أبحاث

“الرواية الرابعة حول مقتل المتنبي .. من ارتكب الجريمة ؟ ” بقلم ” خزاعي النجم “

      خزاعى النجم 

كاتب وصحفي سوري

 

في شهر رمضان من عام 354 للهجرة قبل نحو 1050 عامًا ميلاديًّا، قتل عددٌ من المحاربين أبا الطيب المتنبي في طريق عودته إلى “الكوفة” في العراق، بعد لقائه الملك البويهي “عضد الدولة” في منطقة “شعب بوان” في بلاد فارس، كما قتلوا ابنه “محسد ” ومرافق آخر، ومثلوا بجثة المتنبي, وقد حملت المسؤولية في معظم الروايات، التي تحدّثت عن الجريمة لشخص، يُدعى فاتك الأسدي .

ولا تزال قضية مقتل المتنبي تطرح عددًا من الأسئلة، التي لم تتضح جلها بعد ومن بينها، هل لمواقفه السياسية والفكرية علاقة بمقتله؟ وما النشاطات التي قام بها بعد من عودته من مصر الى العراق، وهل سعى – بالفعل – الى التحالف مع أبي حيان التوحيدي وعلي بن حمزة البصري اللغوي ضد البويهي “الفرس”؟ ولماذا دعا عضد الدولة الملك المتنبي لزيارته في شعب بوان في بلاد فارس، على الرغم من معرفته بمواقف المتنبي المناهضة للبويهيين، وماذا عن توقيت الدعوة؟ و لماذا بذل أبو الفضل ابن العميد “الوزير البويهي” جهودًا كبيرة لإقناع المتنبي بتلبية دعوة عضد الدولة الملك البويهي لزيارته ومقتله في طريق عودته من هذه الزيارة. 

هذه الأسئلة تحاول دراستنا الإجابة عنها بالاستناد إلى تحليل الوقائع والظروف، التي سبقت ورافقت مقتل المتني، والأوضاع التي كانت سائدة في تلك الحقبة أي في القرن الرابع الهجري, وذلك بالاستناد الى أمهات الكتب العربية، التي تحدّثت في مرحلة لاحقة عن قضية المتنبي.

كيف نشر خبر مقتل المتنبي؟

كان أول من نقل خبر مقتل المتنبي والي الأهواز “أبو الحسن السوسي” المعين من قبل الوزير أبو محمد المهلبي الشهير. وتقول روايته حول هذه الجريمة بحسب ما نقلها عنه “أبو القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني” في كتابه “إيضاح المشكل لشعر المتنبي”:  كنت أتولى الأهواز من قبل “المهلبي”، وورد علينا المتنبي، ونزل عن فرسه ومقوده بيده، وفتح عيابه وصناديقه لبلل مسها في الطريق، وصارت الأرض كأنها مطارف منشورة؛ فحضرته أنا وقلت: قد أقمت للشيخ نزلًا. فقال المتنبي: إن كان تم فآتيه. 

ويضيف أبو الحسن السوسي والي “الأهواز: “… ثم جاءه فاتك الأسدي بجمع وقال: قدم الشيخ في هذه الديار وشرفها بشعره، والطريق بينه وبين دير قنة خشنٌ قد احتوشته الصعالكة؛ وبنو أسد يسيرون في خدمته إلى أن يقطع هذه المسافة، ويبر كل واحد منهم بثوب بياض. فقال المتنبي: ما أبقى الله بيدي هذا الأدهم وذباب الجراز، الذي أنا متقلده، فإني لا أفكر في مخلوق! فقام فاتك ونفض ثوبه وجمع من رتوت الأعاريب الذين يشربون دماء الحجيج حسوًا، سبعين رجلًا، ورصد له؛ فلّما توسط المتنبي الطريق خرجوا عليه، فقتلوا كل من كان في صحبته، وحمل فاتك على المتنبي وطعنه في يساره، ونكسه عن فرسه. وكان ابنه أفلت، إلا أنه رجع يطلب دفاتر أبيه فقنع خلفه الفرس أحدهم وجز رأسه؛ وصبوا أمواله يتقاسمونها بطرطورة.

بعد نشر رواية أبو الحسن السوسي والي الأهواز تعددت وتنوعت التفاصيل، التي تم تداولها حول واقعة مقتل المتنبي، إلّا أنها جميعها استند الى المصدر الأول، وهو رواية أبو الحسن السوسي، وبأن القاتل هو فاتك الأسدي.

الرواية الأولى

جاء في المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لابن الجوزي وفي وفيات الأعيان لابن خلكان  كان هناك رجلا يدعى ضبة بن يزيد العتبي وكان غداراً بكل من نزل به وكان بذيء اللسان، خرج مع عائلته يوماً فاعترضه قوم من بني كلاب فقتلوا أباه وسبوا أمه وفسقوا بها وكان أبو الطيب المتنبي قد مر بضبة مع جماعة من أهل الكوفة فأقبل ضبة يجاهر بشتمهم وسبهم فأراد رفاق المتنبي الرد عليه بمثل ألفاظه القبيحة فطلبوا من أبي الطيب ذلك فقال قصيدته حوت أبشع الألفاظ وأقذع العبارات. ومن أبياتها:

ما أنصف القومُ ضبّة وأمـه الطرطـبّـة    فلا بمن مات فخـرٌو لا بمن عاش رغبة

و إنما قلت ما قلـت رحمـة لا محـبـة      و حيلة لـك حتـى عذرت لو كنت تيبه

و ما عليك من القتل إنمـا هـي ضربـة    و ما عليك من الغدر إنمـا هـو سـبـة

وقد احتوت القصيدة من أبشع الألفاظ والعبارات ما جعل المتنبي ينكر إنشادها كما قال الواحدي أحد شرّاح ديوان المتنبي. وقد علم فاتك بن أبي الجهل الأسدي (خال ضبة) بالقصيدة فغضب عند سماعها وأراد الإنتقام لأخته وابنها ضبة فاعترض لأبي الطيب وهو في طريقه إلى بغداد فالكوفة وواجهه بنحو 30 من رجاله وقيل 60 فقاتله المتنبي حتى قتل هو وابنه محسّد وعدد ممن كانوا معه.

الرواية الثانية

جاء في نشوار المحاضرة للقاضي التنوخي، أنّ المتنبي كان معه مال كثير، فقتله العرب لأخذ ماله، فذكر بعض العلماء، أنّه وصل إليه من عضد الدولة، أكثر من مائتي ألف درهم، بقصيدته التي قال فيها:

ولو أني استطعت حفظت طرفي       فلم أبصر به حتى أراكا

وفي آخرها: وأنى شئت يا طرقي فكوني   أذاة أو نجاحًا أو هلاكا

فجعل قافية البيت “الهلاك” فهلك وذلك أنه ارتحل عن شيراز، بحسن حال، وكثرة مال، ولم يستصحب خفيراً، فخرج عليه أعراب، فحاربهم، فقتل هو، وابنه محسد، وبعض غلمانه، وفاز الأعراب بأمواله، وكان قتله، بشط دجلة، في موضع يعرف بالصافية، يوم الأربعاء لثلاث بقين من رمضان سنة أربع وخمسين وثلثمائة.  واسم قاتله: فاتك بن أبي جهل الأسدي.

الرواية الثالثة

ويورد القاضي التنوخي أيضًا.. أنّ سبب قتله، كلمة قالها عن عضد الدولة، فدسّ له من قتله، لكن ايضًا على يد فاتك الأسدي ويذكر “مظفر بن علي الكاتب”

اجتمعت برجل من بني ضبة، يكنى أبا رشيد، فذكر أنه حضر قتل المتنبي، وكان صبياً، حين راهق حينئذ.وكان المتنبي قد وفد على عضد الدولة، وهو بشيراز، ثم صحبه إلى الأهواز، فأكرمه ووصله بثلاثة آلاف دينار، وثلاث كسى، في كل كسوة سبع قطع، وثلاثة أفراس، بسروج محلاة، ثم دس عليه من سأله: أين هذا العطاء من عطاء سيف الدولة ابن حمدان؟

فقال المتنبي: هذا أجزل إلا أنه عطاء متكلف، وكان سيف الدولة يعطي طبعاً.

فاغتاظ عضد الدولة، لما نقل إليه هذا، وأذن لقوم من بني ضبة، في قتله، إذا انصرف.

قال: فمضيت مع أبي، وكنا في ستين راكباً، فكنا في واد، فمر في الليل، ولم نعلم به، فلما أصبحنا، تبعنا أثره، فلحقناه، وقد نزل تحت شجرة كمثرى، وعندها عين، وبين يديه سفرة طعام.

فلما رآنا قام، ونادى: هلموا وجوه العرب، فلم يجبه أحد، فأحس بالداهية، فركب ومعه ولده، وخمسة عشر غلاماً له، وجمعوا الرحال، والجمال، والبغال، فلو ثبت مع الرجالة لم نقدر عليه، ولكنه برز إلينا يطاردنا.

قال: فقتل ولده، وأحد غلمانه، وانهزم يسيراً، فقال له غلام له: أين قولك؟

الخيل والليل والبيداء تعرفني         والحرب والضرب والقرطاس والقلم

فقال له: قتلتني، قتلك الله، والله، لا انهزمت اليوم، ثم رجع كاراً علينا، فطعن زعيمنا في عنقه، فقتله، واختلفت عليه الرماح، فقتل.

فرجعنا إلى الغنائم، وكنت جائعاً، فلم يكن لي هم إلا السفرة، فأخذت آكل منها.

فجاء أبي، فضربني بالسوط، وقال: الناس في الغنائم، وأنت مع بطنك؟ اكفأ ما في الصحاف، وأعطنيها، فكفأت ما فيها، ودفعتها إليه، وكانت فضة، ورميت الفراخ والدجاج في حجري.

هذه الروايات الثلاث حول تفاصيل واقعة مقتل المتنبي ، ولكن ثمة هناك عناصر أخرى , وشخصيات استكملت عناصر الواقعة  فهذا “عبد القادر البغدادي” يقول في كتابه ” خزانة الأدب ولب لبابة لسان العرب” حول واقعة مقتل المتنبي ” قال بعض من شاهده: إنه لم تكن فيه فروسية، وإنما كان “سيف الدولة الحمداني” سلمه إلى النخاسين، والرواض بحلب، فاستجرأ على الركض والحضر؛ فأما استعمال السلاح فلم يكن من عمله. وأما الحكم عليه وعلى شعره: فهو سريع الهجوم على المعاني، ونعت الخيل والحرب من خصائصه؛ وما كان يراد طبعه في شيء مما يسمح به، يقبل الساقط الرديء كما يقبل النادر البدع. وفي متن شعره وفي ألفاظه تعقيد وتعويض” كلامه مع بعض اختصار” .

اذا تعددت الروايات حول مقتل المتنبي وان كان اساسها هو ما اعلنه أبو الحسن السوسي والي الأهواز المعين من قبل الوزير  المهلبي المعين بدوره من قبل معز الدولة البويهي أمير العراق , ويذكر القاضي التنوخي في كتابه “نشوار المحاضرة “أن الوزير أبو محمد المهلبي كان من كبار الوزراء حيث اتصل بمعز الدولة بن بويه فكان كاتباً في ديوانه، ثم استوزره، وقربه من الخليفة المطيع لله ، وخلع عليه، ثم لقبه بالوزارة، فاجتمعت له وزارة الخليفة ووزارة السلطان، ولقب بذي الوزارتين، وكان من أكثر رجال الحكم حزماً ودهاءاً وله بعض الشعر ، وفصاحة بالفارسية، ولد بالبصرة، وتوفي في طريق واسط، وحمل إلى بغداد. والوزير المهلبي كما يقول عنه أبو منصور الثعالبي في كتابه “يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر انه أغرى شعراء بغداد بالمتنبي حتى نالوا من عرضه، وتباروا في هجائه بعد رفضه مدح المهلبي .

الرواية الرابعة ..

من الضروري تسليط الضوء على الحقبة التي عاش فيها المتنبي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا  وما الدور الذي لعبه الشاعر على الصعيد السياسي من خلال شعره ونشاطه وصلاته بشخصيات عربية وغيرها في تلك الفترة .

لاتزال هناك اسئلة  حول  مقتل المتنبي لم تتضح الإجابة عليها بعد , ومن أبرزها .. الأسباب الحقيقية لإعطاء عضد الدولة البويهي الملك الإذن  لقوم من بني ضبة، في قتل  المتنبي , في حين تهيمن شخصية فاتك الأسدي على المشهد باعتباره الفاعل بدافع الشرف ، وبأن بيتا من الشعر قتل شخصا ادعى النبوة ، وهل جريمة قتل شاعر ومفكر كبير ، معزولة عن قضية حملها وعمل جل حياته من أجلها ولا سيما أن الشعر كان وسيلة الإعلام الرئيسية في ذاك العصر ؟ وكيف يمكن قراءة الظروف التي احاطت بالواقعة ،  واوضاع المنطقة سياسيا في تلك الحقبة التي وقعت فيها الجريمة ، وهل هو فعلا كان يعمل على مقاومة التمدد البويهي  ” الفارسي ” في المنطقة العربية .. 

أوضاع البلاد في الحقبة التي عاش فيها المتنبي

في القرن الرابع الهجري ، كان للبويهيين “الفرس” اليد الطولى في بلاد العرب فيما الاخشيديون استفحلوا في أمصار مصر بينما الحمدانيون في حلب منشغلون  يواجهون صراعا مستداما مع الروم البيزنطيين

وحكم الأعاجم سيطرتهم على المفاصل الحيوية للأمة واستبدوا  بها وانحسر دور الخليفة العباسي بتنفيذ أوامرهم  وانتزعت منه أية سلطة ولم يبق له الا وزيرا واحدا يدير إقطاعاته  واستشرى نفوذهم سيما في مركز الخلافة التي غلب والضعف

ويعود نسب البويهيين إلى آل بويه من الفرس , حيث أقاموا دولة في العراق وفارس وغيرهما بين سنة 320هـ  932 م  ـ 447 هـ  وأفضت امارة الامراء الى عضد الدولة حيث لقب بالملك وهو أول من تلقب به في الاسلام   وتمكنوا من بسط نفوذهم على الجيش وكانوا هم الذين ينصبون الخليفة فاذا تضايقوا منه دبروا له مكيدة بالعزل او القتل واقاموا غيره من خلفه وكان اكثر الوزراء في هذا العهد لايؤتمنون ويعلم الخلفاء طوايا المخادعين لكنهم لايملكون التخلص منهم اذ كانوا ذوي اعمال حاسمة في سياسة الدولة العباسية يعزلون ويولون دون رفع الامر الى الخليفة

أما معز الدولة أحمد بن بويه …فإنه بعد أن استولى في عام 334 هـ على الموصل ووقع قتال بينه وبين ناصرالدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان , خرج إليه في سامراء , ومعه الخليفة العباسي المطيع لله  كالأسير, ثم قوي أمر معز الدولة حتى ملك بغداد , ونهبت عساكره الديلم وبغداد وهرب ناصرالدولة منها . وأما لخليفة المطيع لله ابن المقتدر فكان بويع له بعد المستكفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وقال ابن شاهين: وخلع نفسه غير مكره في 363 هـ ، ونزل عن الخلافة لولده الطائع

 ولد المتنبي واسمه بالكامل هو أبو الحبيب أحمد بن حسين بن الحسن ابن مره بن عبد الجبار وشهرته المتنبي، في مدينة الكوفة بالعراق عام  915م.  303  وبدأ كتابة الشعر عندما كان في التاسعة من عمره، ومن بين الموضوعات التي ناقشها الشجاعة، وفلسفة الحياة، ووصف المعارك

عمل أبو الطيب المتنبي في بداية نشاطه على حشد القبائل العربية في بادية السماوة من خلال تنظيم اللقاءات فيما بينهم وحضهم على الدفاع عن عروبة الدولة … فاتهم بادعاء ” النبوة ” وسجن على أثرها وبعد خروجه من السجن واصل عمله وسعى بكل جهد لإيجاد صيغة اتفاق مع سيف الدولة الحمداني وحضه على المساعدة في تحقيق مشروعه …فتم الإيقاع بينهما ..حاول بعد ذلك التحالف مع كافور وطلب منه إمارة تكون نواة لتحرير الأمة لكنه فشل بسبب حنكة ودهاء كافور وأخيرا معمل على تشكيل   تحالف ثقافي سياسي عربي في بغداد ..

ولم يمتلك المتنبي ناصية السيف والحرب بقدر ماملك حروف الاعلام ورأى ماكانت عليه السياسة في زمنه وعاين هوان الأمة  يومذاك  بما أصابها من العجم فنفس في شعره عن سخطه المكبوت

أَفعالُ مَن تَلِدُ الكِرامُ كَريمَةٌ      وَفَعالُ مَن تَلِدُ الأَعاجِمُ أَعجَمُ

لا أَدَبٌ عِندَهُم وَلا حَسَبٌ           وَلا عُهودٌ لَهُم وَلا ذِمَمُ

بِكُلِّ أَرضٍ وَطِئتُها أُمَمٌ          تُرعى لِعَبدٍ كَأَنَّها غَنَمُ

العرب … الملوك … العجم … ثلاثية استفاض أبو الطيب في الحديث عنها  , فليست في نظره مسافة بين الحكام وبين الاعاجم المتسلطين , وان هناك انطباق بين اذلاء القوم وبين من استبد من العجم في حين ان أحرار العرب الكرام مساحتهم فضاءات وساحات كرامة كبرى لايدركها من رأى الخنوع سبيلا للنجاة بذاته فمجتمع العروبة واحد في أي زمن كان , فحكامه يقرؤون من نفس الكتاب , والقوم يعانون من الظلم والتسلط والاغتراب والاستبداد .

لاشك أن أبا الطيب في كلامه من عصى من ملوك العرب والعجم ,أراد أن يساوي بين الحاكم العربي والملك العجمي ,وهذا يعطي دلالة قاطعة على  أن ثورته التي يدعو اليها ,هي ثورة من أجل الحرية والكرامة العربية ,وقد سبق سياسيين كثر ,ممن جاؤوا بعده وقالوا ان الانسان الحر في وطنه هو الذي يستطيع التحرر من الاجنبي ,فالحرية لاتتجزأ , تحرير الانسان من ظلم الحاكم , وتحرير الارض من الاحتلال .

ولاشك أن المتنبي كان متفاعلا متأثرا بشكل كبير بعناوين وتفاصيل عصره , راصدا اسباب الانهيار السياسي والاجتماعي , الذي شهده وسعى الى التغيير والتأثير الثوري فيه , ولم يعزل الازمات الاجتماعية عن اسبابها السياسية , حيث كانت تؤرقه الهموم الاجتماعية وطبيعة الحياة وظروف المجتمع , فجاء شعره الذي قاله في المدح والذم والعتاب شعرا سياسيا , يعبر عن أفكار رجل لم يشتغل بالحياة العامة فحسب بل واختلط العام بالخاص في معانيه , وعبرت تجربته الشعرية عن هذه الحياة أصدق تعبير , وتأثرت بها أعمق تأثير وجاء الفعل لديه صادقا واضحا تلخص في أهداف كبرى وجليله

ميعاد كل رقيق الشفرتين غدا  ومن     عصى من ملوك العرب والعجم

فَإِن أَجابوا فَما قَصدي بِها لَهُمُ          وَإِن تَوَلَّوا فَما أَرضى لَها بِهِمِ

تنسى البلاد بروق الجو بار قتي      وتكتفي بالدم الجاري عن الديم

يضيف أنه سيكلف الخيل من اهوال الحرب ماتسهم له الوانها فيما ستكون الحرب شديدة منتصبة كانتصاب الساق على القدم  بحيث اذا برقت سيوفنا لاعدائنا في الحرب فان ضوءها يزيد على ضوء بروق السحاب حتى تنسى الناس البروق ويكثر مع ذلك سيلان الدم  حتى تستغني البلاد عن الامطار بما اصابها من الدماء

ويظهر أبو الطيب صريحا وشجاعا ,يكسب الفضل من السيف ,ويتوعد من يعصاه من الملوك ,بقرب ايقاد نار الحرب ,ويعد الذين يستجيبون لدعوته بان يتركهم  , وان مضوا في عصيانهم ,فانه سيقتلهم ويقتل من يسير في ركابهم .

ولا تحسبن المجد زقاً وقينة        فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

وتضريب أعناق الملوك وان ترى      لك الهبوات السود والعسكر المجر

وتركك في الدنيا دوياً كأنما       تداول  سمع  المرء  أنمله العشر

ويقول في هذه الابيات انه  سيطلب حقه المسلوب بالرماح وبصحبته محنكين طال تمرسهم بالحروب ويرى ان المجد هو ضرب الاعداء بالسيف بطشا لم يسمع به من قبل وليس في التلهي مع المغنيات وشرب الخمروالهبوات هي جمع هبوة وهي الغبرة العظيمة والمجر هو الجيش الكثير  وان ترى لك الهبوات السود أي ان تثير الغبار بحوافر الخيل لدى الطعان والنزال ,وعليك ان تترك في الدنيا  جلبة وصياحا عظيما , جلبة المساعي الجسام والفعال العظيمة .

دعوة المتنبي للثورة

ورأى بعض المسشرقين والعرب دعوة أبي الطيب للثورة بأنها طريق يحمل بجنباته عنفا وميلا للحرب , ففي حين عزا المستشرق “لويس ماسينيون” والدكتور “طه حسين” والدكتور ” شوقي ضيف” ماعند المتنبي من توقد الحماسة إلى نزعة قرمطية , حيث وجدوا أن القرامطة يمارسون العنف وإن كان ردة فعل على ظلم , إلا أن الدكتور زكي المحاسني في كتابه “المتنبي ” وجد أن ميل أبي الطيب إلى الحرب هو نزعة عربية حرة في عصر عانى فيه العرب الانقسام والتناحر ومكايد الفرس فكان أبو الطيب حرا صاحب رسالة حربية في تحرير العرب من ربقة العجم , ويتفق الرأيان في النظر في حالة الفعل الثوري المتشكلة لدى المتنبي .

إلا أن الحلول الثورية التي اقتادها المتنبي من خلال تتبع معاني وأجواء حياته كانت محاربة الظلم والإستبداد من أية جهة كان حتى وإن جاء من بعض التيارات الثورية ذاتها , وبأية وسيلة متاحة , وهذا برأيه حق مشروع على مدى العصور طالما بقي الإستبداد .

ويرى بعض الأولين ومنهم أبو منصور الثعالبي طموحات المتنبي ذاتية الصنعة تدعو للخروج على السلطان حبا للرياسة والولاية لكنها تؤكد بشكل جوهري على انطباق مطلبات الذات مع مطالب القوم وهذا جوهر العمل الثوري .. جاء في يتيمة الثعالبي وما زال أي ” المتنبي ” في برد صباه إلى أن أخلق برد شيابه ، وتضاعفت عقود عمره، يدور حب الولاية والرياسة في رأسه، ويظهر ما يضمر من كامن وسواسه، في الخروج على السلطان، والاستظهار بالشجعان، والاستيلاء على بعض الأطراف، ويستكثر من التصريح بذلك من خلال اشعاره .

والأزمة الكارثة ليست شخصية على الإطلاق بل هي تلازم بين الخاص والعام ففي عصر عانى  العرب فيه الانقسام والتناحر ومكائد الاعاجم لاسيما البويهيين …كان ابو الطيب صاحب رسالة حربية تهدف الى تحرير العرب وتجديد حياتهم بردهم الى مثلهم العليا وهذا ليس غريبا على شاعر عربي حر دل تاريخ نضاله ورحلاته ومحتوى ديوانه اوضح الدلالة على هذه الرؤيا التي ماحاد عنها حتى مات الا ان افكاره القومية الثورية الحضارية المتقدمة تبخرت بين العامة في اطار العباءة الاسلامية وبضغوطات كبيرة من القوى الداخلية والخارجية المحبطة والكابحة بحيث لم تتلقف العامة شعره وتنشغل بافكاره الحدية نحو شكل من اشكال الفعل ..لاسيما وانه متهم بادعاء النبوة

والحالة الثورية التي طبعت أبو الطيب جعلت العقل لديه في مرتبة عليا فالحوار مع الذات التي هي قيمة القيم واقناعها بشرط بقائها وبقوانين الطبيعة هو جوهر الحياة الكريمة وان أحد القوانين العقلانية هي ان النفس البشرية تختلف عن المخلوقات الاخرى واقل مايميزها  هو عدم الاستكانة والهوان .

بعد رحلة المتنبي بين بادية السماوة والسجن وملازمته بعد ذلك لسيف الدولة الحمداني لفترة طويلة كتب فيها أجمل قصائده في الحرب وبعد مغادرته لأمير بني حمدان ومكوثة لفترة في مصر ضيفا على كافور الاخشيدي …عاد المتنبي الى الكوفة حيث  قبر جدته التي تعلق بها وشكلت أجزاء مهمة من شخصيته , بيد أن الكوفة لم تتسع لأحلام رجل مثل المتنبي فقد انسحبت مشاعره من جديد نحو حلب حيث صورة خولة اخت سيف الدولة …عشقه الدفين , وحيث بقايا رجل اسمه سيف الدولة , وصوب مصر لابسبب وجود كافور فيها بكل تأكيد بل حيث كان صديقه الأمير فانك أبو شجاع الذي أحبه وأخلص له. وتفاعل الحنين إلى ماضيه أكثر نتيجة التضييق عليه فهو الآن في جوار مركز الخلافة الذي طالما استهدفها وحملها كما حمل العجم مسؤولية أزمة الأمة وكارثة القوم .

الأجواء التي سبقت مقتل المتنبي

من المعروف في ذاك العصر أن مديح الشاعر لرجل دولة يعني تأييده له ولهذا أهمية قصوى فهو يكون بمثابة شهادة له من رجل فكر وإن امتناع الشاعر عن القيام بمثل هذا المديح يعني إعلانه معارضته وهذا ماكان موقف المتنبي من  “المهلبي ” الوزير الأقوى في بغداد  .وقد اقترنت تلك المعارضة لدى المتنبي مع بحثه عن مفكرين وأدباء يتفقون معه في الرؤيا ومن بيهم عليى بن حمزة البصرة وأبو حيان التوحيدي بيد أن أخطر مالازم هذه الفترة من حياة المتنبي هي الحملة العنيفة التي شنها اركان الحكم “البويهي” غير العربي ..عليه من خلال حشد عدد من “الشعراء والأدباء ” التابعين لمهاجمته والسخرية منه ومحاولة الغائه ومن بين هؤلاء ابن حجاج وابن سكرة  والحاتمي البغدادي الذي يتضح من رسالته “مدى الكراهية الشديدة بين معز الدولة البويهي ووزيره المهلبي وبين المتنبي ويقول عن المتنبي أنه كان عدوا مباينا لمعز الدولة ذا العزيمة “الكسروية ” كما يقول ابن خلكان

يبدو أن الفتنة انقشعت أكثر حين قدوم المتنبي من الكوفة الى بغداد ونزول  فيها على صاحبه “علي بن حمزة البصرة ” الأديب الذي شهد للمتنبي وكان يروي شعره فقد لاحت بوادرها عندما أشار بعضهم على المتنبي بمدح الوزير المهلبي وزير معز الدولة بن بويه الدليمي , فرفض ذلك وغضب المهلبي وحشد بعد بلوغه الرسالة لشن حملة عليه ، وأمر تابعيه ممن يسميهم شعراء وأعطاهم مالاً أمرهم بهجوه، و زين لهم أن يكيدوا له في

 مطارحاته ومجالسه فتألبوا عليه بالهجاء وأعادوا يلمزون نسبه من جديد ويصمونه بالشح والتقتير ومن بين هؤلاء .. ابن حجاج الذي قال قصيدة فيها

                            يا ديمة الصفع صبي         على قفا المتنبي

                              وأنت يا ريح بطني         على سباليه هبي

حول قصيدة الهجاء المنسوبة للمتنبي

قصيدة هجاء أم ضبة بن يزيد التي قيل أن المتنبي أطلقها وكانت سببا في قتله وحز رأسه دون المصاحبين له كما نقل “ابن المستوفي” في كتابه “النظام” ليست إلا استكمالا لعناصر الجريمة المؤامرة فتلك القصيدة كما يؤكد “ابن جني” و”الواحدي”  وهما أهم شراح ديوان المتنبي ليست من أعماله الشعرية.

ويشير “الثعالبي في “اليتيمة ” ايضا …انه  لما قدم أبو الطيب من مصر بغداد، وترفع عن مدح المهلبي الوزير، ذهاباً بنفسه عن مدح غير الملوك، شق ذلك على المهلبي، فأغرى به شعراء بغداد، حتى نالوا من عرضه، وتباروا في هجائه، وفيهم ” ابن الحجاج ” و”ابن سكرة محمد بن عبد الله الزاهد الهاشمي “، و”الحاتمي “، وأسمعوه ما يكره، وتماجنوا به، وتنادروا عليه، فلم يجبهم ولم يفكر فيهم، وقيل له في ذلك، فقال: إني فرغت من إجابتهم بقولي لمن هم أرفع طبقة منهم في الشعراء:

  أَرى المُتَشاعِرينَ غَروا بِذَمّي                  وَمَن ذا يَحمَدُ الداءَ العُضالا

      وَمَن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ                      يَجِد مُرّاً بِهِ الماءَ الزُلالا

  أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ              ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ وأيضا

   لِساني بِنُطقي صامِتٌ عَنهُ عادِلٌ             وَقَلبي بِصَمتي ضاحِكٌ مِنهُ هازِلُ

   وَأَتعَبُ مَن ناداكَ مَن لا تُجيبُهُ                وَأَغيَظُ مَن عاداكَ مَن لا تُشاكِلُ

    وَما التيهُ طِبّي فيهِمُ غَيرَ أَنَّني               بَغيضٌ إِلَيَّ الجاهِلُ المُتَعاقِلُ

المتنبي في خضم الصراع العربي ـ الفارسي

وكثر خصوم المتنبي وعلى رأسهم الصاحب بن عباد الشاعر والوزير البويهي …فقد تأبى عليه أبو الطيب وبالتالي دخل دائرة الحشد ضد المتنبي التي تضم  إلى جانب الصاحب الوزير المهلبي وأتباعه من أقزام الشعر الذين لولا تجذيفهم بالمتنبي لما ذكرت أسماؤهم , وألف الصاحب كتابا في مثالب المتنبي لكنه ذهب مع الريح وبقى في سجل التاريخ السياسي الزمني للادب العربي إن أبا الطيب أعرض عن مدح الصاحب بن عباد , أما أبو الفضل ابن العميد  الوزير ..فكان يسعى لإستيعاب المتنبي ولم يعلن مواقف صريحه ضده بيد أن أفعاله كانت مثار شكوك سيما دأبه على اقناع المتنبي بتلبية دعوة عضد الدولة الملك في بلاد فارس…

وكان أمر التصدي للمهلبي الوزير, ليس مثل اللعب مع كافور أو سيف الدولة الأمير, فهو تابع والذنب تختلف عن الرأس , كما أنه الحاكم المطلق الذي يرعاه معز الدولة السلطان المطبق على عد أنفاس الناس , فلن يفوته احصاء مفردات شاعر , وليس أي شاعر, إنه المتنبي المتأبي عن الملوك ومناكفاً لهم ولسواهم , فلاشك أن حشود “مهلبي ” المعز هي أكبر من المطيع لله الذي سمي خليفة للمسلمين بالإسم وحاكماً بأمر من السلطان البويهي .

لاشك أن المتنبي توقف قليلأ , رغم استنفاره العصبي الدائم , فالحشد ريح تجري بما لا تشتهيها سفن تتلاطمها أمواج من كل الإتجاهات , وهي أكبر من أن يوقفها شراع , ولهذا الحشد لابد من حشد مقابل , أرى المتنبي يبحث في أي مكان يكون متراساً للمواجهة في وقت شديد العصف بعقول ذوي الفكر. وفي هذا الزمن بارت البضائع ، وغارت البدائع، وكسد سوق العلم، وخمد ذكر الكرم، وصارالناس عبيد الدرهم بعد الدرهم .

ومن الممكن تسمية هذه المرحلة من حياة المتنبي وهي الأخيرة له بأنها حالة    “المواجهة المباشرة “فهو في مركز الخلافة الهزيلة التي استبد فيها البويهيون واستفحل أمرهم , وهو في مسقط رأسه ومكان صباه , وفي وطنه وبين قومه الذين تفرقوا بين عبيد وأحرار, وبين كلام كثير اشتد بفعل الشدة وبين أفكار تناثرت , وتقاذفتها أزمات الأمة الكبرى , لتتجمع وهي أكثر فرقة في مذاهب ناشئة طارئة , حيث دخلت في كثير من الجادات والتفرعات , وانتهى جزء منها إلى بحيرات جف معظمها , وجزء منها إلى مشارب زادتها العصور تقوقعا وتفرقا وتنافراً.

المتنبي ينشئ تحالفا عربيا لمواجهة الفرس مع أبي حيان التوحيدي وعلي بن حمزة البصري

ولاشك أن المتنبي كان يبحث يبحث ليس فقط عن علي بن حمزة البصري وأبي حيان التوحيدي وهما عربيان ,  فخلاص الأمة في مفكريها وعلمائها .وكان علي بن حمزة البصري اللغوي يكنى أبا النعيم وقال ياقوت الحموي (25)  أنه كان أحد أعيان أهل اللغة الفضلاء المتحققين العارفين بصحيحها من سقيمها، وله ردود على جماعةٍ من أئمة أهل اللغة كابن دريدٍ والأصمعي وابن الأعرابي وغيرهم. ولما ورد المتنبي إلى بغداد كان بها وفي داره نزل. وله تصانيف وردود على أهل الأدب وفق فيها. وقد روى عنه أبو الفتح بن جنىٍ شيئاً من أخبار المتنبي وغيرها، لأن المتنبئ لما ورد بغداد نزل عليه وكان ضيفه إلى أن رحل عنها.

وأما أبو حيان التوحيدي فقد كان كما المتنبي عربي النزعة والإتجاه إلا ان أدراء فارس كرهوه , وكان اكثرهم تنغيصا له وطعنا له الصاحب بن عباد حتى اذاه في شهرته ورزقه , وقال ياقوت: وصحب ابن عبَّاد وابنَ العميد، فلم يحمدهما، وصنَّف في مثالبهما كتاباً. وكان متفنناً في جميع العلوم، من النحو واللغة والشعر والأَدب والفقه والكلام على رأي  المعتزلة. وكان يتألَّه، والناس على ثقة من دينه. وقال محبُّ الدين بن النجَّار: كان صحيح العقيدة. وكذا قال غيره، غير أن المتأخرين حكموا بزندقته.

أن لا أُفيقَ ولا أُفَتِّرَ لحظةً            إن أنت لم تعشق فأنت حجارَهْ

الحبُّ أولُ ما يكون بنظرة             وكذا الحريقُ بَداؤه بشرارَهْ

يا من أُحِبُّ ولا أُسمِّي باسمها    إيَّاكِ أعني فاسمعي يا جارَهْ

وانتقم الأديب “أبو حيان التوحيدي ” ونال من الوزيرين ابن العميد والصاحب ابن عباد بان هجاهما وفند عملهما وغيرهما في كتاب مثالب الوزيرين و يعد من ذخائر التراث العربي , ونسخته الفريدة بالعالم هي التي تحتفظ بها مكتبة اسعد افندي باستنبول وعنوانه على المخطوطة أخلاق الصاحب وابن العميد  وبهذا الاسم ذكره ابو حيان في كتابه الامتاع والمؤانسة .

وقد أخفى التوحيدي كتابه عن الاعين واعتذر للوزير ابن سعدان عندما طلبه منه بأنه لاجسارة له على تحريره  وبأن جانب الصاحب مهيب , ومكره له دبيب

أما أبو الفضل ابن العميد  البويهي فهو عماد ملك آل بويه، وصدر وزرائهم،وكان يقول في ذكر السلطان وطاعته المطلقة المرء أشبه بزمانه، كل زمانٍ منتسجةٌ من سجايا سلطانه. الإبقاء على خدم السلطان ورجاله عدل الإبقاء على ماله. الإشفاق على حاشيته وحشمه مثل الإشفاق على ديناره ودرهمه.

وقال عنه أبو حيان التوحيدي ” كان أبو الفضل سيّداً، ولكن لم يشُقُّ غبارنا، ولا أَدرك شِوارنا، ولا مسح عذارنا، ولا عرف عَرارنا لا في علم الدين، ولا فيما يرجع إلى منافع المسلمين.

وأما الصاحب ابن عباد الوزير من الطالقان وهي ولاية بين قزوين وأبهر، وكان وزير مؤيد الدولة بن ركن الدولة بن بويه وأخيه فخر الدولة وكانت وزارته ثماني عشرة سنة وشهراً واحداً. وهو أول من سمي الصاحب من الوزراء لأنه صحب مؤيد الدولة من الصبي وسماه الصاحب فغلب عليه هذا اللقب , ويقال أنه سمي بهذا الإسم لصحبته أبو الفضل ابن العميد .

المشهد الثقافي والسياسي

وتصدرالمشهد الثقافي والصراع الفكري والسياسي في بغداد والعراقين في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري إلى جانب المتنبي وعلي بن حمزة البصري اللغوي , أبو حيان التوحيدي , والوزيرين أبو الفضل ابن العميد , والصاحب بن عباد  , فكل من هؤلاء له رأيه وموقفه السياسي سيما أن الثقافة هي الوجه الآخر  للحالة السياسية .

لم تكن مواقف أبو حيان التوحيدي بعيدة عن آراء المتنبي إلا أن الرجلين يختلفان في الأسلوب وطريقة المواجهة , فقد خاض أبوحيان صراعا مريرا مع ابن العميد والصاحب بسبب نزعته العربية وإذا كان أبو الطيب قد اتهم بادعاء النبوية في أول شبابه فإن أبو حيان اتهم بالزندقة كما أسلفنا , وأعتقد أنه كان شديد المواجهة والوضوح في مواقفه وهو مختلف في ذلك عن علي بن حمزة البصري إذ أن الحرب التي شنها عليه الوزيران كانت واضحة بحجم وضوح آرائه وكذلك رده عليهما في ذكر مثالبهما .

وأما ابن العميد والصاحب فقد افصحا عن آرائهما فهما قالا الكثير في وجوب طاعة السلطان وعدم الخروج عليه تمشيا مع الحالة السياسية السائدة إذ أن معز الدولة البويهي ووزير المهلبي كما أسلفنا كانا مطبقان على البلدان خصوصا مركز الخلافة ومعهم مجموعة من أهل السلطة والمال وبعض المتكلمين ممن أسموهم شعراء .

وتظهر الحوادث والتعريفات التي وردت سابقا عن تلك الشخصيات العامة كيفية أغوار معانيها وهي من المفترض أن تكون معنية بالشأن العام فتبدو حقيقتها  واضحة فقد كان أبو الفضل ابن العميد والصاحب بن عباد الفارسيان رغم أنهما أديبان إلا أنهما كانا ينزحان منه إلى إغراءات السلطة والجاه والمال المتمثلة في الوزير المهلبي وأمير الأمراء معز الدولة البويهي سيما أنهما متمسكان بوزارتيهما . فيما أبو الطيب المتنبي وأبو حيان التوحيدي وعلي بن حمزة البصري تمسكوا بالقاع الشعبي للقوم والأمة .

وتبدو حالة الانقسام جلية بين الوزيرين الأديبين الفارسيين من جهة وبين المتنبي وأبو حيان وعلي بن حمزة البصري من جهة آخرى . فقد كانت ساحة عمل الوزيرين واسعة سهلة يتحركون فيها تحت رعاية الوزير المهلبي ومعز الدولة البويهي , وأكثر فإن علاقة وطيدة تربط بين أبو الفضل ابن العميد والملك عضد الدولة البويهي , فيما كانت حركة أفكار المتنبي والتوحيدي والبصري العروبية مشوبة بالخطر بفعل سيطرة البويهيين على الخلافة وعلى الحياة العامة .

وقد تكفل الوزير المهلبي بأبي حيان التوحيدي الذي ظل في الإستتار بعد الملاحقة .. وقد جاء ذكره في التاريخ في حوادث مختلفة ظاهرها تنطلق من أنه سيئ الاعتقاد والفكر وباطنها معارضته لنفوذ البويهيين . قال الشيخ شمس الدين: كان سيِّئ الاعتقاد، نفاه الوزير المهلَّبي.  وقال ابن فارس في كتاب الخريدة والفريدة: كان كذَّاباً قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبُهتان، تعرَّض لأُمور جسام من القدح في الشريعة والقول بالتعطيل.

ووقف الصاحب كافي الكُفاة على بعض ما كان يخفيه من ذلك، فطلبه لقتله، فهرب والتجأ إلى أعدائه، ونفق عليهم بزخرفة كذبه. ثمَّ عثروا منه على ذلك، فطلبه الوزير المهلَّبي، فهرب منه، وظل في الاستتار إلى أن مات . وأما المتنبي فقد كانت قامته الأدبية تتطلب طرقا مختلفة في التعامل معه من قبل البويهيين .

تحالف فارسي  لمواجهة المتنبي بأدوات “عربية

إضافة إلى” ابن حجاج ” فقد انبرى أبو علي محمد بن الحسن بن المظفر، الكاتب اللغوي البغدادي المعروف بالحاتمي بالتصدي للمتنبي وله “الرسالة الحاتمية” الشهيرة , التي قال أنه شرح فيها كيف ذهب إلى المتنبي الذي كان له مجلس وفيه عدد من أصحابه حيث جرى بينهما لقاء عاصف سعى هو إليه وذلك بعد ان ثقلت وطأة المتنبي على كثير من الناس كما أشار الحاتمي , فطأطأ بعض رأسه وخفض بعض جناحه وطامن على التسليم له طرفه , ولم يشر الحاتم صراحة إلى أن الذي دفعه إلى الذهاب إلى المتنبي معز الدولة البويهي أو الوزير المهلبي إلا أن ذلك كان واضحا في نهاية رسالته التي أشار فيها إلى الفرح الكبير الذي عبر عنه الرجلان بعد أن عرفا كيف كان كلام الحاتم مع المتنبي قاسيا وشديدا .

ويفصح في رسالته عن الكراهية الشديدة بين معز الدولة البويهي ووزيره المهلبي وبين المتنبي ويقول عن المتنبي أنه كان عدوا مباينا لمعز الدولة ذا العزيمة “الكسروية ” ويشير في نهاية رسالته إلى أن الوزير المهلبي كان  سروره شديدا بعد هذا اللقاء وأن ذلك الإبتهاج جعله يبكر بالذهاب لإبلاغ معز الدولة قائلاً له: أعلمت ما كان من الحاتم  والمتنبي؟  فرد عليه بقوله نعم، قد شفا منه صدورنا.

وينقل  ابن خلكان  عن الحاتمي قوله في رسالته ” وساء معز الدولة أحمد بن بويه وقد صورت حاله، أن يرد حضرته في دار الخلافة ومستقر العز وبيضة الملك ” رجل صدر عن حضرة سيف الدولة بن حمدان وكان عدوا مباينا لمعز الدولة، فلا يلقى أحدا بمملكته يساويه في صناعته، وهو ذو النفس الأبية والعزيمة الكسروية، والهمة التي لو همت بالدهر لما تصرفت بالأحرار صروفه ودارت عليهم دوائره

وتضيف الرسالة ” وتخيل الوزير المهلبي رجما بالغيب، أن أحدا لايستطيع مساجلته ولا يرى نفسه كفؤا له ولا يضطلع بأعبائه فضلا عن التعلق بشيء من معانيه، وللرؤساء مذاهب في تعظيم من يعظمونه وتفخيم من يفخمونه وتكرمة من يراعونه ويكرمونه، وربما حالت بهم الحال وأوشكوا عن هذه الخليقة الانتقال، وتلك صورة الوزير المهلبي في عودة عن رأيه هذا فيه “

وينهي الحاتمي رسالته بالقول تشاغلت بقية يومي بشغل عن لي تأخرت معه عن حضرة المهلب وانتهى إليه الخبر، وأتتني رسله ليلاً فأتيته فأخبرته بالقصة على الحال، فكان من سروره وابتهاجه بما جرى ما بعثه على مباكرة معز الدولة

يصف أبو حيان التوحيدي “الحاتمي”  في “مثالب الوزيرين ” إنه من أدهياء الناس   وفي الإمتاع والمؤانسة (30) يقول التوحيدي وأما الحاتمي فغليظ اللفظ، كثير العقد، يحب أن يكون بدوياً قحاً، وهو لم يتم حضرياً؛ غزير المحفوظ، جامعٌ بين النظم والنثر، على تشابهٍ بينهما في الجفوة وقلة السلاسة، والبعد من المسلوك، بادي العورة فيما يقول، لكأنما يبرز ما يخفي، ويكدر ما يصفي، له سكرة في القول إذا أفاق منها خمر وإذا خمر سدر؛ يتطاول شاخصاً، فيتضاءل متقاعساً؛ إذا صدق فهو مهين، وإذا كذب فهو مشين.

ظروف ذاتية وموضوعية قاتمة

وفي حمأة هذا الصراع هذا يأتي خبر وفاة “خولة” أخت سيف الدولة حيث يجهش المتنبي في رثائها , فلم  يقوى على تصديق نبأ موتها , إلا ان هذا الألم الشديد جاء ليضيف من شدة همومه المتعلقة بقضيته , لكن من جانب آخر ربما يختزل هذا المصاب قتامة العام وتعقده بوضوح لجهة انقشاع تعقد الاشياء ,فحتى ليشاركه العراق كله بحزنه الشديد على من أحب بصمت والتي لايقوى على ذكر اسمها استعظاما لها فهي في نظرة أجل من أن تسمى وأن تكنى كما جاء في قصيدة الرثاء التي أرسلها.

وكشفت قصيدة الرثاء وقصائده الأخرى التي قالها في سيف الدولة عن عشق خوله , هذا العشق غير المرئي ولاتسمية واضحة له , فقد أطبق عليه في صدره طويلاً , إلا ان مفردات شعره ومابين المعاني لم تخف الحب العظيم فقد تملك حسه وسرى في أبياته أنينا وشكوى فقد دل رثاؤه أياها على لوعة لم تكن في غير الهائمين المعاميد  فالمتنبي عرف العشق وأقر به في شعره وردد من الفاظه ما أكد هواه فغزله تعبير صادق ولم يكن تكلفا وتقليدا

ونظرة المتنبي للعشق كنظرته للدنيا من قممها حالة انسانية ليست معزولة عن انفعالات الذات بل متلازمة مع العقل فليس ضعيفا ذليلا أمام الحبيب بل كريما عزيزا والعشق لديه جزء من مفرادات الحياة وعناوينها فهو مثل الولادة والموت وحتمي فلا عجب ان يتعجب ممن يموت ولايعشق فهو قد قال في العشق

              وَعَذَلتُ أَهلَ العِشقِ حَتّى ذُقتُهُ   فَعَجِبتُ كَيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ

ويقول في خولة

             يا أُختَ خَيرِ أَخٍ يا بِنتَ خَيرِ أَبٍ      كِنايَةً بِهِما عَن أَشرَفِ النَسَبِ

             أُجِلُّ قَدرَكِ أَن تُسمى مُؤَبَّنَةً      وَمَن يَصِفكِ فَقَد سَمّاكِ لِلعَرَبِ

        أَرى العِراقَ طَويلَ اللَيلِ مُذ نُعِيَت      فَكَيفَ لَيلُ فَتى الفِتيانِ في حَلَبِ

  سقوط حلب بإيدي الروم

وزادت قتامة الخاص تعقيدا على المتنبي مع حال الأوضاع السياسية والإجتماعية  , بعد انتصار الروم على الإسلام في حلب , كما يقول ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة , وضعف أمر سيف الدولة بعد تلك الملاحم الكبار التي طير فيها لب العدو ومزقهم ولله الأمر فقد اجتمع أهل بغداد ووبخوا الخليفة المطيع لله بكائنة حلب وطلبوا منه أن يخرج بنفسه إلى الغزو ويأخذ بثأر أهل حلب وبينما هم في ذلك ورد الخبر بموت طاغية الروم وأن الخلف وقع بينهم فيمن يملكونه عليهم وأن أهل طرسوس غزوهم وانتصروا عليهم وعادوا بغنائم لم ير في دهر مثلها فآنتدب المسلمون لغزو الروم من كل جانب.

انقسام اجتماعي بعد فرض إقامة المآتم على الحسين

اتضحت علائم الإنقسام الاجتماعي سيما بعد أن قام معز الدولة البويهي كما يقول ابن تغري بردي بإلزام الناس في بغداد في يوم عاشوراء بغلق الأسواق ومنع الطباخين من الطبخ ونصبوا القباب في الأسواق وعلقوا عليها المسوح وأقيمت المآتم على الحسين حيث كان هذا أول يوم وقعت فيه هذه العادة ببغداد حيث وقعت على خلفية هذه المآتم في العام الذي تلاه فتنة عظيمة بين أهل بغداد  وجرح جماعة ونهب الناس.

الملك عضد الدولة “الفارسي ” يستدعي المتنبي الذي بدوره يرد أن الملوك  قرود “يشبه بعضهم بعضاً

وفي خضم تفاقم الصراع واحتدامه باتجاه بلورة حركة أدبية سياسية سيما بعد تحالف المتنبي مع “علي بن حمزة البصري” , ورد  كتاب الملك عضد الدولة ابن بويه الديلمي يستدعي أبا الطيب المتنبي لزيارته في شيراز وكان ذلك خلال لقاء جمعه مع الوزير ” أبي الفضل ابن العميد ” في أرجان فقال المتنبي ما لي وللديلم ؟

فقال ابن العميد عضد الدولة أفضل مني، ويصلك بأضعاف ما وصلتك به. فأجاب أبو الطيب بأن له ضجرات واختيارات من أمثال هؤلاء الملوك فهم يعطوني عرضاً فانياً؛  ويعوقونني عن مرادي، فأحتاج إلى مفارقتهم على أقبح الوجوه!

وكاتب ” ابن العميد ” عضد الدولة البويهي بهذا الحديث. فورد الجواب بأنه مملك مراده في المقام والظعن وتبلغ ذلك المتنبي من ابن العميد الذي لم تعرف إلى الأن دوافع الدور الذي قام به حيث جهد لإغرائه بقبول الدعوة  وأطمعه بما قد يلقاه من مكرمات .

قال عبد القادر البغدادي في كتابه خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب عن اللقاء الذي جمع المتنبي وأبو الفضل بن العميد حدثنا أبو الفتح عثمان بن جني عن علي بن حمزة البصري قال: كنت مع المتنبي لما ورد أرجان؛ فلما أشرف عليها وجدها ضيقة البقعة والدور والمساكن، فضرب بيده على صدره وقال: تركت ملوك الأرض وهم يتعبدون بي، وقصدت رب هذه المدرة، فما يكون منه!

وأضاف البغدادي ” أخبرني ” البديهي ” أن المتنبي قال بأرجان: الملوك قرود يشبه بعضهم بعضاً ، على الجودة يعطون “.

المتنبي يصل بلاط الملك الفارسي

واتفق أن قبل أبو الطيب تلبية هذه الدعوة الغريبة والمثيرة والتي لم يكشف الى الان عن خفاياها  سيما انها جاءت بعد سني عداء أمطر فيها أبو الطيب البويهيين واترابهم من غير العرب حروفا من ابجديات المروءة والشهامة التي تضج بها اللغة العربية وحواضرها بحيث كانت تنهمر عليهم لتؤرق مضاجعهم , ثم دخل أبو الطيب البلد وأنشد متحديا

فَلَمّا أَنَخنا رَكَزنا الرِماحَ                      فَوقَ مَكارِمِنا وَالعُلا

بِتنا نُقَبِّلُ أَسيافَنا                           وَنَمسَحُها مِن دِماءِ العِدا

فقال عضد الدولة: هو ذا يتهددنا المتنبي!

ويتضح من تلك الابيات أن أبا الطيب ذهب اليهم مغاضبا لاراغبا وقد خان العرب أدبه فكان ذلك تاديبا منه لهم وتقريعا وليس العكس . أما لماذا أقدم على هذه الخطوة فهي على الأرجح شعوره القوي بأنه مقتول سواء بقي في العراقين وبغداد أم ذهب إلى الملك البويهي الذي خص جل شعره السياسي في ذم غير العرب المتسلطين على الخلافة العربية ومهاجمتهم سيما البويهيين وقد سار المتنبي على شعره

                                  وإذا لم يكن من الموت بدٌ        فمنَ العجزِ أن تموت جبانا

ثم لما نفض غبار السفر واستراح، ركب إلى عضد الدولة، فلما توسط الدار انتهى إلى قرب السرير مصادمة، وقال: شكرت مطيةً حملتني إليك، واملاً  وقف بي عليك ثم سأله عضد الدولة عن مسيره من مصر، وعن علي بن حمدان؛ فذكره  وانصرف وما أنشده فبعد أيامٍ حضر السماط وقام بيده درج، فأجلسه عضد الدولة  وأنشده:

                           مَغاني الشَعبِ طيباً في المَغاني   بِمَنزِلَةِ الرَبيعِ مِنَ الزَمانِ

                             وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبِيَّ فيها         غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ

وشعب بوان هو موضع عند شيراز كثير الأشجار والمياه وهو منسوب إلى بوان بن إيران بن الأسود ابن سام بن نوح .وقال أبو بكر الخوارزمي: مستنزهات الدنيا أربعة مواضع: غوطة دمشق ونهر الابلة وشعب بوان وصغد سمرقند، وأحسنها غوطة دمشق، والله أعلم

ويقال أن عضد الدولة رأى في هذه القصيدة مديحا ممزوجا بذم , وقال إن المتنبي كان جيد شعره بالعرب. فأخبر المتنبي به فقال: الشعر على قدر البقاع..

واستطاع عضد الدولة بما أوتي من مكر ودهاء أن يداري أبا الطيب , وهو الذي يعلم طواياه وما يكن لقومه من عداوة وبغضاء , فاوعز فيما بعد إلى من يخلصهم منه بعد رحيله وقد اقام ثلاثة اشهر في ديارهم .

    روى القاضي التنوخي في نشوار المحاضرة أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الحافظ، قال: حدثني علي بن أيوب، قال: خرج المتنبي من بغداد إلى فارس، فمدح عضد الدولة، وأقام عنده مديدة، ثم رجع من شيراز يريد بغداد، فقتل بالطريق بالقرب من النعمانية، في شهر رمضان، وقيل في شعبان، من سنة أربع وخمسين وثلثمائة

أخيرا

يتضح أن المتنبي كان قوة فكرية وطاقة عربية وقفت بوجه التمدد الفارسي في العراق من خلال شعره في عصر ليس فيه وسائل إعلام غير الشعر الذي يرفقه دوما بالفخر بأمته وقومه  وأيضا من خلال اعلانه تحدي الفرس بتأليف تحالف ثقافي عربي يعمل على احباط مخططاتهم ..كما يتضح الدور الذي لعبه أبو الفضل ابن العميد والصاحب بن عباد الوزيران الفارسيان في الوقوف ضد المتنبي والتحالف الذي أقامه وأهم ما يتضح ايضا هو استدعاء الملك الفارسي عضد الدولة للمتنبي وقتله والتمثيل به دون غيره من مرافقيه الذين قتلوا ايضا معه .

لقد تم إعلان مقتل المتنبي على يد فاتك الأسدي من قبل ” أبو الحسن السوسي” الذي قال أنه كان يتولى الأهواز من قبل المهلبي وزير معز الدولة البويهي التابع للملك عضد الدولة . في رواية تفيض بمفردات الذم ليس لشخص المتنبي فقط بل لشعره أيضاً  وتم تناقل نبأ قتل المتنبي سواء على لسان عبد القادر البغدادي أو غيره استنادا لنفس المصدر وقبيل مقتل المتنبي كان واضحا الصراع بينه وبين البويهيين واتباعهم حيث تجلى ذلك في رسالة “الحاتمي ” هذا الصراع الذي بلغ ذروته حين استدعاء الملك عضد الدولة للمتنبي الذي لم يذخر فرصة الا وهجاه بها…

لم يكن المتنبي فردا عاديا فقد كان شديد المواجهة مع الفرس وذاع صيته مفكرا وشاعرا كبيرا في كل البقاع  وبالتالي فإن  قتل متل هذه القامة لا يمكن ان تكون بداوفع المال أو لأنه هجا أحد القتلة…فدوافع الجريمة سياسية بامتياز وقد تم اختراع قصة فاتك الأسدي لتكتمل المؤامرة وتذهب القضية العربية التي حملها المتنبي في صراعه مع الفرس على أنه قتل بسبب سخيف وذهبت قضيته معه

ولو لم يتمكن القتلة من إيجاد شخصية مثل فاتك الأسدي فربما كانوا أشاعوا بين الناس بأن المتنبي قتل نفسه وبأن تسوى جملة فعلية يعلنها للناس على نحو” قُتِلَ المتنبي ” أي أنه هو نائب عن الفاعل بقتل نفسه على اعتبار أن قُتِلَ هي فعل ماض مبني للمجهول وأن أفعاله هي التي قتلته

وأعتقد أن المتنبي قد يروق له ذلك فهو يرفض إلا أن يكون فاعلا في كل شيئ حتى في استشهاده الذي كان يعرف موعده حين ذهب الى الملك الفارسي متحديا وقال وصيته التي على العرب التأمل بها لفهمها لا لحفظ مفرداتها

لِتَعْلَمَ مِصْرُ وَمَنْ بالعِراقِ       ومَنْ بالعَوَاصِمِ أنّي الفَتى

وَأنّي وَفَيْتُ وَأنّي أبَيْتُ          وَأنّي عَتَوْتُ على مَنْ عَتَا

 وَما كُلُّ مَن قالَ قَولاً وَفى      وَلا كُلُّ مَن سيمَ خَسفاً أَبى

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: