أخبار ليفانتالآدابروايةفنونمقالاتمقالات نقدية

الروائي والراوي العليم في بغداد التي يتخطَّفُها الطير

الكاتب والناقد مصطفى جوهر

قراءة في رواية محمد طعان “سيد بغداد”

بقلم: مصطفى جوهر

تقومُ مغامرةُ البناءِ الروائيِّ على عِدَّة مقوِّماتٍ، تمثِّلُ هذه المقوماتُ الهيكلَ الأساسيَّ، الذي تنضوي تحتَ عباءَتِهِ عناصرُ كسائِهِ الخارجيِّ والبينيِّ، والمتمِّمةُ لاكتمالِ البناءِ. فمنذُ كانت الروايةُ فنًّا شفهيًّا مسموعًا، كانت الحكايةُ، ومِن ثُمَّ الراوي، الذي يُبدأ بذِكره: قال الراوي، ثُمَّ أبطالُ الحكايةِ هُم الأساسُ، وقد اعتمدَ البناءُ اللغويُّ للنَّصِّ حينئذٍ على السجعِ والتقفيةِ، والإسهابِ في الوصفِ، فكانَ بطلُ الروايةِ الظاهرُ دائمًا هو الراوي العليمُ، الخبيرُ بطبيعةِ الأمورِ الماضيةِ والآنيةِ والمستقبليةِ، المُدرِكُ لطبيعةِ شخوصِها، وبواطنِ نفسيتِها، وما يعتمِلُ فيها، وكانَ حِراكُ الراوي على السطحِ جليًّا، لا يقومُ الكاتبُ بجَهدٍ لإخفائِهِ، لأنَّه أعلنَ عن حضورِهِ مِن البدايةِ، فيظهرُ الراوي وكأنَّه الروائيُّ، الذي يروي بضميرِ الغائبِ، ويقدِّمُ الأشخاصَ، ويصفُ أفعالَهم، أي أنَّ البنيةَ السرديةَ للخطابِ تتشكَّلُ من تضافُرِ ثلاثةِ مكوِّناتٍ هي: الراوي، والمروي، والمروي له. فـ (الراوي) هو الشخصُ الذي يروي الحكايةَ، أو يُخبرُ عنها، سواء كانت حقيقةً أم متخيَّلةً. و(المروي) هو كل ما يصدُرُ عن الراوي، وينتظمُ لتشكيلِ مجموعةٍ من الأحداثِ تقترنُ بأشخاصٍ، ويؤطِّرُها فضاءٌ من الزمانِ والمكانِ.

و(الروائي) لا يتكلَّمُ بصوتِهِ، ولكنَّه يفوّضُ (راويًا) تخيُّيليًّا، هو الذي يختارُ راويَه، ولا يظهَرُ ظهورًا مباشرًا في النَّصِّ الروائيِّ. وأما (الراوي) فهو أسلوبُ صياغةٍ، أو أسلوبُ تقديمِ المادةِ القصصيةِ، وقناعٌ من الأقنعةِ العديدةِ التي يتخفّى الروائيُّ خلفَها في تقديمِ عملِهِ السرديِّ.

 


وقد أدّى التغييرُ الذي طرَأَ على طبيعةِ (الراوي) إلى تطوُّرٍ واضحٍ في تقنياتِ صياغةِ المادةِ القصصيةِ في الروايةِ الحديثةِ. ومِن نقاطِ التحوّلِ المهِمةِ التي طرأتْ على بنيةِ التوصيلِ القصصيِّ اختفاءُ (الروائيِّ) نتيجةَ موقفٍ ينادي بنَفْي شخصيتِهِ. مُذ جاءَ فولتير، والذي كانَ أوَّلَ من نادَى باختفاءِ (الروائي)، حين قالَ: “يجبُ أنْ يكونَ الروائيُّ في عمَلِه كاللهِ في الكونِ: حاضِرًا غائبًا”. ليصبحَ الراوي – الذي تنوَّعتْ صورُه فيما بعد – القناعَ الرئيسَ الذي يختفي وراءَه الكاتبُ. ثم جاء تودوروف الذي ميّز بين الحكي: كقصةٍ وكخطابٍ، وقال بإمكانيةِ تحليلِ الخطاب السرديِّ على أساسِ الزمنِ، والصيغةِ، كمقولاتٍ للحكي، واعتبرَ جهاتِ الحكي هي الطريقةُ التي بوساطتِها تُدرَكُ القصةُ عن طريقِ الراوي في علاقتهِ بالمتلقِّي، واعتبرَ أنَّ قراءةَ عملٍ سردِيٍّ لا تجعلُنا مباشرةً أمامَ إدراكِ أحداثِه وقصتِه إلا من خلالِ الراوي.

والعملُ الروائيُّ موضِعُ البحثِ؛ سيدُ بغداد، يعتمدُ في بنيتِه على الراوي العليم، الذي يعرِضُ الحكايةَ، وينظِّمُ المتنَ الحكائيَّ، ويتحكَّمُ في دخولِ وخروجِ الأبطالِ أمامَ عينَي القارئِ، فيجعلُ أحدَهم في صدارةِ المشهدِ، ثم يواريه، ليُظهرَ غيرَه، حتى تتمَّ القصةُ، وتتوالى الأحداثُ، تاركًا الفرصةَ لبعضِ الأبطالِ أن يَعرِضوا ما لم يعرِضْه، لأنهم في هذا الموضعِ أجدرُ منه بالعَرْضِ، أو لأن عرْضَ الحدَثِ من خلاله حينئذ سيكون مقحَمًا، يأخذ صورةً مغايرةً للبناءِ الفنيِّ، كما ترَكَ الراوي العليمُ الساحةَ للسيدِ/ رَجُلِ الدينِ ليقُصَّ حكايةَ التيَّارِ الشيعيِّ في الثقافةِ الإسلاميةِ، وفي العراقِ خاصةً، منذُ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ، مستمِدًّا من عَرْضِ عاشوراءَ، وجهْلِ الأمريكيِّ جيمي، حديثِ العهدِ بالإسلامِ وبالمذهبِ الشيعيِّ، حيلةٍ تهيِّئُ له القدرةَ على ملءِ الفراغِ المعرفيِّ بالأحداثِ، ولن يكونَ هناكَ أجدرُ من هذهِ الشخصيةِ بمكانتِها في عشيرتِها، وفي نفوسِ شيعةِ الأهوارِ، ليتكلَّمَ عن هكذا تاريخٍ، وقد تركَ الراوي العليمُ السيدَ يعرِضُ الأمرَ بوعي شيعيٍّ منحازٍ تمامَ الانحيازِ، وهو مَا جاءَ طبيعيًّا إذ كانَ الخطابُ المحمَّلُ في تضاعيفِ الحكايةِ صادرًا عن رجُلِ دينٍ شيعيٍّ، أمضى عُمرَه كلَّه يتهيَّأُ لِما بلَغَهُ من مكانةٍ بينَ الشيعةِ، لنعودَ نراهُ يتوارى تارةً أُخرى، سامحًا للشيوعيِّ الملحِدِ؛ أحمدَ صديقِ ابنِ السيدِ، أن يعبِّرَ بوعيهِ عن مشاهداتِ اللطائمِ والطقوسِ، كما لم يحُلْ دونَ ظهورِ الطبيعةِ النفسيةِ لآمنةَ ذاتِ الأصولِ الغجريةِ، وخوفِها من اكتشافِ أصلِها، مع سقوطِ نظامِ صدامٍ، والذي كانتْ عائلاتُ الغجرِ تواليهِ، حتى صارَ لهم حيٌّ يُعرف بهم، والذي كان احتلالُه بعدَ سقوطِ نظامِ صدامٍ، دربًا من دروبِ التشفِّي والانتقامِ، كما لم يُبدِ الراوي العليمُ في سرْدِه للحكاياتِ، التي انتظمت في المتنِ الحكائيِّ أيَّ صورةٍ عقَدِيَّةٍ أو إيمانيةٍ خاصةٍ بآمنةَ، مكتفيًا بإشارةٍ قصيرةٍ، لكنها مهمةٌ، حينما جاءَ على لسانها أنَّ الغجرَ قبائلٌ نازحةٌ، يعتنقون دينَ من يتواجدون بينَهم، وفي موالاةِ عشيرتِها لنظامِ صدامٍ، إشارةُ إلى توجُّهٍ سُنِّيٍّ، وبزواجِها من ابنِ السيدِ الشيعيِّ، يصلُ للقارئِ تشيُّعُها، حتى لو كانَ ظاهريًّا، كما أن الكاتبَ سمحَ للراوي العليمِ أنْ يلتقطَ أنفاسَه قليلًا، بترْكِ هامشِ التساؤلاتِ، وإن جاءَ على استحياءِ، معتمدًا على ظهورِ الأمريكيِّ الذي اعتنقَ الإسلامَ على يدِ السيدِ، ومن ثم المذهبِ الشيعيِّ، فكان جهْلُه بهذا أو بذاك أرضًا بكرًا لطرحِ التساؤلاتِ، خاصةً على خلفيةِ المفاهيمِ التي تم ترويجُها في المجتمعِ الغربيِّ عن الإسلامِ، دون الفصلِ بينَ ما هو سُنيٌّ وما هو شيعيٌّ، غيرَ أنَّ الكاتبَ اقتصرَ على طرحِ الأسئلةِ البسيطةِ، التي استفادَ من الإجابةِ عنها بعرْضِ تاريخِ التشيُّعِ في العراقِ، معمِّقًا البُعدِ النفسيِّ بالوصفِ التفصيليِّ نوعًا، الذي قصَّ من خلالهِ مقتلَ الحُسينِ، معتمدًا على التأثيرِ النفسيِّ في وعي القارئِ، متخيِّرًا مفرداتٍ بعينِها، كابنِ بنتِ النبيِّ، وحفيدِ الرسولِ، بالإضافةِ للأحداثِ الدمويةِ من إذلالِ العطشِ إلى قطعِ الرؤوسِ، مرورًا بالرؤى المتعلِّقةِ بالرسولِ شخصيًّا، والتي تتنبَّأُ – بدورها – بالنهايةِ الحتميةِ لجيشٍ قِوامِه أربعينَ في مواجهةِ آلافِ المقاتلينَ.

وبدخولِ عالمِ النصِّ الروائيِّ، نُدرِكُ أنَّ الزمنَ الآنيَّ الرئيسَ للمتنِ الحكائيِّ هو زمنُ احتلالِ القواتِ الأمريكيةِ للعراقِ، وسقوطِ صدامٍ ونظامهِ، وقد أُزيحَ الستارُ أوَّلَ ما أُزيحَ عن سيدٍ يستقبلُ – مع كثيرٍ من الناسِ – جثمانَ ابنِهِ، وجثامينَ أبنائهم، بعدَ العثورِ على مقبرةٍ جماعيةٍ، مصوِّرًا الطريقةَ التي تعرَّف بها كلٌّ على جثمانِ فقيدٍ لهُ، من خلالِ الملابسِ أو بعضِ الأوراقِ، وظَلَّ الراوي العليمُ يتحرَّكُ حثيثًا، يضعُ لبِنَةً تلوَ الأخرى، حتى يتجسَّدَ أمامنا السيدُ الشيعيُّ، قائدُ عشيرتهِ في الأهوارِ، وبذلك يشعرُ القارئُ أنَّ بغدادَ في حوزةِ ثلاثةِ أسيادٍ، نظامٌ يلفِظُ أنفاسَه الأخيرةَ، ينتظرُ الجميعُ القبضَ على رأسِه، وسيدٌ جديدٌ تسلَّم مقاليدَ الأمورِ هو قواتُ الاحتلالِ الأمريكيِّ، وبينهما سيدٌ له حظوتُه ومكانتُه بين عشيرتِه ومعتنقِي مذهبِه، وقد أشار الراوي في النصِّ إلى نفوذِ كلِّ سيدٍ منهم من خلالِ السماتِ الظاهرةِ لكلٍّ منهم، بإفرادِ مساحةٍ ماضاويةٍ لإظهارِ جبروتِ صدامٍ، الذي قتلَ – أوَّل ما قتلَ – عند توليه مقاليدِ الأمورِ معاونيه، الذين ساندوه في الإطاحةِ بالنظامِ السابقِ عليه، وما تبعَ ذلك من قهرٍ للشيعةِ، ومحاصرة أرزاقِهم ببناء السدودِ، وتغيير مجرى النهرِ؛ ما أدّى إلى تغييرِ طبيعةِ الأهوارِ، ونزوحِ أهلِها، وعلى جانبٍ آخرَ كان القهرُ يعمل بنفسِ النشاطِ لدَحْرِ الأكرادِ، وحبْسِهم في جبالٍ قريبةٍ من أراضيهم. بينما استعراضُ المركباتِ العسكريةِ، وسيطرةُ القواتِ الأمريكيةِ على أهمِّ مباني النظامِ القديمِ في بغدادَ، كان مؤشرًا لوضعيةِ السيدِ الجديدِ، وبين القبولِ به كسيدٍ جاءَ لقضيةٍ نبيلةٍ؛ ألا وهي القضاءُ على نظامٍ مستبدٍّ، غيرَ أن طريقتَه تحملُ من الآلامِ ما تحملُ، فلم يكتفِ الساردُ بالإشارةِ إلى التفجيراتِ والتعذيبِ في سجن أبي غريب، وما حدثَ لبنيةِ بغدادَ، التي كانت يومًا دارَ السلامِ، ودارَ الخلافةِ، التي امتدَ جسدُها شرقًا وغربًا لزمن طويل، فكان التأكيدُ على حدوثِ أزمةٍ وفقْدٍ بظهور جيمي؛ فمن مقتلِ الفتاة التي تمَّ اغتصابُها، إلى مقتلِ فارسٍ، الشابِّ المتطوعِ لإعادةِ إعمارِ الأهوارِ، إلى مقتلِ أحمدَ في نهايةِ الروايةِ، وكأنَّه – رغم محاولاتِه النبيلةِ لإنقاذِ الموقفِ، قد أدَّى إلى تفاقُمِه بمجرَّدِ تورُّطِه فيه. أما السيدُ الشيعيُّ الذي يمثِّلُ البنيةَ الثالثةَ من النفوذِ في النصِّ الروائيِّ، فكان ظهورُه، ومن ثمَّ حِراكُه الغيرُ مستترٍ تابعًا لسقوطِ السيدِ الأولِ، ومجيءِ السيدِ الثاني.

ورغمَ اعتمادِ النصِّ على الراوي العليمِ، الديكتاتورِ بطبعهِ، إلا أنه ترَكَ هامشًا ليبيِّنَ صراعًا ما يعتمِلُ في نفسيةِ المجتمعِ العراقيِّ، بينَ مؤيِّدٍ مطلَقٍ للقدومِ الأمريكيِّ المخلِّصِ، وبينَ رافضٍ لهذا الاقتحامِ، الذي أتى على المتاحفِ والمكتباتِ، وأدَّى بفوضى حضورِه إلى طمسِ هُوَيَّةِ المجتمعِ العراقيِّ، بينما على خلفية المشهد، يظلُّ السيدُ الشيعيُّ يبثُّ صورةَ مخلِّصٍ آخرَ، يمثِّلُ انتظارُه صُلبَ المعتقَدِ الشيعيِّ، ألا وهو المهدي المنتظَر.

ورغم تحرِّي الروائي الحذَر ألا يسقط في عيوبِ الراوي العليمِ، الذي أسندَ له روايةَ المتنِ الحكائيِّ، بكل تنقلاتهِ تقريبًا، إلا أنه انساقَ كثيرًا وراء أحداثٍ بعينها مؤجِّلا الحديثَ عن التحولاتِ التي يعاينُها أشخاصُ آخرون؛ فنرى آمنةَ غابتْ عن المشهد طويلا، لكنه عاد بها وبأحمدَ (الذي يمثِّل الصراعَ العراقيَّ الكرديَّ على الأرض)، وجيمي (الذي يمثِّلُ الاحتلالَ بصورته المتعاطِفةِ مع المجتمعِ العراقي)، والسيدِ (ممثلِ البنيةِ الشيعيةِ في المجتمعِ العراقيِّ)، ووطبانَ (رجلِ النظامِ القديمِ)، ليمثِّلَ هذا الزخمُ من حضورِ الشخصياتِ قبلَ مشارفِ نهايتِها، حالةً مهمةً من تجميعِ الخيوطِ.

إلا أننا نرى في تضاعيفِ الروايةِ القليلَ الذي أفلتَ من الروائي، بسبب سيادةِ الراوي العليمِ، حينما أتى على ذِكْرِ الملِكِ السابق لنظام صدام: “وفجأة عادت إلى ذهنها صورةُ الملكِ الشابِّ وكلِّ عائلته التي تعرَّضتْ للسحلِ [..] في تموز/ يوليو 1985، قبل ولادتِها”! مضطرًا إلى تبرير ذلك الذِّكرِ الذي جاء على ذِهن آمنةَ، ولم تكن شاهدةً عليه، والإشارةِ إلى أنه بلَغَها من خلال كتبِ التاريخِ.

كما نراه وقد استبقَ الأحداثَ متحدثًا الآن عمَّا سوف يحدثُ دون التمهيد التنبؤي له: “أسبوع يترك الوقتَ لأحمدَ كي يحلَّ المشكلاتِ المرتبطةَ بنفيهم، وسوف يناقشانِ في بغدادَ الطريقةَ التي عليه أن يقدِّمَ بها تعازيَه للسيدِ”.

وطوالَ النصِّ وحتى نهايته، ومن خلالِ القيامِ بترجمةِ ما يقال أمام جيمي أو له إلى اللغة الإنجليزية، ثم قراءته للقرآنِ من خلال نسخةٍ إنجليزية، وتدبيرِ معلِّمِ لغةٍ عربية له في نهاية الرواية؛ حتى يتمكَّنَ من قراءته بعربية مبينة، ندرِكُ من خلال هذا كلِّه أنه لا يجيدُ العربيةَ، غير أن الراوي العليم يسقُط سقطةً صعبةً حينما يصفه، عقبَ اغتصابِ الفتاةِ ولجوئها للحسينية، حيث يؤمِّن السيد حمايتها: “أما جيمي، الفضوليُّ، ولكن الحائرُ بوجهٍ خاصٍّ، فعجِزَ عن النومِ، ومضى يسترِقُ السمْعَ، عبْرَ بابِ قاعةِ الانتظارِ، إلى شكاوَى الضحيةِ الشابةِ، وبكائها المكتومِ” فبالإضافةِ لخفوتِ الصوتِ، هناك ما يحولُ دونَ الفهمِ، وهو غرائبيةُ اللغةِ العربيةِ بالنسبةِ للوافدِ الأمريكيِّ، فأنّى له ذلك! وكيف ينبني عليه تعاطفُه وإقدامُه على زواجِ الفتاةِ الضحيةِ لإنقاذها، كما أنَّ الكاتبَ في مشهدٍ يسبقُ ذلك بقليلٍ، يضعُ على لسانِ جيمي ما يخالفُ طبيعةَ وعيهِ وثقافتِهِ، حينما يقول للسيد: “لكنها ضحيةٌ، لم تسعَ وراءَ هذا العارِ”، قد يبدو ذِكْر العار هنا مجاراةً لسياقِ حديث السيد، والمفهومِ العربي للشرفِ المتعلِّقِ بالأنثى، لكنه يحمل تناقضًا ما، كان يمكن إزالةُ التباسهِ بإضافةِ مفرداتٍ من قَبيل (ما تعتبرونه/ ما تسمونه) عارًا.

والحقيقةُ أنَّ الكاتبَ – عبر راويه العليم – استفادَ من بعض المفاصلِ في سردِه، ليتحدَّثَ في عجالةٍ عن تحولاتِ بغدادَ، منذ هارونِ الرشيدِ: ” كان تسكعها قد أفضى بها إلى الشارع الكبير لهارون الرشيد، الخليفةِ العباسي، شريك شارلمان، وخليفةِ أبي جعفر المنصور، الذي أسس بغدادَ في القرن الثامنِ. ولكنَّ بغدادَ لم تعد مدينةَ السلامِ الأسطوريةَ [..] فهذه المقاهي هي الميراثُ الإيجابي الوحيد من الاستعمارِ الإنجليزيِّ، وكانت تتردد عليها سابقًا نخبةُ المجتمع البغدادي، قبل أن تصبحَ مكانَ لقاء المثقفين في فترة الاستقلال، وهذه النخبة [..] زالتْ في عهد صدام بصورة تدريجية، لتحلَّ محلَّها زُمرةٌ من رجالات السلطة، اختلطت بها الشريحةُ السفلى من المجتمع”. هذا التطواف على عجالته واختذاله، يزيحُ الستارَ عن تغيرات زمنيةٍ واجتماعية وسياسيةٍ، اعتملت في تلك المدينةِ وساكنيها، ينقلُها الكاتبُ عبْر أماكنَ معيَّنةٍ، وشرائحَ معينةٍ، توضِّح ظهورَ واختفاءَ طبقاتٍ مجتمعيةٍ بعينها، وفقًا للنفوذ السياسي الموازي لظهورها.

كما أن الراوي العليم، يطوف بنا على تنويعات مهمة تخص تموز/ يوليو، بداية من أسطورته التي تقول: “إن هذا البطلَ الأسطوريَّ لما بين النهرين في الزمنِ القديم ماتَ في احتفالٍ طقسي يتكرر كلَّ عام، وكان موته يعلنُ نهاية الحصادِ الذي يليه في الربيع إزهارٌ جديدٌ [..] دورةُ خصب، وإزهار وموت طبعتْ حضارةَ بابلَ”، منتقلا إلى كونه شهْرَ الثورةِ الفرنسية، وهو ما جعل نظامَ صدام يستفيد من هذه المصادفةِ، وفي 17 تموز/ يوليو 1968، ارتقاءُ صدام سُدَّةِ السلطة كرجل ثانٍ في النظام، ثم 16 تموز/ يوليو 1979 وعزْلُ الرئيسِ ليصبحَ صدامُ سيدَ بغدادَ المطلَقَ، وقد أطلَق بدوره على المفاعل النووي الذي أُقيم في ضاحيةِ العاصمة اسمَ تموز أيضًا، ليقصفًه الطيارون الإسرائليون في أحدِ أيام تموز/ يوليو 1981، في إشارة إلى المعتقَدِ التوراتي: “ورأيتُ عندئذ نسوةً يبكينَ تموزَ”، كما أن الأمريكيين يحتفلون بيوم استقلالهم في الرابع من تموز/ يوليو، بهذا تحضُر الأسطورةُ ومقلوبُ الأسطورةِ معًا في آنٍ، كلٌّ حسب توجُّهِهِ.

وقد كان لانتحار الجنود الأمريكيين، إضافةُ البُعد النفسي عند أحد أبطال الراوية الفاعلين، وهو ما أحدث التغيُّرَ الأهمَّ في توجهات جيمي الجندي الأمريكي، التي جاءت على خلفية بطولة والده، وأوسمته ونياشينه، والتي نالها في حروبٍ أمريكية، ظاهرُها منْحِ تلك المجتمعاتِ الدولية المقهورةِ فرصةِ التخلُّصِ من استبداد الأنظمة الحاكمة، وقد أوضح النَّصُّ من خلال شخصيةِ جيمي ومتابعته للتطوُّرات، التي شهدتْها منطقةُ الأهوار، أنَّ النظامَ الأمريكي لا يهتم – كما يزعم – بمقدراتِ الشعوب، قدْر اهتمامه بمصالحهِ، وكان ذلك من خلال إشارتهِ لنزول المركباتِ والآليات التي تعمل على التنقيبِ عن النفطِ في منطقة الأهوار، بدلا من إعادة إعماره، وكذا ترْكُ الصراعِ على صفيح ساخن، ومشاحناتٍ دائمة في الشمال حيث الأكراد، خاصة وأن كركوك هي حقلُ النفط الأهمُّ الذي سيجعل صفقةَ الاحتلالِ مجزيةً.

واستمرارًا لتتبُّعِ نفسيةِ الشخصيات، كان التركيز على التحوُّلات النفسيةِ لآمنةَ، من طبيعة انتمائها إلى الغجر، وفقْدها زوجِها، وتعامُلها مع تحرُّش المسافر بجوارها في السيارة، بين الارتباكِ والقبول، ثم صراعها بين الرفضِ والاستسلامِ لوطبانَ ضابطِ النظامِ السابق، الذي اعتبر حصولَه عليها هدفَه ومبتغاه، منذ هروبها منه، وهو ما صاغه النَّصُّ في صورة تبيِّن أن استسلامَها دائمًا ما يكون لدرْءِ مشكلة أكبرَ.

إن التشابكات التي شهدتْها الفضاءاتُ المكانيةُ والزمنيةُ في النصِّ الروائيِّ تشي بإلمامِ الروائي، وقدرته التوثيقيةِ، فرغم ارتكاز الأحداث وتمحورها في بغدادَ، إلا أن النصَّ لم يغفلْ الروافدَ التي تصبُّ جميعُها في هذه البؤرةِ، عرَّج النَّصُّ على التحولاتِ التي شهدتْها تلك الفضاءاتُ المكانيةُ، كالأهوارِ وشطِّ العربِ، ومنطقة تمركُز الأكراد، كما عرَّج على التعاقباتِ الزمنيةِ، التي ولَّدت هذه التحولاتِ، التي شهدتْها طبيعةُ المجتمعاتِ الآهلةِ لها، في صراعها مع النظامِ القديم، وطريقة استقبالها للمحتل الجديد، وطبيعةُ صراعها مع بعضها البعض، تلك الصراعات التي استفادت منها هذه الأنظمة وتلك.

إن الإشارةَ في نهاية الرواية إلى عِظام فقيد عجوزٍ تبحثُ عنها؛ لتحصُلَ أخيرًا على هيكلٍ عظميٍّ تامٍّ لابنها، التابعِ للنظام، وإحالةِ القارئ إلى بدايةِ الرواية، حيث آمنةُ ترتِّبُ عِظامَ زوجِها، لتجد عظمةَ فخْذٍ مخالفةً، وتقع في حَيرة، يسكتُ عنها السرد طوال الرواية، ليفاجئَنا بأن الروائيَّ ممسكٌ بخيوط روايته بإحكام، وليُحدِثَ هذا التشابُكُ أيضًا بعثًا لعُمق الصراع، فها هي في النهاية عظام قُطْبَي الصراع المباشر على الأرض؛ ابنُ السيدِ ممثلا للشعب الناقم، وابنُ العجوز ممثلا للنظام المراقِب، الجاثمِ على صدر شعبه، ها هي العظامُ تختلط في صورة فانتازية شديدة الواقعية، أحدهما هاربٌ، والثاني يراقبه، لكنهما يُقتلانِ في نفس اللحظةِ، ويكون مصيرُهما مقبرةً جماعيةً، لا تفرِّق بين أحد، في إشارة إلى اعتلاء الأنظمة رقاب الناس جميعًا، تتَّخِذُهم دروعًا لبلوغ غايتها.

 


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا