قصة قصيرة

بُشْرَى .. قصة قصيرة بقلم محمد صابر  

بقلم محمد صابر

 

( الوقت هو السارق الأعظم يسرق من أعمارنا
مع مرور كل ثانية بكل دقيقة، و نحن لا ندرى إلى متى
تستمر هذه المسرحية الهزلية المدعاة بالحياة ؟)

كان الوقت فجرًا حينما وصل المولود الجديد، و لأن الشتاء كان مهيمنًا على أرجاء حارة برقوق المتفرعة من درب سعادة بمنطقة باب الخلق فقد سمع ساكنيها صوت بكائه و رددوا جميعًا ( بشرة خير ) فكان إسمه بُشْرَى

أمهُ هى سنية بائعة الجرجير و أبوه حسن لنكش نزيل سجن أبو زعبل و مازال أمامه خمسة عشر عامًا ليخرج منه.

مرت الأيام سريعا فأنتقل من حجر أمه إلى اللعب أمام الفرشة ثم اللعب بالساحة مع أقرانه من أطفال الحارة، ذات يوم نهره إبن المعلم سيد صاحب الفرن البلدى و صمم أن لا يناديه إلا بإبن الساقطة، فما كان منه إلا أن تناول حجرًا من الأرض فبطح به إبن المعلم سيد، فهرع الطفل لأبيه سايح فى دمه،فأستثار الأب لإبنه و ذهب مغاضبًا لأم بُشْرَى و قام بضربها و إلقاء بضاعتها على الأرض أمام أهل الحارة الكرام الذين لم يتدخل أحدهم للدفاع عن المرأة المسكينة و أكتفو بلم الجرجير من الأرض بعد أن غادر المعلم.

الثأر كلمة لم يكن يفقهها الصغير بعد لكنه خطط لها، فى نفس الليلة إنتظر حتى نامت أمه ثم إطمئن أن لا أحد يراه يخرج من العشة الصفيح التى هى مسكنهم و مصدر رزق أمه، توجه ناحية الفرن البلدى حاملًا بجيبه أعواد ثقاب و قطعة قماش، وصل للفرن و دار حوله مرتان ليطمئن ثم قفز إلى نافذة حمام العمال و التى ساعده حجمه الصغير على الولوج من خلالها، ثم راح يبحث عن تانك المازوت المستخدم فى إشعال الفرن، فتح غطاء التانك و أشعل النار بقطعة القماش ثم وضعها داخل التانك و لكنها إنطفئت، فظل يحاول أن يشعل النار و لكن دون فائدة حين أحس بأحدهم يمسك به من كتفه و يحمله و يجرى بعيدًا.

كان ذلك رضا الدكش صديق أبوه هجام هى وظيفته، و كان ماراً أمام الفرن حين سمع همس أنفاس لا يسمعه إلا أصحاب مهنته فأعتقد أن هناك أحدهم يسرق الفرن، عنفه رضا و رفض أن يأخذ حقه بهذه الطريقة التى ليس بها رحمة بالناس، فأخذه معه إلى بيته و أعطاه هدية زجاجة مولوتوف بعد أن علمه طريقة صنعها، و أشار إليه بالنصيحة

  • ولع فى المعلم بس الفرن ده بتاع الغلابة

فى اليوم التالى نفذ خطته الموضوعة بنجاح، فدخل المعلم مستشفى القصر العينى و دخل بُشْرَى الأحداث.

خمس سنوات فى الأحداث كانت كفيلة بتقوية عوده و تحديد ملامحه، يشبه أباه و له عيون أمه التى توفت بعد حبسه بعامين، كان فى إنتظاره لدى الباب رضا الدكش و معه شخص أخر، لم يوله إهتمام فلم يكن يعرفه، حتى قال له رضا

سلم على أبوك يا بُشْرَى

لم يتردد فى سبه لحظة، و قد هم أن يضربه لولا تدخل رضا الدكش

  • هتضرب أبوك يا إبن المجنونة

فبصق على الأرض و تركهم و رحل بعد نظرة إستنكار ألقاها عليهم.

كان صديقه و زميل الأحداث سعيد يعيش بحارة بمنطقة باب الشعرية يعمل فى صناعة الأحذية، فلجأ إليه ليبيت ليلته و ليبحث عن عمل شريف، قابله سعيد بكل الترحاب، و حلف ثلاثة ألاف يمين طلاق بأن هذا هو أسعد أيام حياته و أنه لن يتركه يرحل أبداً، فى الفجر أتى أبو سعيد للمنزل مخمورًا، و أستشاط غضبه عندما رأى بُشْرَى نائمًا و تشاجر مع سعيد و طردهما.

فى الصباح  أخذه سعيد من يده و سلمه لرضا الدكش و سعيد لنكش، كان اللقاء أقل حدية، و بالرغم من إنه ألقى باللوم كله على أبيه و حمله المسئولية إلا أنه بكى بكاءً حارًا على أمه المسكينة، فأحتضنه أباه و بكى معه.

و مرت الأيام بسرعة كعادتها، و أصبح رجلًا تهابه الناس و تخاف منه، تاجر فى كل شيء غير مشروع، لم يقبل عرض أبيه لتعليمه السرقة، و لكنه قبل عرض الدكش لتعليمه الحركات البهلوانية التى أصبح متمكنًا منها و يستخدمها فى الهروب من الشرطة أو فى معارك فرض السيطرة على زملاء المهنة.

ذاع صيته بين الناس و عرفوا عنه القلب الميت و عدم الخوف، و وصلت أخباره لنادر بيك رئيس المباحث الجديد بقسم الدرب الأحمر.

كان بُشْرَى يقف على ناصية الحارة يدخن سيجارة، حين و قفت أمامه سيارة ميكروباص فجأة و نزل منها رجال المباحث يهرولون ناحيته، ما إن رأهم إلا و ركض مسرعاً ناحية شارع بورسعيد، فوجد سيارة أخرى تسد عليه الطريق، حاول أن يعود أدراجه فرأهم قادمون نحوه، فلمح طرف حبل يتدلى من سطح بناية من ثلاث طوابق، فقفز و تشبث و تسلق الحبل الذى كان بنهايته حذاء نادر بيك رئيس المباحث و يده الممدودة.

مد بُشرى يده إليه و أرتسمت على وجهه إبتسامة عندما أحس أنه وقع فى الفخ المرسوم بحرفية من نادر بيك، جلس على الأرض يلهث من الركض، فجلس بجواره نادر بيك و أخرج علبة سجائره و أعطاه منها واحدة ثم أخرى لنفسه.

  • إنت عايز منى إيه يا باشا

  • أنا عايزك تشتغل معايا

  • ماليش فى السكة دى و إنتم عارفين

  • مين إنتم

  • إنتم ياباشا الداخلية

  • و مين قالك إنى عايزك تشتغل مع الداخلية

  • أمال عايزنى فى إيه لامؤخذة

  • بكرة هتعرف لما تجيلى عند الصخرة الواقعة فى الدويقة الساعة ٨ بالليل

ثم نهض و غادر، بعد أن تأكد بُشْرَى أنه لا سبيل للمراوغة مع شخص مثله.

ألقى بُشْرَى بالسيجارة العاشرة تحت قدمه  و هو ينتظر نادر بيك كما أمره باليوم التالى، ولكنه لم يأتى فقرر الرحيل، حينها برز أمامه ثلاثة رجال ملثمين من خلف الصخرة، فتأهب للقتال فجاء من خلفه الرابع و ضربه على مؤخرة رأسه فهوى أرضًا فحملوه و ذهبوا.

أفاق بشرى فى ظلام دامس، رأسه ثقيلة يشعر بالدوار، إنتظر قليلًا قبل أن يتحرك لتعتاد عينيه على ظلمة المكان، تدريجيًا بدأت الصورة تكتمل، وجد نفسه ببهو كبير لڤيلا ضخمة و أمامه جثة لرجل يبدو من ملابسه أنه صاحب الڤيلا و مسدس، لم يكن لديه الوقت الكافى للذهول، فقد فعلها نادر بيك، لحظات و كانت الشرطة تحاصر الڤيلا و الوحدات الخاصة تقتحمها.

خلال أيام إنتشرت القصة بالجرائد، و تناولها الإعلاميون ببرامجهم (مسجل خطر يقتل رجل أعمال بعد أن هجم على مسكنه بغرض السرقة)

و أصبح الرأي العام يطالب بإعدام هذا القاتل المجرم، و هذا ما طلبته النيابة بمرافعتها أمام المحكمة أيضًا.

تم نقل بشرى لسجن الإستئناف الواقع بدرب سعادة بمنطقة باب الخلق بعد النطق بالحكم و إحالة أوراقه للمفتى، ظل هناك يموت كل ليلة فى إنتظار تنفيذ الحكم، زاره أباه و رضا الدكش و لم يتحدث منهم أحد فقط تبادلا النظرات و العبرات.

بعد عامين من الإنتظار، و معاينة عشماوى للطول و الوزن -من خلف نضارة الباب الحديد- لضمان موت سريع و نظيف تقرر تنفيذ الحكم فجر الإثنين الرابع و العشرين من يناير لعام ألفين و إحدى عشر، و بالرغم من أن السجن على بعد خطوات من حارة برقوق إلا أن أهل الحارة لم يسمعون له صوتًا، فقد كانوا جميعًا مشغولون بصراخ أخر، صراخ لمولود جديد حينما سمعوه رددوا جميعًا (بشرة خير)…..

تمت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: