أخبار ليفانتأنشطة ثقافية

امرأة إسكندرانية من الإسكندرية الأنثى

أصبح أحمد يضحك من حكاية نبش تابوت جثمانه؛ الذي دفنته مخابرات السلطة قبل أكثر من عقدين، من دون أن يسمحوا لأهله فتحه، ثمّ يتخيّل نفسه مشاركًا عمر وسليمان وإبراهيم وشباب أم الإبر وقائع معركة المقبرة، ويشعر بالفخر؛ حين يقرأ كيف استطاع أخوته إزالة مدفن الدّار الكبير، ولكنّ محفّة من ظلام مبهم نقلت عمر إلى ذاكرته المضيئة، لينتصب أمامه منتحبًا بعد المعركة؛ حين تيقنّوا أنّ جثمانه لم يكن في التابوت المدفون.

 انتاب عينيه الزُغل، وهو غائص في غابة حزنه الفسيحة، وقد التفع الريح مقرفصًا داخل ذاك الجحر في عرسال، وعاش الحالة مع ذاكرة عمر المكتوبة؛ التي ازدحمت بذكرياته غير المتجانسة؛ حين سأل ظلام الليل في الدار الكبيرة:

“أين أنتَ يا أحمد؟ هل تشهد على وطن ينزف طائفيّة وموتًا وتهجيرًا واعتقالًا وتغييبًا وإعاقةً وجهلًا وفسادًا؟”

لم يتلقَ الطالب الجامعيّ عمر جوابًا، ولكنّه استأنس، حالما وصل أخوه سليمان إلى الدّار الكبيرة؛ إذ كان يعرج من رجله بشكلٍ واضح، وكانت جراحه تنزف دماءً، وقبل أن يسقط على الأرض انتحى بعمر، وطمأنه:

  • جاء من أخبرني همسًا، أنّ أحمد حيٌّ يرزق، وأوصاني كتمان الخبر، كان خلفي، وأنا أصلّي في الجامع الكبير، لم أعرفه؛ لأنّه توارى في العتم،…

قبل وصول سليمان إلى الأرض، تمسّك به عمر وسنده، ثمّ أجلسه على أريكةٍ، وسأله عمّن أثخن جراحه، فأجابه:

“الذيب ابن شطمة، إنّه حيوان سابح، كائنٌ ليليّ، يرى في العتم بعنيّي بومة ويحسّ بالموجات كالخفّاش؛ خلافًا للناس، تمكّن من إيذائي؛ حالما تواريت في الجامع الكبير بعد معركة المقبرة”.

طهّر عمرُ جروح سليمان، وشرب معه الشايّ، ولَعَن الذيبَ والعتم، وحمِد الله على بقاء أحمد حيًّا، وتمنّى إطلاق سراحه من معتقله السياسيّ الذي كان قد مضى فيه نحو أكثر من خمس سنوات.. ثمّ سأله عن أخيه إبراهيم، فبكى سليمان، وأخبره أنّه استشهد في معركة المقبرة، وقام مع رفاقه بدفنه على عجل؛ حتّى لا تبقى جثّته معروضة لكلاب الليل المسعورة وجرذان القبور، فصرخ عمر صرخة ألم عظيمة.. ركضت أختاه ووصلت أمّه، وعرفن بموت إبراهيم.. فبكين وانتحبن عليه وعدّدن مناقبه، ثمّ استقام سليمان، وكان كالمنوّم، وسار معهم نحو سرير جدّتهم نعيمة، كنّ مفجوعاتٍ في الظلمة الكالحة، وكان عمر يلوم نفسه على ما فعلته يداه بنقل مدفن الدّار.. صمتوا جميعًا؛ حينما كانت الجدّة تحاول أن تنطق.. ثم سمعوا حشرجتها، قائلةً:

“أحمـ…  …  …”

 وأسلمت روحها إلى بارئها، اقترب منها عمر، وأحسّ بكتلة هواء فرغت من ورائه، وسوطٍ لسعه على قفا رأسه، فنادى مذهولًا:

“جدّتي نعيمة، ستّي، ستي، ستي،…”                                                   

وارتمى على سريرها.. حركّها، فلم تستجب، عاود نداءه من دون جواب.. لقد استحالت موتًا.. لم يعرفوا أن يسعفوها؛ إذ إن حلكة الظلام منعتهم، واللحظة امتصّت الزمن كما يفعل مصاصو الدماء بالضحيّة، تأكّدوا من موتها، وأجّلوا دفنها؛ حتى ينبلج نهار جديد، لكنّ الليل المدلهمّ المسيّج بحزم من قشر القنّب المدلاة بقي مطبقًا، وأبت الشمسُ أن تفرد أجنحة النّور في سماء أمّ الإبر.

في حلكة ذلك الليل الفظيع، غاب سليمان في بستان آلامه، وبكى الجميع، وذرف عمر دموعًا سخيّة سالت على وجنتيه، لا يعرف؛ أكانت دموع فرح لتأكّده من حياة أحمد، أم دموع حزن على بقائه مسجونًا، أم على غياب سلمى ويحيى مع أمهما في لبنان، أم على موت أخيه إبراهيم؛ الذي قُتل في معركة المقبرة، أم لافتقاده وسيلة إنارة في العتم؛ لمعرفة الذي يحصل خارج الدار الكبيرة، أم على وفاة جدّته نعيمة؛ التي حاروا بطريقة دفن جثمانها؛ إذ لم يعد بمقدورهم أن يدفنوها في المقبرة العموميّة وسط ليل أمّ الإبر؛ الذي لفّ وجودها؛ حتّى أشارت أمّه؛ التي أصبح بصرها شحيحًا إلى إعادة تشييد مدفن الدار الكبير من جديد ومواراة جثمانها التراب فيه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: