مقالات نقديةنقد أدبي

تجاهات النقّاد المعاصرين في دراسة رواية (اللص والكلاب) لنجيب محفوظ

د. سحر شريف

أستاذة النقد والأدب العربي الحديث

كليّة الآداب، جامعة الإسكندرية

لا نظنُّ أن أديبًا عربيًّا معاصرًا قد شغل النقاد والباحثين كنجيب محفوظ؛ إذ يطرح في أدبه عديدًا من القضايا والمشكلات؛ التي تثير جهودًا لا تتوقف في التحليل والتفسير والتأويل.

ولقد اختلف النقاد في اتجاهاتهم النقدية حول الرجل، فمنهم مَنْ اتجه نحوالأيديولوجية والفكر الكامن وراء النص وص، ومنهم مَنْ اتجه نحوجماليات العمل الأدبيِّ، وتطور الشكل والبناء القصصي لديه.

ولن يسمح المجال لنا في هذه الدراسة بإحصاء هذه الاتجاهات جميعها، على اختلاف الباحثين والدارسين، لذا آثرنا الحديث عنها من خلال رواية “اللص والكلاب” التي ألّفها نجيب محفوظ وخرجت إلى النور مسلسلة 1961([1])، فكانت بداية مرحلة متميزة في أدبه من حيث المضمون والشكل.

أولًا: نقاد الفكر والأيديولوجيا

يري د. غالي شكري في كتابه”المنتمي، دراسة في أدب نجيب محفوظ”([2]) أن محفوظًا كان مضطرًا إلى البحث عن شكل جديد بعد (أولاد حارتنا) في قضية “الانتماء وأزمة اليسار”([3])، وأن (اللص والكلاب) تقدم لنا الإجابة عن هذه المعضلة.

ويرى الناقد أن شخصية البطل (سعيد مهران، اللص) تمثل شخصية المنتمي المأزوم في غياب الحرية حيث يعيش في عالم بلا قيم، عالم ملىء بالخيانة، فمعركة سعيد مهران مع القيم هي”معركة المنتمى مع قيم فاسدة يريد أن يستبدلها بقيم صالحة”.

ويقارن الناقد بين بطل نجيب محفوظ، وبطل ألبير كامي في رواية (الغريب)، ويدفعه إلى هذه المقارنة أن كلا البطلين قد ارتكب جريمة قتل بدافع الخطأ، وأن كليهما يعيش حالة من الرفض والقلق والعبث.

هذا، ويفرق الناقد بين تمرد”سعيد مهران”، وتمرد”ميرسو” على أساس أن “التمرد الوجودى عند ألبير كامي هوالتمرد الأصيل الذي أنبتته الحضارة الغربية في مرحلة التمزق النفسىِّ المرير بين الانتماء واللا انتماء… أما تمرد سعيد مهران فلم يكن سوى الصورة المتأزمة للانتماء، أى إن سعيدًا متمرد من ناحية الشكل، لكنه منتمٍ متأزم من ناحية الجوهر…”([4]).

وتستوقفنا المقارنة بين “سعيد مهران” في (اللص والكلاب)، وبين “ميرسو” بطل (الغريب)([5]) لألبير كامي، ونرى ألّا وجه للجمع بينهما على الإطلاق في سياق واحد، فبطل كامي، شخص عبثى لا مبال لا يهتم بشيء أبداً، تستوى لديه كل الأشياء، الحق والباطل، الخير والشرّ، وهونموذج للوجوديّ العابث الذى لا ينفعل ولا يغضب لقضية ما. أما سعيد مهران، فيختلف تماماً عن بطل كامي، حيث نراه منفعلاً بالأحداث، غاضباً من الخيانة، مصممًا على الانتقام مندفعَا في طريقه إلى النهاية، في مطارة يائسة للكلاب تنتهي بموته.

ويرى صاحب “المنتمى” أن سعيد مهران ”ليس بطلًا ملحميًا، وإنما هوبطل تراجيدى”([6]) يحمل في أعماقه كل مقوّمات التمزق والتناقض وكافة العناصر التى تؤدي إلى المأساة “انطلاقًا من إحساسه بانهيار منظومة القيم من حوله متمثلة في عالمه الاجتماعي (زوجته – صديقه – ابنته التي أنكرته – وعالم الفضائل والفكر المثالي (رؤوف علوان) الذي تحوّل إلى كلب من الكلاب التي تطادره بعد تنازل عن مبادئه الاشتراكية؛ التي غذّي بها عقل البطل قبل أن يدخل السجن.

ويعود الناقد ليؤكد في نهاية تحليله للرواية أَنَّ “اللصّ والكلاب هى قمة التعبير الثوري عن قضية القضايا في حياة المنتميّ اليساريّ المصريّ”([7]).

هذا.. وتتشابه معالجة أنور المعداوي([8]) في إحدى الزوايا مع د. غالى شكري في مقارنة موقف سعيد مهران بماتيوعند سارتر([9]) حيث يرى كثرة (الشعارات الوجودية) في الرواية، تلك التى تصنع الإطار النفسي لأزمة سعيد مهران.

ولقد بنى الناقد هذا الحكم بناءً على ما شاهده من أسلوب (نجيب محفوظ) الفني السردي الذى يعتمد على مجرى الشعور لدى البطل حيث كان “سارتر يقوم بعملية سياحة داخلية في نفس مدرس الفلسفة واسع الثقافة (ماتيو)، بينما كان نجيب محفوظ يقوم بنفس الدور إلى لص لم ينل قسطًا من التعليم وهوسعيد مهران!)([10])

ومن الغريب أن يرى الناقد وجهًا من أوجه الشبه بين البطلين يقوم على استخدام الكاتبْين نفس الأسلوب الفني، تيار الشعور، وضمائر الخطاب والغياب في عملية العرض الداخليّ لأزمة البطل!

فالحكم بوجودية بطل ما لا تأتي من استخدام تكنيك فنيّ، يعنيه بقدر ما تأتي من حبك الشخصية وإنطاقها بتلك المفاهيم الوجودية المعروفة كالعبث والاغتراب والضياع والقلق.

وسرعان ما نجد الناقد يترك مسألة الوجودية والمقارنة، بما يقرر أن مضمون الرواية “واقعىِّ في أحداثه ومواقفه، وإِنْ كانت المواقف لم تخلُ من مذاق وجودي”([11]).

وينضم الناقد ماهر شفيق فريد إلى ركب الأيديولوجيين؛ فيقرر أن الرواية “تكاد تكون دعوة جهيرة في شكل فني إلى الاشتراكية”([12]) وهويرى أن الفكرة الاشتراكية قد لازمت نجيب محفوظ في أعماله منذ 1938م وعاشت في وجدانه وعقله وضميره، ويرجع هذا – في رأي الناقد – إلى اطّلاع المؤلف على آلام المجتمع المصرى الناشئة عن سوء توزيع الثروة، وتلمذته على سلامة موسى وإدراكه أن الاشتراكية هى النهاية الحتمية؛ لكلّ تقدّم فكري وخلقيّ واجتماعي”([13]).

ويرى النقاد أن البطل في الرواية؛ قد فقد كل أمل في الحياة الشريفة وبلغ مرحلة من اليأس المطلق بعد خيانة الأحباب، وانهيار النموذج والمثال/ أستاذه رؤوف علوان، فلم يجد مانعاً من السرقة مرة أخرى لأن المجتمع الظالم يحمى المجرمين، ويؤكد في نهاية بحثه أنّ موت سعيد مهران كان فاجعة أليمة من الناحية الأخلاقية لكن”القضاء على المستغلين من أمثال رؤوف علوان عن طريق تحقيق العدالة الاجتماعية، وإذابة الفوارق بين الطبقات ونشر الاشتراكية هوالسبيل السوىُّ إلى بناء المجتمع الاشتراكي الديمقراطيّ التعاونيّ؛ إذ يكون سعيد مهران آخر ضحايا التطور الحتمى من القديم إلى الجديد…”([14]).

أما د. محمود الربيعى([15]) فقد نظر إلى قضية (اللص والكلاب) من منظور اجتماعى أخلاقى، فالمجرم عنده”ضحية لظروف خاصة أبسطها الفقر والحاجة المادية، وأعقدها أنّه أُعِدَّ إعداداً فكريّاً معيناً جعله يحسّ إحساسًا حاداً بمعنى تكافؤ الفرصوالوفاء والعدل”([16]).

أما الوجه الآخر للعملة في الرواية، أوالشخصية المقابلة لسعيد مهران، رؤوف علوان،  فهو– عند الناقد – لصب المعنى الكلّى للكلمة سرق مجتمعاً بأسره، وحوّل مسيرته حين رفع شعارات بعينها، وسلك مسلكاً مضاداً لهذه الشعارات.

ويتساءل الناقد: ما مغزى أن يُعاقب سعيد مهران لخروجه على القانون، ويترك عليش ونبوية ورؤوف تحت حمايته، ويرد على التساؤل بقوله: إن المغزى “أخلاقي اجتماعي واقعي”([17]) فالزاوية التى ينظر بها الناقد إلى العمل إذن زاوية أخلاقية إجتماعية، حيث رأى أن المتلفعين بعباءة القانون، المحتمين به، قد يخرجون عليه بإلتواء شديد، فيدمروا المجتمع، وخطرهم أشدّ عليه من أولئك المجرمين البسطاء الذى يخرجون على القانون والأعراف غير محصنين، لأنه يكون من السهل القضاء عليهم، وحصر خطرهم على المجتمع.

فالقضية إذن عند الربيعي – قضية الظلم الإجتماعي-، صوّرها نجيب محفوظ تصويراً واقعيًا اجتمعت فيه عناصر الخير والشرّ والحبّ والبغض([18]).

أما د. محمد حسن عبد الله في كتاب (الإسلامية والروحية في أدب نجيب محفوظ) ([19]) فقد ذهب إلى إدانة البطل بوصفه خارجاً على القانون، وثاثرًا فرديًا ضلّ طريقه إلى الصواب فهوعنده “لم يقسم غنائمه على المحتاجين، وإنما راح يكوّن عصابة ويسطولمجرد السطووالنهب وإِنْ ظلّ في نفسه ثاثرًا على الظلم الاجتماعي… إننا لا ننظر إلى مصير سعيد في نهاية الرواية على أنه حكم بالإدانة له أوللمجتمع أوللدولة لأنه كان قد انتهى قبل ذلك بكثير حين حاول السرقة…”([20]).

وسلَّطَ الناقد الضوء على الشخصية الثانوية في العمل (الشيخ الجنيدي) الصوفيّ المعتزل في الخلاء، حيث يمثل – عنده – “الجانب الروحي المباشر”، ذلك الجانب الذى أفرد له كتابه (الإسلامية والروحية)، وراح يدافع عن ذلك المفهوم ملتقطاً عبارة “توضأ واقرأ” التى وردت على لسان الجنيدي كي يستنبط منها دعوة رمزية إسلامية للبدء من جديد، بداية سليمة يمكن أن توضع في مقابل دعوة رؤوف علوان”تدّرب واقرأ”حيث انتصر (التدريب) على (الوضوء).

ومن الطبيعي أن يرفض الناقد أقوال اليساريين والوجوديين كصاحبي (المنتمى) و(التأملات) ([21]) من أن الشيخ الجنيدى لم يكن في جعبته من التصوف ما يشفي غُلَّة سعيد مهران إلى الحرية والعدل، أوالحديث عن ثورية البطل.

إن الشيخ عند صاحب (الإسلامية الروحية) كان يثق بالبطل أكثر من ثقته بنفسه حين دعاه إلى اتخاذ أسلوب آخر حياته، ولكنه “اندفع إلى انتحار أهوج متخيلاً نفسه فدية  الجبناء… كما ظلّ محصوراً في دائرة الثأر الشخصيّ فافتقدت حركته معنى الشمول، كما افتقر إلى الحبّ البصير”([22]).

ثانياً: نقاد الجمالية الشكلية

ركز قسم كبير من نقاد نجيب محفوظ على دراسة الأعمال الفنية دراسة جمالية شكلية، وكان من الطبيعى أن تخضع رواية (اللص والكلاب) لهذا اللون من التحليل نظرًا للشكل الفنيّ الجديد الذى اصطنعه نجيب محفوظ فيها، وفاجأ به قراءه عام 1961.

يحدثنا يحيى حقى([23]) عن اللغة الديناميكية التى كتب بها المؤلف روايته، وهى لغة وليدة الانفعال الذى يطالع القارىء في اختيار العنوان (اللص والكلاب)، مما يشي بالصراع العنيف و”خلاصة رموز العمل كلها”. ويرى الناقد أن الألفاظ قد انصهرت هى الأخرى في بوتقة أصبحت الصلة بعيدة بينها وبين هيئتها في القاموس، اكتسبت شحنات وأطيافاً عديدة لم نكن نظنُّ أنها قادرة عليها.

هذا، وتربط د. لطيفة الزيات([24]) بين رواية (اللص والكلاب) والروايات التى أعقبتها (الطريق – الشحاذ)، وهى تربط بينها جميعًا من حيث الشكل إذ: “نتلقى الحدث من وعى الشخصية  مباشرة أومن زاوية قريبة أشد القرب من وعى الشخصية… تتداعى المستويات الزمانية والمكانية داخل وعى الشخصية الرئيسية وتتشابه وتتناقض في نفس اللحظة الروائية”([25]).

وتلاحظ الباحثة أن الكاتب يعتمد على النقلات الزمانية والمكانية المتعارضة والمتشابهة بوصفها قاعدة للسرد الروائي مع استقاء الحدث من وعى الشخصية([26]).

ولكن الناقدة لم توضح في بحثها ذلك التشابه القائم في الشكل بين (الطريق) و(الشحاذ) و(اللص والكلاب)، وأكتفت بقولها إن”الشبه أقوى من أن يغيب عن القاريء وراحت تتكلم عن الحدث النابع من وعى الشخصية دون أن تدلل على كلامها باستشهادات من الرواية، ولكنها أسهبت في الحديث عن الرابطة بين (السمان والخريف) و(ميرامار) و(الثرثرة)؛ حيث أفردت معظم صفحات البحث لهذا الغرض بالرغم من إشارة العنوان إلى وحدة الخط الذى يربط بين (اللص والكلاب) وتلك القصصالتي تلتها في الصدور.

وتنتهى الناقدة إلى أن الأسلوب الذى استحدثه نجيب محفوظ مع (اللص والكلاب) يحطم الفاصل بين الحقيقة الداخلية للشخصية والحقيقة الخارجية لها، بين الوهم والواقع، بين حقيقة الشخصية وحقيقة غيرها من الشخصيات.

أما د. فاطمة موسى فقد شُغِلَتْ في مقالها (اللص والكلاب بين الفن والواقع)([27])  بالمقارنة بين القصة الواقعية لسفاح الإسكندرية، وقصة نجيب محفوظ.

وهى ترى أن المقارنة بينهما تفيد المتلقي في”كشف مدى تأثر الكاتب بالحادثة الواقعية وتحرّره منها من ناحية أخرى”. فلقد اهتز الكاتب لحادث السفاح كما اهتز له غيره من المواطنين لكنه ترجم انفعاله إلى عمل فنىّ رائع له صفة الدوام، ولم يجعل من قلمه عبداً لهذا الواقع بتفصيلاته، لكنه فرض رؤياه على هذا الواقع، وانتخب منه ما يخدم موضوعه([28]).

وتمضى الناقدة في المقارنة بين القصة الأصلية للسفاح، والرواية الفنية، فترى أن المؤلف قد أضاف إلى شخصية المجرم تاريخاً يُفَسِّر سلوكه وإنْ كان لا يبرّره، فمن خلال ذكرياته نجده طفلاً يرقب حلقات الذكر مع والده، ونراه في صباه قد حَلّ محلّ أبيه في العمل، ونراه يسرق للمرة الأولى ليدفع عن أمه غائلة الموت، ونرى رؤوف علوان الطالب الثائر القاطن في نفس البناية ينقذه من ورطته، ويجعله تلميذاً يلقنه تعاليمه الثورية الساخطة.

وترى د. فاطمة موسى أن كل هذه المبررات لا تشكل دوافع مقنعة للطريق الذى انتهجه سعيد مهران،  وهى لا تتعاطف معه حيث ترى أنه يكره الكلاب “ولكنه هونفسه كلب، أوبينه وبين الكلب سبب كبير، فهوحاد الحواس، سريع الحركة، ينقضّ في خفة، ولكن نباحه وعضّته تضيع كلها هباءً، ولعلّ هذا الشبه هوما دعا (نور) إلى حبه والتعلّق به إلى هذه الدرجة لأنها على حدّ قولها تحب الكلاب”([29]).

وتستند د. فاطمة موسى إلى ما ورد في الرواية من قول المؤلف: “وقرصه الجوع رغم قلقه وأفكاره. فذهب إلى المطبخ فوجد في الصحاف كسراً من الخبز وفتات لحم عالقة بالعظام وبعضاً من البقدونس فأتي عليها في نهم شديد وتمصمص العظام ككلب”([30]).

وتتفق الباحثة مع ما ذهبت إليه د. فاطمة موسى في عدم التعاطف مع شخصية البطل سعيد مهران، فهولصخرج من السجن الذى حجبه عن المجتمع سنوات وراء الأسوار، قضى هناك فترة تكفير عن جريمة سرقة عادية، تزوج من خادمة وضعية أنجبت له طفلة أنكرته لأنها لم تعرفه حيث قضى سنوات هى كل عمرها في السجن. فنحن لا نرى أمامنا، إلا شخصية مليئة بالغرور الذى يعميها عن سلوك طريق جديد.. إنه فاشل حتى في انتقامه، ولقد أراد أن يعلَّق فشله مع المحيطين به على شمّاعة الخيانة الزوجة والصديق والأستاذ الذى كان يتاجر بالشعارات، لكن.. هل كان مثقفاً حقاً؟

كما ذهبت د. فاطمة موسى إلى تحليل (السرد) في الرواية فخلصت إلى أن محفوظاً قد استخدم طريقة الراوي الذي يتحدث بضمير الغائب، ولكنه يروى الأحداث من وجهة نظر الشخصية الرئيسية أوالبطل وهوبهذا”يضرب عصفورين بحجر واحد فيضمن قدراً كبيراً من الموضوعية يكفله السرد بضمير الغائب وفي نفس الوقت ينقل القاريء إلى قلب الأحداث مباشرة ويكشف له عن عقل البطل ومشاعره”([31]).

وتستشهد الناقدة بقول المؤلف:”قصد من توّه المصعد فوقف بين قوم بدا فيهم غريب المنظر ببدلته الزرقاء وحذائه المطاط وزاد من غرابته نظرته الحادة الجريئة وأنفه الأقنى الطويل…. ترى كيف أنت اليوم يا رؤوف؟ هل تغيّر مثلك يا نبوية؟ هل ينكرني مثلك يا سناء؟ ولكن بُعْدًا لأفكار السوء…”([32]).

والراوي – كما ترى الناقدة – ملاصق للبطل لا يرى إلا ما ترى عيناه ولا يعرف إلا ما يعرفه، ولذا فنحن لا نعرف أين هربت نبوية؟ ولا لماذا اختفت نور؟ وكأنما يُفْهمنَا الكاتب أن هؤلاء جميعاً لا يهموننا إلا بقدر ما يؤثرون في الأحداث.

أما د. نبيل راغب في كتابه (قضية الشكل الفنيّ عند نجيب محفوظ)([33]) فقد وضع تحليله للصوالكلاب في باب أطلق عليه عنوان (المرحلة التشكيلية الدرامية) حيث خرج نجيب محفوظ عن طريقته في الكتابة إلى طريقة جديدة مّيزت المرحلة التى بدأت – في رأي الناقد – بـ (أولاد حارتنا)، ثم الرواية التى نحن بصددها.

وإن كنّا لا نتفق مع الناقد في وضع (أولاد حارتنا) داخل بداية مرحلة جديدة من حيث التشكيل الجمالى الفنيّ، فهى وإِنْ اختلفت من حيث الموضوع والرؤية، إلاّ أنها تنتمي من حيث الشكل إلى ما قبلها.

أما (اللص والكلاب) عندنا، وعند كثير من الباحثين فهى بداية مرحلة تعبيرية جديدة في أدب محفوظ.

ويرى د. راغب أنّ البناء الفنىّ للرواية يقوم على “خط الصراع الأساسىّ بين اللصّ والكلاب أوسعيد مهران والمجتمع، وهذا الخط يلعب دور العمود الفقري الذى يربط أجزاء الرواية منذ أول سطر إلى آخر سطر”([34]). ويُصدر د. راغب حكماً عاماً عن الرواية العربية حتى (اللص والكلاب) بقوله: “كانت تعتني بالوصف الخارجي للشخصيات والأحداث وتركز على الصراع الذى يدور بين الشخصيات والمجتمع، وعلى ملامحه الخارجية بالذات دون أن تلقى الضوء على ما يدور داخل الشخصية وانعكاسات الظروف الخارجية على التكوين النفسي لها، لكن نجيب محفوظ يقدم لنا البطل من الداخل والخارج في لحظة واحدة حتى يكاد القاريء يحس بوجود البطل الفعليّ أمامه فلا نجد فجوة بين الأثر الخارجيّ والانفعال الداخلي الموازى والمساوى له (لأنهما) يصدران من منبع واحد هوتكوين شخصية البطل”([35]).

وتتفق الباحثة مع الجزء الأخير من كلام الناقد إلا أنها تتحفظ على الأحكام التعميمية المطلقة، لأننا لا نستطيع أن ندمغ الرواية المصرية بعامة قبل (اللص والكلاب)  بإهمال الانفعالات النفسية للشخوص ورصدها، وبيان مدى تأثير الظروف والملابسات على التكوين النفسى لها وكذا الاهتمام بالصراع الخارجى على حساب الصراع الداخلي للشخصية.

والحق أن المقام هنا لا يسمح بمثل هذه الملاحظة ولكننا لا نستطيع أن نتجاهلها أيضًا.. ولنا في أبطال نجيب محفوظ نفسه مثل (محجوب عبد الدايم في القاهرة الجديدة – حسنين ونفيسة في بداية ونهاية – وحميدة في الزقاق – السيد عبد الجواد وولده كمال في الثلاثية – كامل رؤبة لاظ في السراب) لنا في هؤلاء جميعاً أمثلة حية على اهتمام المؤلف بالبناء الداخلى للشخصية جنباً إلى جنب مع ديناميكية الحدث وتطوره في الرواية.

ونجد أَنّ صاحب (قضية الشكل الفنى) يركز في تحليله على الجانب النفسي في شخصية البطل، ويتتبع انعكاس الأحداث عليها إلى أن يخرج بحكم آخر على الشخصية بقوله:”ومن هنا يتحول سعيد مهران إلى بطل تراجيدي يحمل كلّ بذور المأساة فهويحارب الخيانة بمفرده ولكن ضرباته تطيش ولا تصيب إلّا الأبرياء وتتحول حياته إلى جحيم متصل، وتنقلب أيامه إلى كابوس ثقيل..”[36]).

وهنا تقف الباحثة عند وصف الناقد للبطل، بأنه نموذج للبطل التراجيدي الذي يحمل بداخله عناصر فنائه؛ إذ يجدر التنبيه إلى شيوع مصطلح (البطل التراجيدي) ([37]) بين النقاد في غير محله، حيث ورد في تعريف البطل التراجيدي عند أرسطوفي (فن الشعر)، أنه شخصية نبيلة أرستقراطية تلتزم بالمبادئ دائمًا، لكنها تسقط سقطة تؤدي بها إلى الهلاك أوإلى المصير المحتوم (الهامارتيا) وتحول حياة الشخصية إلى الجحيم بعد النعيم[38]. وبطل (اللص والكلاب) ليس من هذا النوع، ولكنّه بطل قد وقع في فعل مأساوى، أدّى به إلى طريق الخسارة والموت حين صمم على الانتقام حتى بعد أن أخطأ وقتل الأبرياء.

هذا ويركز الناقد على أن”القدر قد خلق من سعيد مهران بطلا تراجيدياً بسبب هذا الجنون والاندفاع الذى كان يسرى في عروقه سريان الدم مما سَمَّمَ حياته”([39]).

وفي موضع آخر نجده يرى “أن المؤلف يشير بأصابع الإتهام إلى المجتمع لأنه في نظره مسؤول عن جريمة سعيد مهران، وهوالعامل الأساسي الذى دفعه إلى التهور والجنون وارتكاب حماقة وراء الأخرى”([40]). ويستند د. راغب في حكمه هذا إلى مرض والدته، واضطراره للسرقة الأولى كي يبتاع لها الدواء، ووقوعه فريسة سهلة لأفكار رؤوف علوان الذى شجعه على السرقة انطلاقا من مفهوم مغلوط للعدل حين قال له:”أليس عدلاً أن ما يؤخذ بالسرقة، بالسرقة يجب أن يُسْتَرد”.

ولقد كانت رؤية الناقد شمولية للعمل حيث جمع في تحليله بين الشكل والمضمون، إذ رأى تماسكاً وتكاملاً بينهما”ساعد على عضوية بناء القصة، وعلى الحيوية المتدفقة في عروقها”([41]).

هذا، وقد أرجع د. رشاد رشدى([42]) أزمة البطل في (اللص والكلاب) إلى ما أسماه (بعنصر القدرية).

ويرى الناقد أن الوسيلة الفنية التى استخدمها محفوظ في قصته (المنولوج الداخلي) هوالشكل الوحيد الذى يتلاءم مع القصة كما رآها نجيب محفوظ بعين الخيال، لا بالعين المجردة، فهولا يهتم بتسجيل القصة، بل بإنارتها من الداخل ومن زواية فردية بحتة هى زاوية البطل سعيد مهران.

ويرى الناقد أن عدم تفسير الكاتب خيانة الزوجة والصديق والأستاذ وشرح الظروف التى أدت إليها، أمور من شأنها أن “تقلل من قدر الخيانة وجسامتها لأنها تربطها بمحسوسات قابلة للتغيير، أما وهى لا ترتبط بشيء ولا تصدر عن مصدر مفهوم فهى كالقضاء والقدر في جسامته وحتميته”.

ويرى الناقد أن نجيب محفوظ عندما ركّز على البطل وحده دون سائر الأبطال واهتم بتصوير (الحقيقة الكلية) من خلال مجرى الشعور عنده قد خرج من النطاق الذاتي المحدود إلى نطاق موضوعى لا يعرف الحدود وهو(الرمز). أى أن خيانة الزوجة والصديق – عند الناقد – رمز لخيانة الجذور والمجتمع كله، فسعيد مهران صورة للإنسان الحديث بعد أن انفصم عن جذوره، فباء بالخسران واستسلم للنهاية بلا مبالاة.

أما الدكتور لويس عوض فقد ذهب مذهبًا مخالفًا لنقاد نجيب محفوظ، بذلك الحكم الذى أصدره على الرواية بأنها “كلاسيكية القالب رومانسية المضمون. فهذا اللصالشريف إن صحَّ التعبير شخصية ملتهبة الخيال تستطيع أن تعيش بشهوة واحدة في الحياة، هى شهوة الانتقام بعد القوة الملتهبة العنيدة التي سيطرت على شخصيات الأدب الرومانسي العظيم كشخصية “هثكليف” في (مرتفعات وذرنج) لإميلي برونتي، وشخصية أدمون دانت في (الكونت دى مونت كريستو) لإسكندر دوماس الأب.. حيث تُسمِّمُ عقلَ البطل ووجدانه، أوتسيطرُ عليه فكرةٌ واحدةٌ، أوشهوة أكلة مدمرة تعصف به وبكل مَنْ حوله”([43]).

ويرى د. لويس عوض أن محفوظًا بذلك قد أحدث (صدعًا كبيرًا) – على حدّ تعبيره – بين “مادة الفن وصورته”.

ويُرْجع د. عوض هذه الكلاسيكية في القالب إلى دقة المؤلف وإحكامه الشديد في رسم الشخصيات الرئيسية من الخارج والداخل، وإنطاقهم بلغة المؤلف الشخصية فهم”لا يفكرون بعقولهم، وإنما يفكرون بعقل نجيب محفوظ”([44]).

ونتوقف هنا لمناقشة كلام الناقد الكبير، فحدود الفنّ الكلاسيكي معروفة، من حيث اعتماد العمل الفنىّ على العقل الواعي المتزن الذى يكبح جماح الغرائز والعواطف، وانصباب التراجيديا على الملوك والأشراف، والتطلع نحوالمثالية بهدف تحسين الواقع ورتابة المعالجة دون الأخذ بعين الاعتبار حركة الحياة أوجدليتها([45]).

وليس من الفن الكلاسيكي في شيء أن يحوّل المؤلف الصراع في العمل إلى مغامرة في وجدان البطل، وليس فيه التركيز على الجانب النفسيّ له من خلال تيار الشعور، وتقابل الماضى بالحاضر في ذاكرته، وليس من الكلاسيكية استخدام تقنية الحُلْم في القصالروائيّ بوصفه وسيلة من وسائل الرمز تارة، وإلقاء الضوء على ركن مظلم من عقل البطل بآماله ومخاوفه.. كل ذلك صاغه نجيب محفوظ بلغة عالية رفيعة مُحملة بكافة الشحنات النفسية والمجازات التعبيرية.

يقول محفوظ في ختام العمل:”وإذا بالضوء الصارخ ينطفئ بغتة فيسود الظلام، وإذا بالرصاصيسكت فيسود الصمت. وكفّ عن إطلاق النار بلا إرادة، وتغلغل الصمت في الدنيا جميعا. وحلّتْ بالعالم حال من الغرابة المذهلة، وتساءل عن.. ولكن سرعان ما تلاشى التساؤل وموضوعه على السواء وبلا أدنى أمل. وظنَّ أنهم تراجعوا وذابوا في الليل، وأنه لا بُدَّ قد انتصر، وتكاثف الظلام فلم يعد يرى شيئًا ولا أشباح القبور… وأخيراً لم يجد بُدّاً من الاستسلام فاستسلم بلا مبالاة.. بلا مبالاة”([46]).

أما مسألة رومانسية المضمون، فلا يمكن أن نفهمها في ضوء العمل الروائي، فالبطل لا تتوافر فيه أية سمة من سمات البطل الرومانسي الذى يهرب من واقعه إلى الطبيعة، والمتمرد على الأعراف والتقاليد، والمحب المتألم اليائس الذى ينشد المثال والمتأمل الشرود الغارق في أحلام اليقظة.

إن سعيد مهران أبعد ما يكون عن البطل الرومانسي، كذا فإن مغزى الرواية يتناقض مع مفاهيم الرومانسية. أما ما ذهب إليه د. يوسف عوض عن مقارنة بطل (اللص والكلاب) ببطل (مرتفعات وذرنج)، و(الكونت دي مونت كريستو)، فهى مسألة تحتاج إلى نظر منا.. إذ يختلف سعيد مهران في نشأته والظروف المحيطة به وتكوينه الشخصي عن (هثكليف) اللقيط اليتيم الذى يعامله الآخرون بقسوة وتتنكر له محبوبته فيبتعد عن المكان ويعود بعد أن يحقق ثروة عن طريق شريف، ويجعل الانتقام غايته.

أما (الكونت دي مونت كريستو)، فهورجل شريف تعرّض للخيانة وسُجنَ ظُلْماً، فخرج إلى النور محاولاً الانتقام ممّن ظلموه.

فباعث الانتقام هنا مختلف تماماً عنه في حالة سعيد مهران الصغير الشريف، الذى لم يعرف إلا حياة الليل الآثمة قبل دخوله السجن، وبعد خروجه منه.

أما د. سامى سليمان، فله دراسة جمالية وافية تناولت الرواية من جميع عناصرها الفنية، وقد ركز فيها على (الحدث) وعلاقته بالزمان والمكان، وكذا تناول العمل تناولاً يتعلق بدراسة طرائق السرد التى استخدمها محفوظ، ورصد د. سامي عناصر السرد وهى (الراوي الموضوعى وتيار الوعى والمونولوج الداخلي) ورأى أنَّ عنصرى الراوى الموضوعى وتيار الوعى كان لهما الغلبة الواضحة على السرد.

كما درس الناقد تقنيتين أساسيتين في السرد هما: تقنية القطع، وتقنية التزامن.

أما تقنية القطع عنده فتتمثل في”إيقاف حركة الحدث الخارجى في لحظة ما، والتعمق في داخلية نفسية البطل”([47]).

وأما تقنية التزامن فتعنى أن حدثين مختلفين في لحظة زمنية واحدة والغالب أن يكون أحدهما خارجياً والآخر داخلياً([48]).

وكل هذه التقنيات تساهم في تصوير الشخصية من الداخل والخارج.

كما درس الناقد لغة الكاتب في الرواية، وهي الفصحى المعاصرة التى يتوجه بها نحوالقاريء العام، ورصد الناقد مستويين من مستويات الفصحى، الفصحى المعاصرة، وفصحى التراث الصوفية في مشاهد لقاء البطل مع الشيخ الجنيدى.

ولا نستطيع أن نغفل ذلك البحث المهم الذى كتبه د. جابر عصفور بعنوان (نقاد نجيب محفوظ)، إذ أشار الناقد الكبير إلى ذلك الاختلاف الشديد بين نقاد نجيب محفوظ في الرؤى، وطريقة تناول الأعمال الأدبية بقوله:”ولن نجد حالة أكثر إلحاحاً على المراجعة من أقوال النقاد حول نجيب محفوظ، ذلك لأنه ما مِنْ مرة أصدر هذا الروائى رمزاً إلا وتعددت التفاسير والتأويلات على نحويتحول معه العمل والرمز إلى مساحة يتنازعها نقاد أشبه في غير حالة بإخوة أعداء…”([49]).

ولقد أخذ الناقد على مَنْ يتصدون لدراسة نجيب محفوظ تلك”النظرة الجزئية”حيث تكمن المشكلة عنده في أن ناقد نجيب محفوظ يتباعد عن مهمته.. ونلحظ أن تعامل هذا الناقد مع النص وصانما هوتعامل يفرض على النصوص الإستجابة إلى نظرة جزئية من ناحية، وتأريخية بالمعنى الضّيق تطوّرية من ناحية ثانية فتتجزأ هذه النص وصمرة، وتتجاور تعاقباً مرة ثانية دون أن تنتظم في نظام موحد لا يغيب عن آنيته أبعاد التعاقب بحال..”([50]).

ومن ثَمَّ، يُطالب الناقد نقاد نجيب محفوظ بالنظرة الكلية إلى أعماله جميعها بقوله:”ولا شك.. أن اللصّ والكلاب تتجاوب مع الكرنك مثلما يتجاوب كلاهما مع القاهرة الجديدة أوعبث الأقدار بل يندرج الجميع في شبكة واحدة من العلاقات تصل ما بين هذه النص وصونص وصاخرى غيرها”([51]).

فالمهمة التي يجب أن تُنَاط بالناقد في رأي د. عصفور هى: “النظرة إلى نصوص القاص بوصفها كلاًّ واحداً يحكمه نظام محدد له عناصره التكوينية ومحاوره المتعددة ومستوياته المتصارعة”ويرى أن الوحدة التى تنتظم النصهى محصلة العلاقات بين عناصر النصّ الواحد من ناحية، وبينها وبين عناصر بقية النص وص من ناحية أخرى.

كما يرفض د. جابر عصفور مسألة (استنطاق النص) عند نقاد نجيب محفوظ حيث نجد “مَنْ يتحدث عن”نجيب محفوظ سياسياً”أومَنْ يبحث عن”الوجدان القومى في أدب نجيب محفوظ”أوعن”تاريخنا القومى في ثلاثية نجيب محفوظ”أوعن”أزمة الوعى السياسي في قصة السمان والخريف”…”([52]).

وتتفق الباحثة مع الناقد الكبير في مأخذ (استنطاق النص) تبعاً للفكر والأيدلوجية التى يصدر عنها الناقد حيث نجد مَنْ يصف نجيب محفوظ نفسه بـ (الكاتب الاشتراكي المادي) أوبـ (كاتب البرجوازية) والمدافع المخلصعن الطبقة المتوسطة، أوباتهام الرجل بالبعد عن حظيرة الإسلام والمروق والإلحاد ثم بالانتماء المخلص للإسلام ومحاولة إيجاد أصول ومرجعية دينية لكافة كتاباته.

علينا أن نفرّق بين الكاتب والعمل الإبداعي. فأدب نجيب محفوظ ثرىّ غاية الثراء، وإنتاج الرجل ممتدّ بامتداد الفترة الزمنية التى عاشها، قرابة قرن من الزمان (القرن العشرين) ذلك القرن الذى شهد تطورات حضارية بشرية على المستويات التاريخية والسياسية والمذهبية، كما شهد صراعاً ثقافياً فكرياً بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب.

أضف إلى هذا، وقوع حربين عالميتين، وانتهاء الحرب الباردة وسقوط الشيوعية وانتصار المارد الأمريكي، وما يشهده العالم من عولمة، ناهيك عن الصراع العربي الإسرائيلي، وتجارب الأنظمة السياسية العربية، وتجربة الديمقراطية في مصر بخاصة.

لقد كان الرجل شاهداً على عصر أولنقُلْ على قرن من أشد فترات التاريخ المعاصر تعقيداً، لذا كان من البدهي أن يحفل أدبه بكافة التيارات المتنافرة المتباينة على المستوى الفكري.. وكذا كان من الطبيعي أن يشهد فنه تطوراً في التكنيك والجماليات بما يتماشى وطبيعة المراحل التى عاشها هذا الأديب العظيم.

فشخصيات مؤمنة مسلمة مثل (عبد المنعم الإخواني) تتجاور مع شخصيات ماركسية مثل (أحمد) في (السكرية) أو(على طه) في (القاهرة الجديدة) أو(سرحان البحيري) في (ميرامار) أورؤوف علوان في (اللصّ والكلاب) على اختلاف النموذجين الأخيرين من حيث كونهما من الشخصيات الانتهازية التى تتشدق بالشعارات الاشتراكية دون العمل بها.

وغاية القصد، أن العمل الفنىّ حَمَّالُ أوجه، وأن الأديب الحق لا بُدَّ أن يأتي أدبه مرآة ص أدقة لعصره.

لذا لا نستطيع أن ندين مَنْ قسموا أدب نجيب محفوظ إلى مراحل تاريخية وفنية، فهذا التقسيم عندنا طبيعي، ومن الطبيعي أيضًا أن تختلف رؤية الفنان تبعاً لاختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التى يعيشها، وتبعاً للتطور العقلى والفكرى الذى يمرّ به من ناحية أخرى.

وعلى هذا، لا يمكننا أن نضع أعمال نجيب محفوظ كلَّها في منظومة واحدة، ونبحث عن النظرة الكلية التى توحدها وعن الرابط الذى يربط بينها جميعاً لأننا بهذا ننحي العمل الفنى عن صاحبه ونعزله ونخضعه لفحص تشريحي قد يؤدي بنا إلى لون آخر من ألوان التعسف في استنباط النتائج.

وإذا كان الأديب صاحب العمل يخضع لنواميس الكون في التطور والتأثر بمجريات الأمور، فإن الناقد أيضًا يخضع لمثل هذه النواميس والمجريات الثقافية والاجتماعية والدينية.

لذا كان ثمة مداخل عدة لدراسة الأدب عرفها النقد كالمدخل الإجتماعي والأخلاقى والجمالى وغيرها من الأبواب التي يطرقها النقاد.

ومن هذا المنطلق، قسمت الباحثة نقاد نجيب محفوظ الذى كتبوا عن (اللص والكلاب) إلى قسمين كبيرين: نقاد الفكر ونقاد الجمالية.

ولعل هذه الرواية بخاصة، قد فرضت عديداً من الأسئلة على النقاد بمجرد ظهورها ولاسيما بهذا الشكل التعبيرى الجميل الجديد الذى تبنّاه الكاتب العظيم لأول مرة، ولذا كان لا بُدَّ من التحليل والدرس والربط بين الشكل والمضمون، والمغوى المقصود من العمل الفنىّ المحيّر.

ولقد كانت (اللص والكلاب) وليدة مرحلة تاريخية معينة استدعت كل هذا المدّ من التفسيرات الأيدلوجية، لا سيّما الرؤية اليسارية الاشتراكية.

والحق أن جدة القالب الفنى وطرافته، وسمّواللغة الفنية المحملة بالرموز كانت جديرة باستدعاء كافة المناقشات النقدية، وفتح الباب أمام نقاد نجيب محفوظ للإدلاء بدلائهم في الرمزية والواقعية والوجودية واليسارية والروحية والإسلامية، ولهم الحقّ كل الحقّ فساحة النقد تتسع لجميعهم؛ شريطة أن يدلل كلٌّ على ما يتبنى من آراء، ويتحرّى الدقة فيما يتخذ من مصطلحات.

_____________________________


[1] ) نُشرت مسلسلة في جريدة الأهرام، ثم طبعت لأول مرة 1962 في (مكتبة مصر)
[2] ) المنتمي، غالي شكري، مكتبة الزناري عابدين القاهرة، ط1، 1964م
[3]) المرجع السابق، ص 258
2) المرجع السابق ص 264.
[5])  ألبير كامي: الغريب، ترجمة د. محمد غطاس، الدار المصرية اللبنانية 1990م.
[6])  لنا وقفة عند مسألة (البطل التراجيدي) فيما يلي من الصفحات، حيث استخدم المصطلح د. نبيل راغب في كتابه (قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ).
[7])  المرجع السابق ص 273.
[8])  مجلة الفكر المعاصر مارس 1963، والمقالة منشورة بكتاب (الرجل والقمة) بحوث ودراسات ط الهيئة المصرية العامة للكتاب جـ1، ص 115-116 سنة 1989م
[9] ) سارتر: الغثيان، ترجمة سهيل إدريس، منشورات دار الآداب بيروت 1962.
[10]) المرجع السابق ص 112.
[11]) المرجع السابق، 112.
[12])  مقال (اللص والكلاب) المنشور ضمن كتاب (الرجل والقمة) ص 739.
[13]) المرجع السابق، 740.
[14]) المرجع السابق،748.
[15])  دراسة بعنوان (اللص والكلاب) منشورة في كتاب (الرجل والقمة) من ص 721-738.
[16]) المرجع السابق،731.
[17]) المرجع السابق،731.
[18]) المرجع السابق،738.
[19]) محمد حسن عبد الله “الإسلامية والروحية في أدب نجيب محفوظ”، مكتبة مصر بالفجالة، 1978م.
[20]) المرجع السابق،242.
[21])  محمود أمين العالم في كتاب (تأملات في عالم نجيب محفوظ) ط 1 1970.
[22])  الإسلامية والروحية ص 249.
[23]) عطر الأحباب، بيروت 1971، والبحث منشور في كتاب (نجيب محفوظ إبداع نصف قرن) دار الشروق ط 1، 1989 من ص 155-180، وقد اعتمدنا عليه.
[24]) مقال بعنوان (الشكل الروائي من اللص والكلاب إلى ميرامار)، مجلة الهلال فبراير 1970، ومنشور في كتاب (نجيب محفوظ إبداع نصف قرن من ص 181- 195 وهوما اعتمدنا عليه.
[25] ) المرجع السابق ص 182.
[26] ) المرجع السابق ص 192.
[27]) نشر لأول مرة في أخبار اليوم 7 فبراير 1962، ومنشور في المرجع السابق (نجيب محفوظ إبداع نصف قرن) ص 107.
[28]) المرجع السابق ص 108.
[29]) المرجع السابق ص 110.
[30]) الرواية مكتبة مصر بالفجالة 1977 ص 158.
[31]) د. فاطمة موسى (اللص والكلاب بين الفن والواقع) ص 113.
[32]) الرواية، ص 35، 36.
[33])طبع في الهيئة المصرية العامة للكتاب: القاهرة، ط3، 1988.
[34]) المرجع السابق ص 242.
[35]) المرجع السابق ص 243.
[36]) قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ، ص 245.
[37]) استخدمه د. غالى شكري في (المنتمي).
3) أرسطو: فن الشعر، ترجمة إبراهيم حمادة، مكتبة الأنجلو، ب – ت ص 132.
[39]) قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ ص 246.
5)  المرجع السابق ص 250، 251.
[41]) قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ ص 256.
[42]) د. رشاد رشدى: مقالات في النقد الأدبي، القاهرة دار الجيل للطباعة ط1، 1962. مقال (عنصر القدرية في اللص والكلاب).
[43]) (اللص والكلاب) د. لويس عوض، ضمن كتاب (نجيب محفوظ إبداع نصف قرن) ص 104.
[44]) المرجع السابق ص 104.
[45])  مذاهب الأدب، د. ياسين الأيوبي، دار العلم للملايين، بيروت ط2 1984 ص 90 وما بعدها.
[46]) الرواية ص 180، 181.
[47]) د. سامى سليمان أحمد: مدخل إلى دراسة الفن الأدبي المعاصر، مكتبة الآداب، ط القاهرة 2006 ص 104.
[48]) المرجع السابق ص 106.
[49]) المقالة بعنوان (نقاد نجيب محفوظ) منشورة في كتاب (نجيب محفوظ، إبداع نصف قرن) ص 237، 238.
[50] ) المرجع السابق ص 241.
[51] ) المرجع السابق ص 238.
[52]) المرجع السابق ص 258.

 


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا