مقالات

الدرس السقراطي

الدرس السقراطي
أحمد برقاوي .

تدين البشرية لليونان بمعجزتها المبكرة ، الفلسفة و الديمقراطية . الديمقراطية التي انعدم سقراط في ظلها.و الفلسفة التي أعدم بسببها .
في لوحة للرسام الفرنسي جاك لوي دافيد 1787 بعنوان موت سقراط ، يبدو فيها سقراط جالساً على السرير وحوله تلاميذه، و يمد يده لكأس السم مطمئناً دون أن يلتفت إلى من يقدم كأس السم له ، فيما زوجته تخرج من الباب .
وتجرع سقراط السم ، تنفيذاً لحكم الإعدام الذي صدر بحقه ، بتهمة إفساد الشباب بأفكاره الهدامة ، وراح يمشي بناء على أمر القضاة ،حتى يشعر بالخدر يتسلل إلى رجليه ، وحين لم يعد يقوى على المشي استلقى على السرير ، ثم تقدم منه ساقي السم وراح يضغط على قدمية مؤلِماً ، ولما تأكد من عدم أحساس سقراط بالألم ، تركه يعاني سكرات الموت ، وما هي إلى دقائق حتى توقف قلبه ، وغادر الحياة مبتسما ، لكنه لم ينس أن يقول ل كريتو قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة : ” أنا مدين ل أسكليبوس ، لا تنس يا كريتو أن تسدد له ديني ” و هذا يعني أنه مدين لإله الموت بتحرر روحه من سجن الجسد .
ترى ما مضمون التهمة التى أودت به الى الموت والتى أنكرها أصلاً ؟ ما معنى أن أفكاره تفسد الشباب؟ قيل بأن سقراط قد أنكر آلهة اليونان !
و قيل بأن سقراط كان قادراً على الهرب ولكنه لم يفعل ، وفي رده على دعوته للهرب نعثر على بعض من أفكاره الفلسفية .
فسقراط لم يخف من الموت لاعتقاده بأن الموت تحرر الروح من أسر الجسد ، وبالتالي هي خالدة .
ثم إنه داعية للقانون والخضوع له ، فهربه يعني إهانة للدولة وعدم التزام بقوانينها .
لماذا تقبل سقراط حكم الإعدام ؟ و لماذا رفض أن يخالف الدولة ؟ لأن سقراط خضع لمحاكمة فيها مجلس قضاة مكون من 500 من مواطني أثينا الأحرار فقط، و كان النظام السياسي آنذاك ديمقراطياً . أي أن الدولة كانت حاضرة بوصفها دولة القانون و الحق . وقد جرى الإقتراع على الحكم وكاد أن يسقط الحكم بالإقتراع .
لا يكمن الدرس السقراطي في التهمة التي أنكرها سقراط أصلاً ، بل في قبوله حكم القضاة دون تأفف ، لأنه كان يعتقد بعدالة الدولة . كانت المحاكمة حواراً بين سقراط وخصومه ، و قد أغلظ سقراط بالقول بحق خصومه ساخراً منهم . قد يكون الحكم جائراً بحق سقراط ، ولكنه حكم تم وفق أصول المحاكمات في دولة ديمقراطية .
ربما كانت المحاكمة ليست سوى مسرحية من مسرحيات أفلاطون وليس حدثاً واقعاً ، و ربما كان سقراط ، بطل هذه المسرحية شخصاً مختلقاً، لا وجود له . لكنى المعنى في المحاكمة وليس في التهمة .
و ينقل عن سقراط أنه قال مرة : أقوم ما تقوم به أمي القابلة والفرق بيني وبينها إنها تقوم بتوليد النساء الحوامل أما أنا فأقوم بتوليد الأفكار . فالحوار عنده أداة العقل للوصول إلى المعرفة . فالمحاكمة كانت حواراً. أي إن صاحب التهمة ظل يمارس مهنة أمه حتى وهو في لحظات المصير .
المحاكمة العادلة التي حكمت على سقراط انعقدت قبل 2500 عام تقريباً .يجب أن يتذكر كل الناس هذا التاريخ ليكشف المعنى .
سقراط قد أعلى من شأن العقل ودوره في رحلة الإنسان في معرفة نفسه ، حتى ليقال إن : ” إعرف نفسك ” الفكرة التي كانت وراء نشاطه كمعلم . و ربما ألقت فكرة إعرف نفسك بظلها على موقفه الأخلاقي الذي ينطلق من احتقار الجسد والمادة معاً والإعلاء من شأن الروح والزهد .
غير إن أهم ما صدر عن سقراط قوله : إنه لا يعرف . أن يكون سقراط لا يعرف ، يعني بأن معرفته لا تتوقف عند حد ، يعني بأن المعرفة سيرورة حية تولد و تتطور إلى ما لانهاية . و المعرفة الجديدة قد تأتي على القديمة و قد تغني القديمة وهكذا دواليك .
وليست رمزية الدرس السقراطي إلا بالقول بأن سقراط الدولة و القضاء والحوار والعقل والزهد في وعي من حكى عنه .
وفي كل الأحوال ، لم يترك لنا سقراط أي نص فلسفي ، كل ما نعرفه عنه جاء ذكره على لسان تلميذه أفلاطون محاوراته الكثيرة و على لسان غيره ممن أقر بوجوده. يقال بأنه ولد عام 469 ومات عام 399 .

‏‫‬

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: