انشطة ثقافية

الدعوة لأنماط ثقافيّة في قصص ‘حدائق العسل’

جميل في كلّ مكان
لا تخفي الرندي رسالتها منذ مباشرتها سرد قصّتها الأولى في مجموعتها، فهي واضحة، انتصرت إلى روح الذات الفاعلة التي تحتاج إلى إرادة قويّة، محاولة تحفيز الأطفال على اكتشاف مواهبهم، كما تبرز أهمية تشجيع الأصدقاء والأهل من أجل النجاح، لا سيما ذوي الاحتياجات الخاصّة.

في قصة “الكرسي المتحرك لا يعيقني” تلتقي نجلاء وريم بوفاء، وهي ترسم بالحديقة، اقتربتا منها، وتجنّبتا الالتفات لكرسيها المتحرّك، وبعد أن عرفتا أنّها مبدعةٌ بالرسم، شرعت برسم وجهيهما، ثمّ علّمتهما مزج الألوان. ثمّ اشتركت وفاء بمسابقة الفنان الصغير، واستحوذت على الفوز، فحمدت الله على موهبتها وعلى مساندة أهلها وأصدقائها لها، وبعدما أخبرت زميلتيها أنّها حصلت على الجائزة الأولى، عرفن جميعًا أن الرضا رفيق الطيبين.

تُرى ما الذي أومأت إليه هذه القصة التي توضّحت مقاصدها برسوم متقنة معبّرة عن الأحداث على خير وجه، كما في قصص المجموعة كلّها؟

قيم سلوكيّة تغلغلت في سياق القصّة على شكل أنساق ثقافيّة قابلة أن تتجسّد فعلًا، مع إهمال مقصود للعيوب النسقيّة التي تتسم بها بيئة القصة، وتجنّب إبراز سمات المجتمع الأبوي الذكوري مثلًا.

عالجت الكاتبة قيما تخصّ الفئات الوسطى الميسورة بالمجتمع، تساوقًا مع حضور القيم المعرفيّة في النصّ تعريفًا بأسماء مبدعين على الرغم من عاهاتهم (فريدا كاهلو، وهيلين كيلر، وطه حسين…) وبقيم علميّة أخرى كمتعة التعرّف على مزج الألوان.

اقتصدت الرندي بالقيم التي عالجتها بقصّتها، وابتعدت عن حشوها بالمزيد، حتّى لا تشتت ذهن القارئ، فبان عليها الترتيب والانتظام على الرغم من ترك فراغات في سياق النصوص تحتاج إلى قارئ يملأها.

ثمّ استهلّت الكاتبة قصة “جميل في كلّ مكان”، برجاء أمل وإيمان قضاء العطلة الصيفية على شاطئ البحر لتمارسا السباحة، ورافقتا أمهما وأباهما باتجاه الشاطئ، إلى أن تأجّلت رحلة البحر بسبب عاصفة، فاضطروا للانتظار في منتصف الدرب بالقرب من مخيم للاجئين. تعرّفتا بالمخيّم على جميل الذي نزح مع أهله بعد تعرّض مدينتهم لإعصار شديد، تناولتا معه الحلوى، ثمّ قدّم لهما قلعة رمال من صنع يديه، تمنيتا لجميل حياة جميلة، لأنّ: “ما دام هناك أملٌ وإيمان ستتحقق كلّ الأحلام بإذن الله” (ص 40)، بعد محادثتهما مع والديهما قرروا المساعدة عن طريق الإنترنت، وبعد عودتهما سردتا للجميع عزمهما على إنشاء موقع إلكترونيّ لأطفال المخيّم، ولكلّ أطفال ضحايا الكوارث والحروب العبثية، كما فعل مارك والفيس بوك، ثمّ تمّ إنشاؤه، وسمّوه (موقع سنابل الإلكتروني) وعندما نشروه جاءهم العون من كلّ انحاء العالم.

إنّ هذه القصّة تدفع الأطفال للتعاطف مع المنكوبين، وتشجّع على مساعدتهم بطرق متحضّرة (موقع إلكتروني، مؤسّسات مجتمع مدني، عون من كلّ العالم…) وتحفّزهم على بناء ذواتهم الفاعلة المرتكزة على مفاهيم عصريّة، والدخول بمغامرة قيادة المجتمع، وليس الانقياد لقيمه الماضيّة، كما أنّها تعتمد على تقديم قيم معرفيّة على شكل إشارات تفتح أبواب الأسئلة أمام المتلقي، عن الكوارث الطبيعة، وحروب الدول العبثيّة، ومصير الطفولة.

هنا، يلاحظ أيضًا أنّ الرندي امتنعت عن تقديم أساليب المساعدة التقليدية كتقديم المعونة على شكل شحاذة أو صدقة أو تقديم معونة مؤقتة، ولم تُظهِر الكاتبة الطفلَ جميل بالعاجز والضعيف في مخيم اللاجئين، بل قدّمته صاحب فعل إيجابي، فهو وإن سدّت أبواب الحياة بوجهه، فقد أبرز طاقته الفنية بالرمال التي تذروها الرياح، ولكنّها تترك الأثر الطيب لكلّ من يطّلع على نشاطاته.

في قصّة ثالثة تحمل عنوان المجموعة القصصية “حدائق العسل” تستيقظ هيفاء في عيد ميلادها، وتتمنى الاحتفال بعيدًا عن المدرسة وواجباتها، ثمّ تنتظر حافلة المدرسة التي تأخّرت بحديقة منزلها، فتلاحق الفراشات، إلى أن تقترب منها النحلة شطّورة، وشوشتها عن مرامها، فأبدت هيفاء رغبتها بالحريّة والراحة وتفضيلهما على المسؤولية والواجب، فأجابتها النحلة: “نحن في مملكة النحل مجتمع مثابر ومتعاون” (ص 58)، واعترضت على تقوّلات هيفاء، وشجّعتها على الدراسة التي تغذّي العقول بالعلم والمعرفة.

وعندما تمنّت هيفاء أن تطير مثل النحلة شطورة، دعتها النحلة وحملتها على طرف جناحها فشرعت تغنّي، ثمّ شرحت لها عن نشاط النحلات ومجتمعهن، وعن كيفية امتصاص رحيق الزهرات وتحويله إلى عسل، ورسّخت النحلة بعقل هيفاء درسًا مفاده: “خلق الله بني البشر ليعمّروا الأرض ولا يتكاسلوا عن العمل.. ولا عن الذهاب إلى المدرسة…” (ص 64)، وعندما أيقظتها أمّها وصوت الحافلة، عرفت أنّها كانت تحلم فقالت: “الأمنيات لا تتحقق بالأحلام، بل بالإرادة التي تصنع المعجزات” (ص 68)، ثمّ توجّهت نحو حافلة المدرسة.

من أهمّ القيم السلوكية التي تزرعها هذه القصة عند الطفل، هو الإيمان بالنشاط والدأب على العمل والدراسة، وزادت عليها قيمًا معرفيّة تتعلق بتعريف المتلقي بعالم النحل وفوائد العسل، وبدفعه إلى مواقع الأسئلة عن الأحلام التي ترتبط بالواقع المعيش المتوجّب تشييده على العلم والعمل والنشاط.

ويلاحظ أن الكاتبة أخفت فعل الكسل لدى هيفاء عندما فاجأت القارئ، أنّها كانت نائمة، وليست بحال الاستيقاظ، لكنّها عندما استيقظت من حلمها عرفت واجباتها واتجهت نحو حافلة المدرسة.

إنّ الرندي مصرّةٌ على عدم تشويه الأنساق الثقافية التي تريد أن تزرعها بذهن المتلقي وسلوكه ووجدانه، فهي تقدّمها صافيّة من دون الالتفات للعيوب المنتشرة بأوساط الطفل، إنّها رامت المستقبل، وأهملت تداعيات الماضي بأعبائه الذكورية.

في قصّة “أحمد ونوره.. والكناري” الأخيرة، تدفع الكاتبة بشخصيّة أحمد الذكوريّة إلى سياق قصتها، فبعد أن عالجت أحداثًا مع نجلاء وريم ووفاء وأمل وإيمان وهيفاء، وكشفت عن محاسنهن وأهميتهن كونهن إناثا ارتبطن بصلات كاشفة لأفعالهن مع الأب تارة، وجميل المهجّر تارة أخرى، تقدّم أمل الرندي أحمد ذاك الذي أبدى رغبة بحبس الكناري بقفص، بعد أن عالج جرحًا برجله، فالكناري كان يصدح بصوته كل صباح، ويستقبل من يدي نوره الحبوب ومن كفّ أحمد الماء، ثمّ كانا يتحادثان عن الكناري وأصله، إلى أن تأخّر الكناري عن الحضور ذات يوم، فاكتشفا أنّه مجروح برجله، قاما بإسعافه، ثمّ وضعه أحمد بقفص، فاعترضت نوره واستنكرت نواياه، كما أبدى الكناري خوفًا، إلّا أن الخلاف بين أحمد ونوره أفضى إلى إذعان أحمد أمام نوره فأطلق العصفور من قفصه.

بعد أن نام العصفور استيقظ مغرّدًا كعادته، ثمّ طار، وحطّ على كتف أحمد، قائلًا: “أحبك صديقي.. وأحبّ الحريّة أيضًا…” (ص 82)، ثم وعد أحمدُ نوره بأنّه لن يسمح لنفسه أن يحبس الطيور في أقفاص بعد ذاك اليوم.

عرّفت القاصّة المتلقي بطيور الكناري، صوتها، أنواعها، إلفتها، ثمّ عرّجت على فوائد الطيور للإنسان، كما ضمّنت قصّتها أنساقًا ثقافيّة، كما في قصصها السابقة، تتعلّق بعظمة الحريّة التي لا بدّ أن تفضي إلى سلوك يتسم بالمحبة والفرح، إنْ كان عند البشر أو لدى الطيور، ثمّ كرّست لدى الطفل قيمة احترام الحيوانات وحريتها، ووجوب سعيه لمصادقتها وليس لمعاداتها.

أربع قصص ضمّتها مجموعة “حدائق العسل” للناشئة، تتساوق فيما بينها بخطابها اللغوي الذي يحمل سمات مشتركة على المستوى النحوي المعجمي (البساطة والوضوح، الاقتصاد اللغوي، لغة نقليّة وتفاعليّة،…،) وببنيته التي تستدعي من القارئ التقاط مرامي الكلام البعيدة من خلال فسحات ذهنيّة تعاند آفاق توقّعاته، بهدف خلق انسجامٍ في خطاب النصوص عند تلقيه، فمثلًا لم تصرّح النصوص بنسويتها، ولكن قليلًا من تأمّل القارئ، ومقارنته مع سلوك مجتمعه البطريركي الذكوري، يدرك أنّ القصّ انتصر للأنوثة التي كشفت عن طاقاتها الإنسانية من خلال تقديمها لشخصيات ذكورية هشّة، فالفاعل الرئيس بقصة “الكرسي المتحرك” هي ريم المقعدة على كرسي متحرّك، وغطّت الفتاتان نجلاء وريم معها أكثر من 80 % من الأحداث، فيما لم يكن للأب دور سوى بمساحات ضيّقة.

وجميل في قصة “جميل في كل مكان” لم يعطِ سوى قلعة رمال سرعان ما تندثر، أما الفتاتان فقد تمكنتا من تقديم موقع إلكتروني وكثرة من المتضامنين والمتبرعين لمخيمات اللجوء.

وفي قصة “أحمد ونوره والكناري” نجد أن أحمد أخٌ ينزع باتجاه حبس الطائر، ولولا نوره التي كشفت عن رغبتها بحرية العصفور لما انتهت القصة بهذه النهاية السعيدة، أما قصة “حدائق العسل”، وهي عنوان المجموعة القصصية أيضًا فقد خلت من عناصر ذكوريّة.

أخيرًا وليس آخرًا يلمس القارئ سياقًا موحّدًا للقصص الأربعة من جهة الزمان، وها هيّ ذي الكاتبة توظّف الفعل الماضي موحّدًا ومناسبًا للحكي، وعندما تتناول المستقبل تربطه بتفوّق وفاء وإنشاء نجلاء وريم موقع إلكتروني وتفاعل الناس معه، وذهاب هيفاء إلى المدرسة وإطلاق سراح العصفور الذي أبدى إلفة مع من احترم مقوّمات وجوده.

كما ظهر على بنية نصوص المجموعة اتساق بالفضاء المكاني، إذ نجد الرندي عالجت قصصها ببيئة الطبقات الوسيطة، فأبطال القصص قادرون على العيش ببيوت فخمة لها حدائق وتوصلهم الحافلة إلى المدرسة، وقادرون على إطعام الكناري، وهم في حديقة منزلهم، ويقضون العطلات على شاطئ البحر، وإذا كان أحدهم في مخيم لاجئين، فهذا نتيجة كوارث طبيعية.

وإذا كانت الكاتبة قد ألمحت لقضيّة للاجئين نتيجة الحروب، فإنّها وعت حقيقة الحلول التي لا يمكن أن تكون إلّا في بيئة الفئات الاجتماعيّة الوسيطة.

ولعلّ نصوصها الأربعة في مجموعتها القصصية “حدائق العسل” حققت قدرًا من الانسجام الذي بنته على ترابط داخليّ على ما أشرنا إليه آنفًا، وعلى ترابط خارجي اعتمدت فيه على معرفة المتلقي للتيمات التي عالجتها سابقًا والمختزنة بذاكرته.

انتصرت أمل الرندي بقصصها للإرادة القوية والمثابرة وتشجيع الأصدقاء واحترام ذوي الاحتياجات الخاصّة والطيور ومساعدة المنكوبين. وأهملت الجوانب المعتمة ببيئة الحكايات، وركنتها في قبور الماضي، وأقصت أبوية المجتمع وذكوريته لمصلحة الأنوثة الخلّاقة، دافعة المتلقين لاختيار الطرق المعاصرة كإنشاء المواقع الإكترونية من أجل المساعدة، والاهتمام بالسباحة ورحلات الشاطئ واحترام الطيور و.. وهي فعاليات ترتبط بالتحضّر الإنساني، لقد قدّمت الرندي نصوصًا متسقة بأبنيتها منسجمة بألفاظها وجملها وأساليبها وتيماتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: