، حقاً. المحقق أن خبطة لحقت برأسك عندما انقلب القارب). قال أندي: (فعلاً، فقد اصطدم شيئ ما بالقارب. إنني أتذكر ذلك الآن؛ ولكن، ماذا كان ذلك الشيئ؟).

  وأخذت هيلين تنزع أعشاب البحر من على ملابسها، وقد بدا عليها الاشمئزاز. وقالت: (أنا لم أره، إلا أنه كان يتحرك تحت الماء بسرعة). تساءل أندي: (تحت الماء؟). وتخلصت هيلين من آخر خيوط الأعشاب البحرية الملتفة حول كتفيها، وهي تقول: (نعم، تحت الماء. إنك يا أندي لا تمل من قراءة الكتب عن البحر والقوارب، والمفروض أن تكون لديك فكرة عن ذلك الشيئ). ولم ينطق أندي غير كلمة واحدة: (ربما ..)، إذ قاطعه صراخ لفت انتباهه وأخته.

  نظرا لأعلى، فرأيا نسرَ بحرٍ يغوص متجها إليهما وقد شرع مخالبه. قال أندي: (لا بد أن له عشاً في هذا المكان، فدعينا نبتعد!). ولما انقضَّ النشر فوقهما، تنحيا جانباً في تعثُّر، وحاول أن ينال منهما بمنقاره، فتفادياه، وقاما بدحرجة الصخور على كثيب رملي معشوشب. وصاحت هيلين: (هيا إلى المنحدر)؛ وركضا عبر الكثيب، ونظر أندي إلى الخلف فرأى النسرَ يحلق صاعدا إلى السماء، لكن ذلك كان للحظات، إذ لم يلبث أن عاد ينقضُّ باتجاههما، فقال أندي وهو يدفع هيلين: (إنبطحي)، وسقطا معاً سقطة أمامية. وأحس أندي بمخلب النسر ينبش ساقه. ونظرت هيلين لأعلى، وقالت: (أترى؟ .. أمامنا كهف)، وكانت تشير باتجاه واجهة المنحدر، فهزَّ أندي رأسه موافقاً، وانطلق الأخوان نحو الكهف، إلا أن قدم أندي تعثرت في كومة عشب، فسقط مرتطماً بالأرض.

  وجدها النسر فرصة سانحة للقضاء عليه، فاندفع منقضاً، فما كان من أندي إلا أن قبض على حفنة من الرمال، وقذف بها الطائر الكاسر، الذي صرخ منسحباً وهو يهز رأسه، فنهض أندي مسرعاً ليلحق بهيلين. ولم يكن ما حسبته هيلين كهفاً إلا صدعاً في المنحدرات، غير أنه كان كافياً لأن يختبئ فيه الأخوان. وأطلت هيلين للخارج باحثة عن النسر، وقالت وهي تتنهد: (أرجو أن يكون قد عاد إلى عشه). وقالت: (أعتقد أن قاربنا قد جنح بنا، وأن هذه هي جزيرة ثعلب البحر). قال أندي: (جزيرة ثعلب البحر؟ .. ولكنها مهجورة، ولم يطأها أحد). قالت هيلين: (تماماً)؛ وأمسكت بذراع أخيها وهي تقول له بصوت خفيض: (إسمع!).

  تناهى إلى سمعيهما صوتٌ خافتٌ لمحرِّك. كان محرك قارب، لم يلبث أن ارتفع، فأطلا باتجاه البحر، فرأيا قارباً مطاطياً سريعاً يتقدم من ناحية مدخل الخليج، يكاد يطير فوق صفحة الماء. قالت هيلين: (إنه زورق إنقاذ). سحبت أندي من ذراعه وهي تقول (هيا بنا)، فهز أندي رأسه رافضاً: (لا .. لنتمهل). قالت هيلين: (ماذا تعني؟). قال أندي: (أنظري جيداً). كان على متن القارب ستة رجال، وكان غثنان منهما يحملان صبياً، بينما كان بقيتهم يحملون أسلحة نارية. قال أندي: (إنه ليس زورق إنقاذ، وهم ليسوا إلا قراصنة).

  وراقبوا من موقعهم بالكهف تباطؤ الزورق، فلما انزلق على الشاطئ غادره الرجال قفزاً، وتقدم ثلاثة منهم قابضين على مواسير بنادقهم، مستخدمين نهاياتها في إبعاد سراطين البحر التي انطلقت مسرعة باتجاههم، بينما حمل الإثنان الآخران الصبي متقدمين به. أما الرجل الأخير، الذي وضح أنه آمرهم، فكان يسير خلفهم، وكان بميسور كل من أندي وهيلين، من مخبأهما، أن يرياه جيداً. وهمس أندي: (أنظري إليه). كان بلا أذن وعين في الجانب الأيسر من وجهه.

  وفي تلك الأثناء، إرتفع نسر البحر من عشه فوق الصخور، وراح يصرخ وهو محلِّق فوق رؤوس الرجال، فأطلق الرجل ذو الوجه المشوه بندقيته، فلم تصب الرصاصة النسر، غير أن الضجة كانت صاخبة على غير المتوقع، فندت عن هيلين صرخة قصيرة، فالتفت الرجل باتجاه المنحدر، فانحنى أندي وهيلين منكمشين. دام ذلك لثوان معدودة، بعدها واصل الرجلُ تقدمه نحو رفاقه، وأصدر مزيداً من الأوامر، فاستعملوا بنادقهم في دق أوتاد في الرمال، فلما انتهوا منها وضعوا الصبي في وسطها، وكبَّلوه أرضاً. وفي أثناء ذلك، كانت السراطين قد أحاطت بالجميع، مشرعة كلاباتها. ولم يلبث الرجال أن عادوا إلى زورقهم، مخلفين الصبي لمصيره، وانطلق بهم الزورق بغير أن يلتفتوا للخلف، فخرج أندي وهيلين من موقع اختبائهما. وقال آندي: (علينا أن ننقذ الصبي).

   وكانت السرطانات تتزايد ويظهر منها المزيد، وراح بعضها يجذب ملابس الصبي. قالت هيلين: (تولَّ أنت الأمر). ولم يضيع أندي وقتاً في أن يسألها عما تعنيه، فقد كان يعرف أن لديها في أغلب الأحيان أفكاراً ذكية. وخلع أندي قميصه، والتقطت هيلين حجراً ربطته بأحد كُمَّي القميص، وقالت: (هيا بنا)، ومضيا معا قاصدين الصبي. وأردفت: (أنت تفك قيوده بينما أنا أُبعدُ السرطانات، وحذاري من الرمال المتحركة والنسر)؛ وانطلقت تركضُ بين السرطانات ملوِّحة بالقميص حولها، ونجح الحجر في تشتيتها بعيداً عن الطريق.

  وصل أندي إلى الصبي الذي كان يبدو في عمر هيلين، وسأل آندي: (من أين أتيت؟)، فأجابه: (لنؤجل الكلام)، وقام بفك قيد أحد معصمي الصبي، فتحررت واحدة من يديه، مما يسر له مساعدة آندي في تفكيك الحبال الأخرى، في حين لفت هيلين قميص آندي على وسطها وهي تصرخ في السرطانات، التي لم تلبث أن بدأت في التراجع، بل إن بعضها مال للاستسلام، وراح يلاحق سرطاناً أصابته هيلين.

  أخيراً، تحرر الصبي، فقالت هيلين: (هيا بنا)، وراح ثلاثتهم يركضون بعيداً عن سرطانات البحر. وما إن وصلوا إلى الكثبان الرملية حتى سقطت هيلين صارخة، فنظر إليها آندي يسألها: (ماذا جرى؟). ردت: (ثعبان .. وقد لدغني). ونظر آندي والصبي إلى ساق هيلين اليمنى، وبها جرح مكون من ثقبين وحولهما آثار من دماء تنزف منهما. والتقط الصبي قطعة مسننة من صدفة، وقال: (علينا أن نتخلص من السم). سألت هيلين: (كيف؟)، وكانت تحك ساقها،فقال لها الصبي: (لا تتحركي)، وأبعد يد هيلين عن ساقها، ثم أحدث قطعاً بين ثقبي العضة مستخدماً نصل الصدفة؛ فأنَّت هيلين: (أوو!)، وقال له آندي: (كن حذراً).

  إنحنى الصبي وأخذ يمتص مكان الجرح، ويبصق خليطاً من الدم وسم الثعبان. ولم تلبث هيلين أن نهضت وتحركت بضع خطوات، وقالت: (أنا بخير). قال الصبي: (حسناً)، وأردف: (وبالمناسبة، أنا “بن”). قالت هيلين: (أنا هيلين، وهذا أخي آندي. ولكن، من كان أولئك الرجال؟). ردَّ “بن”: (إنهم قراصنة، يسمون أنفسهم ذئاب البحر). وقال: (لقد اختطفوني من قاربي بالأمس). وسأله آندي: (ولماذا أرادوا قتلك؟). قال “بن”: (لقد علم “كاتلار”، الرجل ذو العين الواحدة والأذن الواحدة، أن والديَّ لا يملكان نقود الفدية، فقرر أن يجعلني طعاماً لسرطانات البحر!). قالت هيلين: (يا للبشاعة! .. وإذن، فهذه هي جزيرة ذئاب البحر؟). قال “بن”: (نعم، ويتحتم علينا مغادرتها في أسرع وقت ممكن. أين قاربكما؟).

  هز كل من آندي وهيلين كتفيه، فقال “بن”: (ربما يكون ذئاب البحر استولوا عليه)، واستطرد: (وحتى لو أنهم فعلوا، فأعتقد أنني أعلم ماذا يمكن أن يكونوا قد فعلوا به .. إتبعاني!). ونظر آندي إلى هيلين، التي قالت: (لم لا؟)؛ وأومأت إلى “بن” ليبدأ السير. والتزموا في سيرهم أسفل واجهة المنحدر، متخذين طريقهم فوق الصخور المتساقطة. وكانت الشمس قاسية، حتى أنهم كانوا قد نال منهم الإجهاد والحرارة بعد نصف ساعة.

   توقف آندي ليمسح العرق عن وجهه، فاسترعى انتباهه شيئ في الأفق، فنقل ذلك إلى رفيقيه، وشاهد الثلاثةُ سحابة سوداء تتحرك بسرعة في السماء، وفي غضون لحظات غطت وجه الشمس، وبدأت حوافها تشع ضوءاً أبيض. قال “آندي”: (إنها صاعقة!). وواصل: (إننا مقبلون على عاصفة). واستحال الهواءُ رطباً ومزعجا، فأسرعوا في مشيتهم وهم يبحثون عن مأوى. وأفضى المنحدر الصخري بهم إلى تلٍّ حرجي منحدر، فقالت “هيلين”: (لنحاول الوصول إلى الأشجار)؛ غير أن الأوان كان قد فات، إذ اندلعت العاصفة فوقهم، وأخذت أمطار غزيرة تلدغ جلودهم، وتردد صدى الرعد بين جنبات المنحدر، وشحن البرق الهواء بالكهرباء، فتعلقوا بعضهم ببعض، وانطلقوا نحو الأشجار. وضربت صاعقة برق الشاطئ، وحطمت أخرى قمة المنحدر الصخري.

  وكان ثمة صوت هدير، فتوقفوا ينظرون لأعلى مستطلعين الأمر. كانت صخور قد بدأت تتهاوى من فوق. صاح “بن”: (تحركوا). ركضوا بكل ما لديهم من قوة، وهم ينزلقون فوق الأرض الرطبة، محاولين تفادي الصخور المتساقطة. تعثر آندي وكان ممسكا برأسه. أمسكه “بن” من وسطه، وسحبه ليقف على قدميه. وتمكن ثلاثتهم من الوصول إلى الأشجار، وتساقطوا بين جذوعها وقد انهاروا ونال منهم الإجهاد كل منال. وتخطتهم العاصفة، التي لم تلبث أن ابتعدت ببطء، وتجاوزت الجزيرة، عائدة إلى البحر.

  لمس “آندي” السجحة في رأسه، قائلاً: (يا له من يوم)؛ وكان “بن” يجلس مستريحاً قبالة كومة من أحجار، ووجدوه يصفع بيده جانب عنقه؛ وشد ذلك انتباه هيلين فقالت: (إنهض يا “بن” أنت قريب من عش للنمل)، فالتفت “بن” على الفور إلى الخلف منه. كان ثمة فتحة في قمة الكومة يتقاطر خارجا منها مئات من النمل الأحمر؛ وما كان من أمر هيلين وآندي إلا أن قفزا متجهين إلى “بن”، يسحبونه من قدميه. وكان النمل قد بدأ يزحفُ على مؤخرة رأسه، وعلى قميصه. وهتف ىآندي: (أنظرا إلى أحجامها).

  إقتطعت هيلين ورقتين من دغل قريب، أعطت إحداهما لآندي، وقالت له: (أبعد النمل عنه)، وراحا معاً يسحقان النمل، بينما كان “بن” يحاول أن يبدو متماسكاً، وكلن يقول: (إن النملات تعضني). ردت هيلين: (دعنا نأمل ألا تكون سامة). ولما تخلصت من آخر واحدة من تلك الحشرات من على قميص “بن”، سألته: (بماذا تشعر؟). أجابها: (بالحكاك .. ولكني أعتقد أنني بخير).

   وكانوا يهمُّون بالمغادرة حين رأوا حركة بين الأشجار، التي انطلق من بينها حيوان شرس المظهر، له نابان صفراوان. قال “بن”: (إنه خنزير برِّي). وتنهد آندي قائلاً: (هذا المكان أسوأ من الشاطئ). وتوقف الخنزير قليلاً وهو ينظر إلى الثلاثة، كما لو كان يقرر بأي واحد منهم يبدأ الهجوم. ولم يلبث أن أخفض رأسه، شاخصاً إلى آندي، الذي أسرع يتسلق أقرب شجرة، فاصطدم الخنزير بالجذع صدمة هائلة، وترك آندي الشجرة عائداً إلى الأرض. وكان تأثير الاصطدام قد أذهل الخنزير، فلم يعد يلقي بالاً لآندي، وأقعى وهو يصرخ. قالت هيلين: (ينبغي أن نمضي قدماً).

  وجدوا طريقاً يؤدي إلى التل. وكانت الأرض مغطاة بالطين، برغم أن المطر كان قد توقف، كما كان الطريق بغير استواء، وجذور الأشجار العارية تنتشر به، كأنها عظام طويلة ملتوية. وعندما شارفوا قمة التل وجدوا مساحة معراة من الأشجار، وقد أثرت الحرارة العالية على الأعشاب الرطبة؛ فتوجهوا إلى الحافة البعيدة للأرض المعراة، ونظروا لأسفل، فرأوا منحدراً حاداً ينتهي إلى البحر. كما رأوا إلى اليمين خليجاً آخر. وقد اندهش كل من آندي وهيلين مما رأوه هناك.

  كان ثمة غواصة راسية في الخليج، قبالة الصخور مباشرةً. قال آندي: (أراهن على أن هذه الغواصة هي التي قلبت قاربنا). أجاب “بن”: (ربما .. فقد استخدمها ذئاب البحر ليقبضوا عليَّ). وكان الذئاب على الشاطئ، وكان بعضهم يأكل ويشرب، بينما راح آخرون يصطادون السمك من فوق الصخور، ويحمل كلٌّ منهم بندقية. وجذب آندي ذراع هيلين، يقول لها: (أنظري إلى ما حول الغواصة، فقاربنا هناك).

  وكان ثمة قاربان راسيان قبالة الصخور، أحدهما زورق ذئاب البحر المطاطي، والآخر قارب آندي وهيلين الصغير. قال “بن”: (إنه لا يزال موجوداً، على الأقل، فقد أغرقوا قاربي). ومسحت أنظار الثلاثة المشهد إلى الأسفل منهم؛ وكانت هيلين هي التي بدأت بالتعبير عما كان يجول بخواطرهم، إذ قالت: (لا بد من أن نذهب إلى هناك، فيتعين علينا أن نستعيد قاربنا ونفرُّ).

   وقبل أن يبدأوا في مناقشة الأمر، جاءهم صوت صاخب، صادر من بين الأشجار إلى الخلف منهم، أخذ يتصاعد مهدداً. قال آندي: (تبدو كأصوات نحل .. ونحل غاضب). وتحولت الضوضاء الصاخبة إلى هدير. كان ثمة ثلاث دراجات نارية تندفع عبر الشجيرات؛ ولم يكن أمام آندي وهيلين وبن مهرب غير المنحدر الخطير، إلى الخلف منهم. وانتهى الحال بالدراجات النارية إلى التوقف، وخلع أحد راكبيها خوذته، فاتضح أنه أحد الرجال الموجودين عند الشاطئ، وبالتحديد، ذو العين والأذن المفقودين. وإربدَّ وجه “بن”، وهو يصيح: (كاتلار!). فما كان من كاتلار إلا أن سحب مسدسا من جراب يحيط بصدره. قال كاتلار: (واضح أن سراطين البحر لم تحظى بوجبة. من يكون صديقاك يا “بن”؟). فلم يرد بن عليه، وإنما تراجع إلى حافة المنحدر، فابتسم كاتلار، والتفت إلى آندي وهيلين يسألهما: (وما مقصدكما؟) قال آندي: (أتركنا وشأننا!). قال كاتلار مستهجناً: (لا أمل)، ووجه مسدسه إلى هيلين. قال آندي: (لا .. أنتم ذئاب البحر .. أليس كذلك؟. يمكنكم تحصيل فدية، فأبوانا غنيان). قال كاتلار: (أهما غنيان ؟)، وأعاد مسدسه إلى جرابه، وقال لمن معه: (خذوهم)، فقام الرجال بتكبيل أيدي آندي وهيلين وراء ظهريهما، ووضعوهما على المقعدين الخلفيين في دراجتيهما الناريتين. تلى ذلك عشر دقائق مرعبة، إذ راح ذئاب البحر يقودون دراجاتهم بتهور في طريق متعرج تعصف فيه الرياح. ولما  توقفت الدراجات، كان الألم يعصف بآندي وأخته، ولم يكن لديهما وقت للراحة؛ وحملهما رجلان ألقيا بهما فوق أكتافهما، وسارا وراء كاتلار، الذي مشي فوق المعبر متجهاً إلى الغواصة، وسمع الأخوان عبارة ترحيب: (أهلاً بكما على متن غواصتنا)، والرجلان يحملانهما إلى برج القيادة، دافعين كلاً منهما من خلال فتحته، فسقطا في غرفة القيادة الفارغة.

  أمر كاتلار الرجلين بالانصراف، وقفز كاتلار منحنياً إلى جانب آندي وهيلين، يدفعهما بقدمه، قائلا لهما: (إنزلا إلى الممر، حيث تجدان مقصورتي إلى اليسار). وهمست هيلين لآندي: (ماذا نفعل الآن، وليس لدي أمنا وأبينا أموالاً للفدية؟). قال آندي: (أعرف هذا)، وتقدمها إلى المقصورة. لقد قرأ آندي الكثير عن الغواصات، وكان يريد دائماً أن يرى إحداها، على أن تكون على غير شاكلة هذه.

  ودفعهم كاتلار دفعا إلى داخل المقصورة الصغيرة، قائلاً لهما: (إنتما لا تزالان على قيد الحياة لأنكما قلتا أن والديكما من الأغنياء)؛ وكان يحدق فيهما منتظراً إجابتهما، فلم ينبسَّا ببنت شفة. وتابع كاتلار: (أريد ما يثبت أنهما يمتلكان أموالاً، فأعطياني إسميهما). والتقط من فوق مكتب حاسوباً محمولاً، فتحه وضغط على زر البداية، وهو يقول: (إن كان والداكما ثريين، فثمة احتمال لأن يكونا شهيرين، فإن كانا كذلك فسوف أعثر عليهما من خلال حاسوبي. ولكن، إن ثبت عكس ذلك ..) وواصل وهو يتحسس جراب مسدسه: (فسوف أطلق عليكما النار، أو ربما أجعلكما طعاماً لسراطين البحر)؛ فتبادل آندي وأخته النظرات.

  قالت هيلين بصوت خفيض: (لا تقل شيئاً، فسوف يقتلنا في كل الأحوال). غير أن آندي كان قد التفت إلى كاتلار، قائلاً: (حسناً .. سأخبرك بإسمي والدينا). قال كاتلار: (ولد طيب). وواصل آندي: (ولكننا نريد أولاً طعاماً وشراباً)، فقهقه كاتلار، فقال آندي: (كن منصفاً، واعطنا طعاما وماءً، بعدها أخبرك بإسميّ أبوينا). قال كاتلار: (أنت مفاوض عنيد)، ووضع جهاز الحاسوب على رف فوق رأسيهما، وغادر المقصورة. واصطفق الباب المعدني مُغلَقاً بعد خروجه.

   إلتفتت هيلين إلى آندي تسأله: (ما هذا الذي تفعله؟)، فأجاب آندي: (أنا أحاول كسب الوقت)، ونظر إلى الحاسوب، وأردف: (أنت أطول مني، فلعلك تحاولين أن تأتي به). ردت هيلين: (كيف، ويداي مقيدتان؟)، فقال آندي: (حاولي أن تزحزحيه برأسك أو كتفك، فإن استطعنا الحصول عليه يمكننا إرسال رسالة). فقفزت هيلين ناحية الرف، فلم تصل إليه، فقال آندي: (إقفزي أعلى أكثر، لتزحزحي الحاسوب)، فقفزت هيلين من جديد، وضربت الرف برأسها، وهي تتمتم: (ياه ..)، فتحرك الحاسوب إلى حافة الرف، واستحثها آندي: (مرة أخرى). ولكن الوقت كان قد فات، وفُتح البابُ وعاد كاتلار إلى المقصورة. كان يحمل زجاجة ماء وقليلاً من أصابع الموز، فوضع ما جاء به على الأرض، وأغلق الباب، وأخذ الحاسوب من فوق الرف، وقال: (والآن .. الأسماء ..). وقال آندي مطالباً: (حررنا من قيودنا أولاً حتي نتمكن من تناول الطعام)؛ فحدق فيه كاتلار حانقاً، وقال: (فيك كثير من الحيوية). وسحب بحركة سريعة للخلف سكيناً من على ظهره، وسحب رأس آندي لأسفل، وقطع الحبل الذي كان يكبل معصميه، فلم يتردد آندي، ورفع رأسه بكل ما في استطاعته من سرعة، وقبض على ذئب البحر من أسفل ذقنه، فتراجع مترنِّحاً، إلا أنه لم يُفلت السكين، وعاد إلى تماسكه واندفع نحو آندي، الذي تفادى اندفاعه وكمن تحت ذراعه، وسقط على ركبتيه متحسساً الحاسوب بيده، والتقطه وأمسك به أمامه يحتمي به، فقد كان كاتلار يوجه إليه طعنة بالسكين، فأصابت غطاء الحاسوب واستقرت به.

  فماج كاتلار بالغضب، وراح يبحث عن مسدسه متخبِّطاً، فما كان من هيلين إلا أن ألقت بنفسها عليه مصطدمة به. وأفلت آندي الحاسوب من يديه، وأمسك بزجاجة الماء ضارباً بها رأس كاتلار بكل ما أوتي من قوة، فأصابت جلد وجهه بالقرب من الأذن المفقودة، فصرخ متألماً، ممسكاً بجمجمته، وتحول آندي إلى الحاسوب المعطوب، وانتزع منه السكين، فقطع به قيد معصمي هيلين، وتخطيا معاً جسم كاتلار خارجين إلى الممر، وأغلقت هيلين باب المقصورة بعد مغادرتها، وسألت: (فماذا نفعل الآن؟). قال آندي: (علينا أن نقوم بعملية إلهاء إن أردنا الخروج من هنا، فنغرق الغواصة). سألت هيلين: (كيف؟). فأجاب: (علينا البحث عن غرفة الطوربيدات)، وركضا في الممر الذي انتهى بباب مغلق، فأدارا عجلة قفل الباب، ففتحاه، ووجدا الطوربيدات فوق أرفف على جانبي الغرفة، وفي الأمام أربع فتحات في قبالة أنابيب الإطلاق. قالت هيلين: (إن فتحنا هذه الغطاءات، فربما استطعنا أن نجعل مياه البحر تدخل إلى الغواصة)، فقل آندي: (وهذا ما كنت أفكر فيه).

   راحا يشدان أقفال الفتحات، فلما تمكنا من فتحها، أسرع آندي إلى لوحة التحكم، قائلاً: (ينبغي أن نفتح البوابات الخارجية)، فسألته هيلين: (هل لديك فكرة عن ذلك؟). ورفع آندي سكين كاتلار، وغرسها في اللوحة، فتصاعدت أصوات احتكاكات مع دفقات من الشرر، وظهرت أضواء حمراء فوق بوابات الطوربيدات، وبدأ ما يشبه اصوات غرغرة داخل كل أنبوب.

  وثبَّت آندي السكين في حزامه، قائلاً: (لنغادر)، وعاد للركض مع هيلين في الممر، بينما غطست الغواصة مطلقة أنيناً معدنياً. وبدأت المياه تتدفق في كل قاعها. قالت هيلين: (لنسرع). ولما مرَّا أمام المقصورة التي كانوا فيها، وجدا بابها مفتوحاً، فقال آندي: (لقد ذهب كاتلار)، فدلفا إلى غرفة التحكم، بينما وصلت درجة ميل الغواصة إلى ما يقرب من تسعين درجة، وقد وصل ارتفاع المياه إلى خصريهما. أسرعوا يخرجون من برج المراقبة إلى الهواء الطلق، تتناهى إلى سمعيهما أصوات مذعورة، وقال هيلين: (لنسبح إلى القارب). وقفزا إلى البحر وراحا يسبحان، حريصين على أن تبقى الغواصة بينهم وبين الشاطئ. ثم توقف آندي عن السباحة وقال (مهلاً، يبدو أن ثمة نيران بندقية). قالت هيلين: (هل رأونا؟). وكان ذئاب البحر يتجهون نحو القارب المطاطي وقارب آندي وهيلين ذي المحرك. وتوارد إلى الشاطئ مزيد من ذئاب البحر، وراح فريقان منهما يتبادلان إطلاق النيران. قال آندي: (إنهم يتقاتلون فيما بينهم). وقال آندي: (لقد خرجت الغواصة من حساباتهم، لذلك يريدون القاربين، فعلينا أن نسبح أسرع). ووصل الإثنان إلى قارب ذئاب البحر المطاطي أولاً، فأخرج آندي سكين كاتلار من حزامه وغمدها في جانبه. وبينما هو يخرج السكين سمع صوت صفير حاد. قالت هيلين: (هيا)، وكانت النيران قد تكاثفت، وكانت تصدر صرخات عندما تصيب الرصاصات هدفاً من بين فريقي ثعالب البحر المتقاتلين، في حين سبح آندي وهيلين إلى قاربهما، واعتلياه من جانبه. قالت هيلين: (سأقوم بتشغيل المحرك). ورفع آندي السكين قائلاً: (وأنا سأقطع الحبل)، وقام بتقطيع الحبل الذي كان يربط القارب إلى صخرة على الشاطئ. ووضعت هيلين مفتاح المحرك في وضع التشغيل، وضغطت على زر الابتداء، فلم يلبث القارب أن انطلق، وسمع الأخوان صرخة فاقت قوتها أصوات إطلاق النيران، ونظرا فرأيا كاتلار واقفا على الشاطئ يحدق فيهما. وقال آندي لهيلين: (بأقصى سرعة!).

   وانطلق القارب مبتعداً عن الخليج، وشاهد آندي كاتلار يقفز إلى القارب المطاطي، فقال: (سوف يطاردنا). وصاحت هيلين: (إنتظر)، وكانت تحدق إلى الأمام، وقالت: (هناك)، فتحول آندي إلى حيث أشارت. كان “بن” يقف على بقعة رملية في خليج صغير، فقد نجا من الغرق عند إسقاطه في البحر. قالت هيلين: (ينبغي أن نلتقطه)، وغيرت اتجاه القارب.

  وفي تلك الأثناء، كان كاتلار قد بدأ تشغيل قاربه المطاطي راغباً في اللحاق بالأخوين في قاربهما. قال آندي يحثه: (بسرعة!)، وكان يعرف تماماً أن الذئاب لن يتمكنوا من تشغيل قاربهم. وخففت هيلين من سرعة محرك القارب، الذي كان يقترب من موقع “بن”، الذي قفز إلى الماء، وأمسك بجانب القارب، رافعاً جسمه على سطحه، وهو يبتسم لهما ابتسامة عريضة. قال: (كم أنا سعيد برؤيتكما). إبتسمت هيلين، وغيرت اتجاه القارب إلى البحر المفتوح. وإذا بها تصيح: (أوه .. لا ..). كان كاتلار يقطع على قاربهم الطريق، فقد شغَّل محركه، ووقف بالقارب، ورفع ببطء شديد سلاحه مصوِّباً إياه، فارتمى كل من آندي وهيلين و”بن” على سطح القارب، منتظرين أن تنطلق أول رصاصة، ولكنها لم تنطلق أبداً. وبدلاً من صوت الرصاص، سمعوا صوت كاتلار يصيح ساخطاً لاعناً. وأطلَّ آندي من جانب القارب، فرأى القارب المطاطي السريع مطوياً، بعد أن فقد الكثير من الهواء بتأثير القطع الذي أحدثه آندي في جانبه، وكان كاتلار يحاول عبثاً الحفاظ على توازنه، فبدا كما لو كان يؤدي رقصاً مستغرباً. وسقطت منه بندقيته في مياه البحر، ولم يلبث أن لحق بها.

  قال آندي: (لا بأس)، واعتدل هيلين وبن جالسين، يضحكان بارتياح، وقال بن: (لقد نجونا)، وعادت هيلين إلى مقود المحرك، متجهة بالقارب قريباً من القارب المطاطي الغارق. كان كاتلار يضرب الماء بيديه، صارخاً فيهم، فتجاهلوه واستمروا في مسارهم البحري.

  قالت هيلين: (وداعاً يا جزيرة ثعالب البحر!)، فأومأ آندي موافقاً على قولها، وقال بدوره: (وداعاً .. وخلاصاً).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) كيفين واتسون كاتب قصة، ومؤلف ومخرج سينمائي أمريكي، يعيش في ولاية شيكاغو.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: