قصة قصيرة

الكمين بقلم المستشار بهاء المري

المستشار بهاء المري

 

انعقدت المُحاكمة، تَقدَّم الدفاعُ ليُبدي طلباته، يَعلو صوتها، سيدة أربعينية في ملابسَ سوداءَ شِبه بدوية. من داخل القَفص تطلب الحديث بنفسها، تَشْرئبُّ الأعناقُ إليها، الدفاعُ يلتزم الصمت. يُحضِرها القاضي أمام المنصَّة، في ثباتٍ جَليّ تقول:

دخَلَ الغاصبون بَيتي، ضربوا بناتي الثلاثة وولدي الصَّبى ضربًا مُبرِّحًا، لم نَقبل إهانتهم، قاومناهم بأيدينا ما استطعنا. جرَّدوني وبناتي عَرايا كما ولدتنا أمّهاتنا أمام عساكرهم ونَجلي، حَطَّموا ما في البيت، دهسوا الطعام والشراب بأرجلهم، واعتبروا كل هذا مجرَّد إنذار، وخَلُّوا سبيلنا بعد اعتقال لنحو أسبوعَين.

تَصمتُ بُرهة، تَسحب نفَسًا عميقًا تُخرجه زَفرةً حارَّة، ترفع سبَّابتها اليُمنى، ترتعش يدها، تعلو طبقات صوتها، تَستكمل: غَلَى الدَّم في عروقي، شَعرتُ بالمَذلةِ، أحسَسْتُ بالعار، قرَّرتُ الثأر؛ اشتريتُ البنادق بعدد أفراد أسرتي، واشتريتُ الذخيرة، خدَعْتُ السائق ومَن معه وواريتها تحت البرسيم. لم أتوقع أنَّ الكمين أُعدَّ لي.

علامات الإجهاد تَنالُ من صوتها، تسكت برهة ثم تعودُ لتستكمل:

حكايتنا معروفة، وثَّقَها صحافيون بالتصوير والفيديو ساعة حُصولها، مَنشورة على “يوتيوب” راجعوها يا سيّدي، ولو كنتُ كاذبةً اسجنوني.

يتقدم محاميها من المنصة، يُقدمُ حافظة مستندات تحوي صُحفًا مَحلية، صورة للمرأة وهي تفترش الأرض وجنودٌ يجرُّونها عُنوة، وآخرون يَقبضون على أولادها، وفى الصحيفة الأخرى كذلك، وفى الثالثة ذات الصورة، وسُطِّر من تحتها جميعًا تفاصيل ما قالت.

يرفع الرجال الثلاثة أيديهم في القفص يَلتمسون حديثًا، يُشبرُ إليها القاضي بيده لتَتريث، يسألهم عن مَطلبهم، قالوا: لا، ليس كما قالت، بل نحن من ساعدناها، لسنا أقل منها رُجولة، جئناها بالبنادق وبالذخيرة وتطوَّعنا لتوصيلها.

ترَقرَقت الدموعُ في العيون، يَصيح أحد الموجودين: “الله أكبر” غلبَته مَشاعرَهُ فانطَلقَت منه الصَّيحة، يَعتذر، لم يقف القاضي عند فِعلته ولا اعتذاره.

يُنهي الرجال حديثهم، يَشرد القاضي بناظريه، يَرى كل شيءٍ أمامهُ ولا شيءَ في آنٍ واحد، يَتصارَع بداخله حَدثان، دليل قويّ حَد الإدانة، ومَنطقٌ أقوى حدّ البراءة. يعودُ من شروده، يَرفع الجلسةَ للاستراحة على أنْ تعودَ للانعقاد بعد قليل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: