قصة قصيرة

جاونية .. بقلم منال يوسف

     منال يوسف

 الكمان ساهم على كَتفِه، يميلُ برأسهِ على صُنوبَرِه المؤَرَّق بأحزان الغابات، قَوْسُه اليوم يُجاوِب الموسيقى الراكضة بين الآلاتِ الموسيقيةِ الصامتة في المتجر؛ متسللةً من الجِرامَافون العتيق، تَسْبَح عند الأرففِ والأُسطواناتِ الفارغةِ التي يملؤونها بموسيقى كلاسيكيةٍ للشغوفين.

حين يكون رائقًا؛ يضعُ الكمانَ على ساقيه، مُسَلِّمًا عينيه الطِفْلِيَتَيْن لقلبِها الذي تَعَلَّمَ الركض إليه، لكنه اليوم مهموم؛ عيناهُ تُطاردان الحيرةَ المُنْفَلِتة من بين أصابعه في موسيقى “بحيرةُ البجعِ”، تَلْمس قِلادتَها الفضيّة؛ التي لا تُغادر صدرها مُذ أهداها إليها: (آه؛ هل تُدْرِك أنني لست سوى أوديت الصغيرة، تنتظرُ يديك)

دَخَلَتْ، يسبقها طفلان، عَرَفَتْها على الفور؛ صورتها في التلفاز لم تبرح ذاكِرَتها، كلماتُها مذبوحة في حنجرةٍ يسْكُنُها البكاءُ، هدوؤها عاصفةٌ خاصمها المطرُ، وجفناها من خلف نَظَّارَتِها الطبية غادرهما الكُحلُ مُذ أدْمَنَتْ الانتظار؛ رَفَضَتْ شهادةَ الوفاةِ؛ التي أرادُوا منْحَها، صكًّا، كما سَلّمُوا الأخريات، اللواتي غاب أزواجهن في مهام عسكريةٍ؛ دفاعًا عن الوطن، لكنّها ترفُض التصْدِيق، وتنتظرُ؛ إمَّا جسدًا ميتًا أو تسجيلًا حيًّا لعملية القتل؛ التي داوم الإرهابيون على فِعلها.

يُحرّك أوتار الكمانِ؛ الذي جاءتْ به الطفلةُ، ويضغط برفقٍ على مفاتيحِه السوداء؛ المنتهيّة عندها الأوتار، يُنصِت لذكريات الصغيرة عن الأب المفقود، تُخبرهُ أن ساحرًا شرّيرًا قد أظلمَ الدنيا، لكِنما عيناها تلمعان؛ وهي تؤكّد أنّ هناك سحرةً طيبين؛ مِثلما أن هناك أشرارًا، وأنّه في الحكاياتِ، ينتصر الطيبون دومًا.

يُشير لأخِيها الواقف جانب الباب؛ مشدودًا كجنديّ في نوبةِ حراسة، لكنّ الوَلَد لا يستجيب، تتشاغل مع الأمُ في انتظار انتهائه من معالجة كمانِ الصغيرة، تتبادلان النَظَرَ؛ كلتاهما إلى قلادةِ الأخرى، تبتسم الأمُ في شَجَنٍ، بينما تختفي الكلماتُ في حنجرةِ الأخرى؛ التي غادَرَهَا الغناءُ؛ حين غادَر أبوها في إحدى المعارك منذ زمن بعيد، ولم يَعُدْ أبدًا، تُهدي للأمِ إحدى الأُسطوانات حائرة اللحن على استحياء قبل أن تُغادر مع صغيريها.

فَرَغَ المكان؛ إلّا من عينيّ الصغيرة المُمْتلِئتين إصرارًا، وهي تَمْضِي محتضنة الكمان، وصوتُ خُطوات أخيها المنتظمة؛ وهو يسْبِقهما.

وحيدًا كعربيٍّ؛ الكمانُ عند ساقَيْهِ، عادت الموسيقى تَخْطو بتُؤَدة بعد أن تَوَقَّف الجَرَامَافون بانتهاءِ بكائية “تشايكوفسكي”، يسْحبُ قوسَه مثل قلبٍ مكلومٍ، وهو يشحذ أنفاسه، يضُوعُ عطرٌ بدائيُّ ممتزجٌ بأنغام حائرة، صورة أُودِيت وحبيبها يغْرِقَان معًا في البحيرةِ؛ بعْدَ أن نَزَعَ التاجَ من فوقِ رأسِها؛ تملأ عينيها، تَقْبض بوجلٍ على مفتاح صُول الفِضِي المُعَلَّق بصدرها، تُخايِلها صورة الأمِ وهي تُغادر؛ مُعلقٌ بصدرِها مفتاحَ إيزيس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: