قصة قصيرة

تلاعبني قصـــب ؟!

تلاعبني قصـــب ؟!

رجب سعد السيد

أمام بيتنا في شارع الريف، بغيط العنب، أقصى جنوب الإسكندرية، تلك المنطقة التي يبدو ظاهرها المادي فقيراً بينما تكتنزُ أرصدةً من علاقات مودة وخير بين سكانها البسطاء، كانت تجلس على الرصيف (أم نعمه)، و(أم محمود)؛ وكنا نعرفهما على أنهما شقيقتان، وإن كانت ملامحهما شديدة التباعد؛ غير أن أكثر ما يلفتُ النظر فيهما هو اسم كل منهما، فلم تكن أيهما أمَّاً، بل إنهما لم تتزوجا، وقد اقتربتا من الخمسين، وشاع إسماهما مرتبطين بأمومة موهومة، وبغموض يحيط بشخصيتيهما، لم يحاول أحدٌ أن ينبش حوله، فقد كانتا امرأتين طيبتين، فقيرتين، لا نراهما إلا نهاراً، ويختفيا عند العصر، ليحملا بضاعتهما، ويدخلا إلى غرفتهما الأرضية في البيت المواجه لبيتنا.
أما البضاعة، فكانت أعواد قصب السكر، في موسمه، وحلويات بيتية الصنع، من العسل الأسود والسكر والسمسم في غيره من الأوقات.
كنتُ أشتري منهما (عقلة) القصب بمليم، ولا زالت ذاكرتي تحتفظ بمتعة اعتصار سلخات العقلة، وامتصاص عصيرها الذي ضاعت نكهته شديدة التميز مع أشياء أخرى كثيرة، سلبتنا إياها تقنيات الهندسة الوراثية.
وكانت متعتي بقصب أمَّي نعمة ومحمود تمتد إلى مشاهدة (مباريات) القصب، التي يتنافس فيها الصبيان الأكبر منا، والشباب. كانت أعواد القصب مادة لتحدي القوة الجسدية، ومهارة إيجاد أيسر السبل وأضمنها إلى تحقيق الفوز، في غياب أي شبهة للمقامرة، وانتفاء أي مجال للغش والتدليس.
وكانت ألعاب القصب متعددة، منها (التنشين)، وقد مارستها، وفيها توضع على الأرض عقلة قصب منتقاة، يوافق عليها طرفا المنافسة، في منتصف مسافة قصيرة بينهما، ويتبادلان – وقوفاً أو بانحناءة صغيرة – التنشين- بمليم نحاسي أحمر، أو بأي قطعة نقد معدنية أخرى، فإن نجح أحدهما في (رشق) المليم في العقلة، يستمر، وإن أخفق، تنتقل الفرصة للآخر، وهكذا، ليكون الفوز في النهاية لمن تكتمل له عشر رشقات، وتكون جائزته هي قطعة القصب المثقبة برشقات المليم، والتي ظلت ملقاة على الأرض لنحو نصف ساعة. وعلى المهزوم أن يسدد (قيمة) العقلة: مليم أو مليمان.
ومن ألعاب القصب الأخرى، لعبة (نازلة)، وفيها يتنافسُ لاعبان في كسر قطعة من القصب مكونة من عدد فردي من العُقَل (غالباً 3 أو 5 عُقَل)، فيمسك بها المتحدي من طرفيها بقبضتيه، واضعاً إحدى قدميه على حافة رصيف الشارع، ويرفع قطعة القصب، و(ينزل) بها بكل قوته، مستهدفاً كسرها عند الحزِّ الذي يتوسطها، ومن هنا كان اسم هذه اللعبة (نازلة). فإن نجح في كسرها، كانت له، مع تصفيق المشاهدين، وتحمل غريمه ثمنها. وإن فشل، كان العكس. وكنت أنتظر إقدام أشخاص محددين على التنافس في هذه اللعبة، وكانوا من الشباب القوي، ويتنافسون في تكسير قطعتين متجاورتين (نازلة بالجوز)!. وتتصاعد حلاوة المنافسة عندما تكون على تكسير عود قصب بكامله، على مرات، بأسلوب (نازلة)، ونظل واقفين منبهرين لأسلوب المتنافسين الكبار في خلق فرص لأداء العدد من الـ (نازلة) المتفق عليه. وكان هؤلاء المتنافسون الكبار يتنازلون عن قطع القصب التي يفوزون بها، ويتركونها لنا نحن الصغار، نشتجر من أجلها!.
وتستخدم الساق في لعبة أخرى، إسمها (سِمَّانة)، وواضح أن المنطقة من الساق المستخدمة في اللعبة هي عضلة السمانة. فيقبض المتنافس على قطعة طويلة نسبياً من القصب، بعد أن يكون قد نحت بأسنانه مكان الحز الفاصل بين عقلتين، تسهيلاً للمهمة، ثم يرفع يده القابضة على طرف القطعة، ويهوي بها ليصطدم مكان الحز بعضلة سمانة ساقة، فإن انكسرت القطعة، كانت له، وتحمل منافسه ثمنها، والعكس بالعكس.
ومن أصعب ألعاب القصب التي شاهدتُ الصبيان الكبار الأقوياء يلعبونها لعبة كانت تسمى (تنفيده)، ومكان تنفيذها المنطقة الخلفية من أسفل الساق، عند التقائها بالقدم، وهي منطقة حساسة جداً، وإن أصيبت بصدمات تعرض المصاب لاحتمال أن يصاب بتمزقات في الأربطة قد تجعله أعرج. وكان لاعب التنفيده يستخدم قطعة قصب قصيرة نسبياً، مكونة من أكثر من عقلة، وينحت ما بين عقلتين فيها، ويضع قدمه على الرصيف، وينحني بجسمه ممسكا بقبضتيه طرفي القطعة الممتدة إلى الخلف من مؤخر قدمه، ويكون عليه أن يحرك القطعة من الخلف إلى الأمام، مستهدفاً أن تنكسر، ليرفع شقيها بيديه وسط تهليل المتفرجين، صغارا وكبارا.
ومن ألعاب القصب الشيِّقة لعبة (الهوا)، وفيها يجري التحدي لتكسير عود قصب كامل، وأحياناً عودين معاً، أكثر من مرة، باستخدام قوة (القصور الذاتي)، فيقبض اللاعب على العود من قمته، ويؤرجحه في الهواء بقوة، فتنفصل العقلة القابض عليها عن بقية العود، ويعاود ذلك مرة أو مرتين، حسب مقتضيات التحدي.
ولا أنسى، حتى الآن، مشهداً مؤثراً لإصابة لحقت بفتى كبير من اللاعبين بأعواد القصب، قال إنه اخترع لعبة جديدة، هي (الصدر)، وفيها يقبضُ فتيان قويان على طرفي عود قصب، أو عودين، حسب الاتفاق ودرجة التحدي، ويكون على اللاعب الاندفاع من مسافة عدة أمتار، ليصطدم صدرُه بالقصب، فينكسر إلى جزئين، فيفوز، أو لا ينكسر، فيخسر، ليس فقط ثمن العود أو الأعواد، وإنما أيضاً سلامة عظام قفصه الصدري!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا