مقالات فكرية

بقلم يوسف اسحيردة: القدس وتسييس الدين عبر العصور (في اليهودية والمسيحية والاسلام)

“لا شيء يدعوا للضحك، لا شيء يدعوا للبكاء، كل ما يفعله الناس يستلزم الفهم” سبينوزا
تسييس الدين، كان أمرا بديهيا في العصور القديمة، حيث كانت كل الأحكام و كل القوانين في حاجة الى احتضان السماء كي يتم تمريرها دون معارضة من العوام. كان يكفي صبغ أمر ما ( مرفوض غالبا) بصبغة دينية حتى يتم قبوله. كان تسييس الدين عملة دارجة، سواء تعلق الأمر بالديانات السماوية، أو تلك المسماة وثنية. نقتصر الحديث هنا عن الديانات السماوية، و نقدم ما تناوله حولها يوسف زيدان في كتابه ” شجون تراثية”.
 القدس فى ظل اليهودية 
لم تبدأ اليهودية كدين إلا مع ما عرف ب “السبي البابلي” سنة 587 ق.م، و هو ما خلف تدمير الملك البابلي نابوخا نصر لمدينة القدس ( كانت تسمى أورشليم عند اليهود)، و لهيكل سليمان أيضا. و قد قام بسبي اليهود لكي يكونوا عمالا بالسخرة، و إستعان بهم من أجل تطوير عاصمته “بابل”. لكن، ما هي قصة هذا الهيكل الذي يقدسه اليهود، و يخلف، اليوم، العديد من المآسي بينهم و بين المسلمين؟
حسب الأسفار الملحقة بالتوراة ( التوراة يعني أسفار موسى الخمسة : التكوين و الخروج و اللاويين و العدد و التثنية)، كان اليهود، في حدود سنة 1000 ق.م، ينقسمون في فلسطين الى مملكتين : واحدة شمالية هي إسرائيل و عاصمتها السامرة، و الأخرى جنوبية إسمها مملكة يهوذا و عاصمتها أورشليم. تمكن الملك داوود من توحيد المملكتين، بعد حروب طويلة يهودية-يهودية، و أورث الحكم لإبنه سليمان الذي إنحاز كثيرا الى عاصمته اورشليم و أسس فيها الهيكل الذي يمجده اليهود و يتباكون عليه . من هنا نصل الى مجموعة معطيات تبرهن على أولى عمليات إستعمال الدين في السياسة، في تاريخ الديانات السماوية :
– بحسب الكتاب المقدس الخاص باليهود، لم تكن عملية توحيد المملكتين عملا دينيا صرفا، بدليل مشاركة غير اليهود فيها، في شخص أوريا الحثي الذي قتله داوود و أنجب من أرملته الملك سليمان. سليمان الذي يعده المسلمون نبيا و ليس ملكا. يصل يوسف زيدان الى هذه الخلاصة الأولى : “المسألة إذن بجملتها، كانت سياسة و سلطة و شهوات غرائزية و غدرا، و ليست أمورا مقدسة و صراعات عقائدية و مهام دينية.”
– بحسب الكتاب المقدس الخاص باليهود، سليمان كان يعبد الأوثان و يشرك مع رب اليهود آلهة أخرى، و مع ذلك فقد قام ببناء الهيكل من أجل إسترضاء العوام من أتقياء اليهود.
المرحلة الثانية في الاستعمال السياسي للدين، تأت مع السبي البابلي الذي أشرنا إليه سابقا. كما هو معروف، بعد سقوط القدس على يد الملك البابلي نابوخا نصر، و ترحيله اليهود الى عاصمته بابل، سقطت هذه الأخيرة في يد الملك الفارسي قورش سنة 539 ق.م. و قد سمح هذا الملك بعودة كل الشعوب المسبية و من بينها اليهود، الى مواطنهم الأصلية. غير أن اليهود ألفوا العيش في بابل، و رفضوا العودة الى موطنهم الأول. فكان التحميس بالدين من أجل تشجيعهم على العودة الى القدس ( أو بيت همقداش، أو أورشليم…بحسب العصر أو السكان،) و بذلك تمت إعادة بناء هيكل سليمان الذي دمره نابوخا نصر. و يعتقد الكثيرون أن هذه هي فترة تأسيس اليهودية كدين، بكتابة التوراة ( أو أسفار موسى)، بعد عدة قرون طوال من وجود اليهود كجماعة عرقية ذات طابع قبلي ” إثني”.
تجدر الإشارة إلى أن موسى، بحسب الإعتقاد اليهودي، عاش في حدود القرن 12 ق.م. نختم هذه الفقرة المخصصة للمرحلة الثانية في تسييس الدين عند اليهود، على لسان الكاتب نفسه : ” كان بناء الهيكل، بعد خرابه الأول، عملا سياسيا يهدف الى إستجلاب اليهود غير الراغبين في العودة من الأسر البابلي، بإثارة العواطف الدينية في نفوسهم. يعني بعبارة أخرى : كان إستعمالا سياسيا للدين و توظيفا له، و لولا ذلك لما إهتم أحد بإعادة بنائه.”
المرحلة الثالثة في الاستعمال السياسي للدين في اليهودية، يمكن التأريخ لها بسنة 19 قبل الميلاد. خلالها تمت توسعة و تفخيم الهيكل “الثاني” الذي أصبح يسمى “المعبد”، على يد “هيردوس” في إطار عملية شاملة من أجلة تطوير عاصمة مملكته اليهودية، القدس. يقول صاحب “اللاهوت العربي و أصول العنف” : ” تمت عملية توسعة الهيكل الثاني “المعبد” على يد “هيردوس” حسبما يزعمون، في إطار خطة عامة ذات مرام سياسية و اقتصادية و اجتماعية، أهمها تحويل مدينة أورشليم ” بيت همقداش” إلى مركز تجاري و عاصمة تدين بالولاء لروما، و تستمد منها قوتها و سلطتها في المنطقة.”
القدس الآن تابع لروما، الأمر الذي يفسر ثورات اليهود ضد الرومان حتى تكون لهم مملكة مستقلة عاصمتها أورشليم ( بيت القدس، أو بيت همقداش)، الأمر الذي جعل روما تضيق ضرعا بخرافاتهم و تهديدهم لإستقرار الإمبراطورية. فكان تدمير الإمبراطور هدريانوس للمدينة بكاملها، و بنى في مكانها مدينة جديدة قام بتسميتها بإيليا. بل اكثر من ذلك، جعل الامبراطور من إيليا مقرا لعبادة الإله “جوبيتير”، و جعل تمثاله مكان الهيكل الممسوح من فوق الأرض، و منع اليهود من الإقامة في المدينة. و هنا بدأت رحلة الحلم بالعودة الى الارض الموعودة، حتى تحقق نصف الحلم سنة 1948 بقيام دولة إسرائيل.
 القدس فى ظل المسبحية  
تعتبر المسيحية امتداد للدين اليهودي، للحلم العبري في عودة ملك يعيد سيرة و أمجاد كل من داوود و سليمان “السياسية”، فظلوا ينتظرون المخلص، المنتظر، الماسايا، الماشيح، المسيح. و كما هو معروف، لم تكن هناك صوة واحدة، في البداية، للديانة المسيحية. و خلال القرن الثاني الميلادي، كان من الممكن إحصاء أكثر من ثلاثين إنجيلا، إختلفت فيها، كلها، صورة المسيح. عند الارثودوكسية كان المسيح هو إبن الله، فلا فرق بين الناسوت و اللاهوت. عند النسطورية، المسيح هو إبن الانسان الذي ظهر من خلاله الوجود الإنساني بتمامه. و عند الأريوسية، المسيح هو الرسول الذي ارسله الله و في لحظة أحبه و تبناه. و على كل حال يمكن تقديم الصورة التالية، قبل إنعقاد مجمع نيقية، حيث سيظهر إستعمال الدين في السياسة، واضحا، من خلال الإمبراطور الروماني الشهير، قسطنطين :
– في هذه الفترة بالذات، كانت مدينة أورشليم ( القدس، بيت همقداش) قد صارت في خبر كان، و أصبح إسمها المعروف هو إيليا، أو إيلياء بالعربية.
– قيام أباء الكنيسة المسيحية الكبار، بتحديد ملامح العقيدة الأارثودوكسية ” القويمة” و عدوا ما غيرها خروجا عن الدين القويم.
– ظهور التفرقة بين المسيحيين و اليهود الذين أسلموا المسيح للرومان من أجل صلبه، حسب ما يعتقد المسيحيون.
و حتى نتكلم سياسيا أو سياسة، لأن الأمر لم يخرج قط عن هذا النطاق، فعل قسطنطين ما فعله سليمان حين قام ببناء الهيكل، و ما فعله هيردوس الذي وسع هذا المعبد، فقام بالسماح لرعاياه المسيحيين بممارسة طقوسهم الدينية علانية، و قام شخصيا بترأس المجمع الكنسي “نيقية 325 ” الذي عرف تكفير المذهب الآريوسي، و إعلان الأرتدوكسية بمثابة الديانة المسيحية الوحيدة القويمة، و ما غيرها فهو كفر و بطلان. و على هذا المنوال، تمكن عن طريق أمه هيلانة من بناء كنيسة القيامة فوق قبر المسيح في مدينة إيليا، بعد عمليات تنقيب قادتها شخصيا من أجل تحديد موقع القبر “بدقة”. موقع القبر قريب من الهيكل او هو تحته، حسب ما يدعون. و عليه، فقد أثلجت هذه الأعمال قلوب المسيحيين و جعلتهم يلقبون الامبراطور قسطنطين بألقاب دينية، و هو الذي عاش و مات وثنيا، و لقبو أمه ب “القديسة هيلانة” و هي التي كانت تعمل ساقية في المواخير، كما قيل و أورده يوسف زيدان في كتابه الذي نحن بصدد تلخيصه. حتى هنا، إستعمال الدين المسيحي في السياسة واضح جلي…
في هذه الظروف، كان اليهود قد فقدوا أي أمل في العودة الى أرضهم الموعودة التي لم تعد تسمى أورشليم، بل إيليا، خصوصا بعد طردهم نهائيا منها، بعد إتهامهم بالتعاون مع الفرس ضد الرومان. و كما هو معلوم، فقد إنهمزم الروم المسيحيون ضد الفرس الذين إستطاعوا السيطرة على مدينة إيليا و على كنيسة القيامة، و أخدوا من هناك قطعة الخشب المسماة صليب الصلبوت المكتشفة من طرف القديسة هيلانة قبل ثلاثة قرون من الزمن. و على نفس المنوال الذي تخفق عليه قلوب المسلمين، اليوم، ألما على القدس الأسير و الاقصى الجريح، خفقت قلوب المسيحيين، آنذاك، ألما على إيليا الأسيرة، و الكنيسة الجريحة. و رغم ذلك، فقد عاد الرومان و إنتصروا على الفرس كما أشار إلى ذلك القران في سورة الروم : ” غلبت الروم في أدنى الأرض و هم من بعد غلبهم سيغلبون.”
في هذه الفترة التي تزامنت مع صعود نجم المسلمين، و تقهقر أهم إمراطوريتين حينها ( الرومان و الفرس)، كان إسم القدس متداولا بين العرب تحت إسم إيلياء، و ليس القدس أو اورشليم أو بيت همقداش. من أجل التأكيد على هذا الأمر، يستحضر الكاتب نص العهدة العمرية التي منح بموجبها الخليفة عمر الأمان لسكان إيلياء التى غزاها المسلمون. في هذا النص، ما ورد هو الاسم المشهور انداك، اي إيلياء، و ليس الإسم العبراني المعروف عند اليهود في القديم.
كما مر معنا، في فجر الإسلام، أثناء حياة النبي و الصحابة و التابعين، لم تكن هناك مكانة مميزة لمدينة إلياء المسحية التي قامت في موضع أورشليم اليهودية، باستثناء أنها كانت قبلة للمسلمين عندما إنتقلوا الى يثرب ( المدينة المنورة). و القرآن يعلق على هذا الحدث بالقول، في الآية 136 من سورة البقرة : ” سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق و المغرب.” و قد جاءت الاية كرد على اليهود الذين سخروا من المسلمين عقب تغيير قبلتهم نحو الكعبة التي كانت تعج بالأصنام و الأوثان. كان ذلك قبل فتح مكة.
يظهر الإستعمال السياسي في الإسلام أكثر وضوح بعد وفاة الرسول، حيث تم تفعيل قاعدة “الأئمة من قريش.” على أن واقعة رفع المصاحف فوق الرماح، كانت الأمارة التي لا تخطئها العين، على أن الأمر لم يتعدى قط نطاق صراع السلطة و الكذب و التدليس. و لعل قول عمر إبن العاص إبان دخوله على معاوية ( عندما كان يكثر الكلام السلبي في حق علي) الذي حسم أمر الحكم لصالحه، لهو أبلغ مثال بهذا الصدد. يقول عمر إبن العاص : ” يا معاوية، أحرقت قلبي بقصصك، أترى أننا خلفنا عليا لفضل منا عليه. لا و الله، إن هي إلا دنيا نتكالب عليها، و أيم الله لتقطعن لي قطعة من دنياك أو لأنابذنك.” مع معاوية، تحولت الخلافة الى ملك، حيث قام بتوريث الحكم إلى إبنه “يزيد الفاجر” صاحب مقولة ” لعبت هاشم بالملك، فلا خبر جاء و لا وحي نزل.” و هو الذي رفض أهل المدينة المنورة مبايعته، فأرسل إليهم جيشا إنتهك كرامتهم و إستباحهم ثلاثة أيام. و قام، بعد ذلك، بإرسال قائد جيشه الى مكة حيث يتحصن عبد الله إبن الزبير الذي رفض مبايعته، فضرب الكعبة بالمنجنيق حتى إحترقت. و لما علم الجيش بوفاة يزيد، ألغى الحصار على مكة، و عاد أدراجه الى الشام، فأعلن عبد الله إبن الزبير نفسه أميرا للمؤمنين. الصورة واضحة إذن : من أجل حكم دنيوي تستباح المدينة المنورة، عاصمة النبي و الصحابة، و يحرق بيت الله. إن هي إلا دنيا يتكالبون عليها، كما قال عمرو بن العاص.
و لم يتوقف الامر عند هذا الحد، ففي عهد الخليفة الاموي، عبد الملك إبن مروان، أعاد هذا الأخير الكرة مرة أخرى، و أرسل أفضع رجول في تاريخ الاسلام، الحجاج الثقفي الذي أحرق الكعبة مرة أخرى، و قطع رأس الزبير و أرسله الى عبد الملك إبن مروان، فكان أن كافاه الخليفة بأن عينه واليا على مكة. يوسف زيدان يشير إلى أمر آخر مهم، هذا الخليفة نفسه هو الذي بنى قبة الصخرة ( المسجد الأقصى) في القدس التي كان إسمها إيلياء، التي كان إسمها أورشليم، التي كان وصفها العبري بيت همقداش “بيت المقدس” كما سبق معنا. و يستدل، بعدها، الشيخ عزازيل بإبن التيمية، ليخلص في الأخير أن بناء قبة الصخرة و تعظيمها، جاء لصد الناس عن زيارة الكعبة حيث يحكم
عدوه عبد الله إبن الزبير، و توجيههم للحج في بيت المقدس.
— خاتمة
يقول الكاتب حرفيا، كتلخيص لتلخيصنا : ” المسألة القدسية كانت مند يومها الاول، مجرد إستعمال سيايسي للدين. أو هي بعبارة أخرى : لعب بالدين في ميدان السياسة.. و لسوف يقول بعض المعترضين و المعارضين : كيف يمكن نزع القداسة عن بيت المقدس و المسجد الأقصى و قبة الصخرة، و هناك ما لا حصر له من الأحاديث النبوية تؤكد هذه القداسة؟…و لهؤلاء نقول : أنظروا ما ورد في كتاب الإمام ابن القيم الجوزية، الذي بعنوان ” المنار المنيف” حيث يقول ما نصه :
و كل حديث في الصخرة، فهو كذب مفترى. و القدم ( أثر النبي ) الذي فيها كذبا، موضوع ( مختلق ) مما عملته أيدي المزورين. و أرفع شيء في الصخرة، أنها كانت قبلة اليهود، أبدل الله بها الامة الكعبة، البيت الحرام. و قد كثر الكذابون من الوضع ( الدس و الكذب) في فضائلها، و فضائل بيت المقدس.
إذن، تلاعب اليهود قديما ببلدة ” يبوس” و جعلوا لها إسما جديدا ” اورشليم” و صفة خاصة ” بيت همقداش” فما كان الامر إلا إستعمالا سياسيا للدين، بهدف التلاعب بمشاعر عوام اليهود. و الشيء نفسه فعله المسيحيون، حين جعلوا من المدينة بحسب إسمها الجديد “إيليا “موضعا مقدسا تهوى إليه قلوب المؤمنين بعقيدة الصلب و الفداء. و الشيء نفسه فعله المسلمون من بعدهم، حين هجروا الإسم المسيحي للمدينة و إستعادوا الوصف العبري القديم لها، و عربوه فكان : بيت المقدس…و خففوه فصار : القدس. “
— مراجع مهمة
إلى جانب “شجون تراثية” هناك عدة مراجعة أخرى يمكن الاستعانة بها، قصد توسيع الفهم :
– الحقيقة الغائبة ( فرج فوذة)
– عزازيل ( يوسف زيدان)
– اللاهوت العربي و اصول العنف ( يوسف زيدان)
– موسوعة الأديان، الجزء المخصص لكل من اليهودية و المسيحية ( فراس السواح)
– نقد الخطاب الديني ( نصر حامد أبو زيد)
– شجون عربية، فصل سنة اليهوديات( يوسف زيدان)، و يمكن الإطلاع على كل محاضراته في الموضوع على اليوتوب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: