انشطة ثقافيةنقد ثقافينقد حضاري

أ. د، فتحي الخميسي يكتب: دار أوبرا.. لمن يا ناس؟!

دار أوبرا.. لمن يا ناس؟! حاجة غريبة فعلًا!

 

فتحي الخميسي في آتيليه الإسكندرية،
فتحي الخميسي، دكتوراه في النظريات الموسيقية، متخصص في موسيق سيد درويش، خريج معهد تشايكوفسكي، موسكو

حين أقام الخديوي إسماعيل “دارا للأوبرا” وأسماها “دار الأوبرا الخديوية” وافتتحها في القاهرة عام 1869 وراح يباهي بها الأمم باعتبارها “أول دار أوبرا في أفريقيا والشرق الأوسط، وخضع من اجلها لابتزاز جوسيبي فردي الموسيقي الايطالي فدفع له أجر تأليف أوبرا الافتتاح (أوبرا عايدة) ذهبا خالصا من الخزانة المصرية العامة… لم يطرح أحد آنذاك هذا السؤال : ما حاجتنا لكل هذا؟ هل نؤلف نحن أوبرات لنفتتح دارا للأوبرا لعرضها؟

وحين صوبت ملوك مصر أبصارها لهذه الدار وأطلقوا عليها “دار الأوبرا الملكية”، ثم حين طالها الحريق الكبير في 28 أكتوبر1971 وسارعت مصر لإعادة بنائها لم يتوقف أحد ويسأل: ما الحاجة لذلك؟ لم يتوقف هذا “التباهي”، بل ذهبت الإسكندرية لتلحق بهم وتشيد “دارا للأوبرا” أسوة بالقاهرة! ثم في دمنهور”دار أوبرا دمنهور“!

وأصبح حالنا ونحن ننظر لهذه الدور الثلاثة يبدو وكأننا دخلنا طور المعاصرة الموسيقية! بل ونافسنا أوروبا ذاتها في”أوبراتها” ويا للعجب!

وإذ تبجح البعض قائلا: “إن قيام هذه الدور إنما من اجل ترقية الفن المصري” قفز أمامنا السؤال المهم الآتي: هل لهذه الدور علاقة بالفن المصري؟

بداية ،

ما هو الفن المصري؟

لقد تشكلت الموسيقي المصرية في الواقع المعاصر من تسع قوالب موسيقية لا غير .. هي:

  1. الموال
  2. الموشح
  3. القصيد
  4. الدور
  5. التقاسيم
  6. التحميلة
  7. الطقطوقة
  8. النشيد
  9. الحوار

وهذه القوالب التسعة تماثل أنواع الأدب العربي: القصة والرواية والمقال والنظم الشعري… وقد عملت بها ثلاث مدارس موسيقية متعاقبة:

  1. مدرسة محمد عثمان 1840 – 1900
  2. مدرسة سيد درويش . 1900 – 1930
  3. مدرسة القصبجي والسنباطي وعبد الوهاب 1930 – 1965

ثلاث مدارس شكلت تاريخنا المعاصر ولم يخرج عملها عن القوالب التسع، بل لم يكن للفنان المصري طريقة غير هذه القوالب يصب فيها ألحانه أو غنائه أو عزفه.

أكان لدار”الأوبرا” علاقة بهذا؟ بالموال أو النشيد أو الطقطوقة؟ ما علاقة “الأوبرا” بأغنية السينما المصرية؟ هل ساعدت محمد عبد المطلب في تقديم رائعته “بياع الهوى راح فين”! أو أحلام لتنفيذ “زغروطة حلوة رنت في بيتنا”! أكانت هي من قدم فايزة احمد أو عبد الحليم! هل رعت أو تبنت نماذج الموسيقي الشعبية المصرية المغدور بها مثل: “موال شفيقة ومتولي في الحادثة الجرجاوية” أو “السيرة الهلالية” أو “العديد” أو “الحجلة البدوية” أو “المجرودة” أو موسيقي رقص الخيل أو أغاني الحصاد؟ لا… أبدا لم يحدث…على العكس تماما كانت لنماذج الفن المصري أماكن أخري مختلفة تماما… فيلم أو كازينو أو قاعة مناسبات أو راديو، عرس أو سمر أو عوامة أو حقل أو فناء جامع مهيب! هل توقف مصير احد الفنانين المصريين على مساعدة “الأوبرا”؟ كلا، لم يحدث … بل ربما ابتعد البعض عنها عمدا حتى لا يفقد جمهوره الحاشد من البسطاء!

إن هذه الدور لم تضع نصب أعينها القوالب المصرية التسع أو فنون الموسيقي الشعبية المصرية! إذ لم يكن هدفها “ترقية الفن المصري” أو حتى “العناية به” كما يدعون!

فإذا وجدنا حجة دفاع أخري عن “الأوبرا” كأن نقول لأنفسنا: لقد قامت هذه الدور لتقديم الأوبرات المصرية الناشئة ! فهل سنجد حينئذ أوبرات مصرية ناشئة أيا كانت؟

الأوبرا هي “المسرحية الُمَمْثلة المغناة” وما قدمته مصر فعليا من هذا النوع يقتصر على أوبرا واحدة هي “أنس الوجود” لعزيز الشوان وعُرِضَت كاملة عام 1996! أوبرا واحدة فقط … أما التجربتان السابقتان على أنس الوجود فواحدة لكامل الرمالي حين سعي لوضع أوبرا “حسن البصري” ثم قدم منها عام 1956 فصلا واحدا فقط هو الفصل الثاني! والتجربة الثانية لحسن رشيد وأوبراه “مصرع أنطونيو” والتي قدم منها عام 1973 فصلا واحدا أيضا! أي إن مصر تملك فعليا أوبرا واحدة مكتملة وفصلين من اثنين منفصلين! فهل استدعت الأوبرا الواحدة إنشاء ثلاثة دور مصرية (في القاهرة والإسكندرية ودمنهور)!

إننا لا نستطيع أن نسمي أوبرا واحدة غير مطروقة (أنس الوجود) ومغمورة تماما “أوبرات مصرية ناشئة” أو الأدهى: “تجربة مصرية في حقل الأوبرا

والأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل راحت العدوى تطوف الأقطار العربية لتقيم عمان “دار الأوبرا السلطانية” في 2011 وبوصفها “أول دار أوبرا في الخليج العربي”، ثم تشيد دبي “دار أوبرا دبي”، وكأن تراث الخليج العربي من “الصوت” و”غناء البحر” ينسحب الآن ويتوارى ويضمر لأن الغوث “الأوبرالي” لم يأتيه في الوقت المناسب! وبدورها ذهبت دمشق لتشييد “دار أوبرا دمشق” وكأن استنهاض الإرث السوري الجميل من “القدود” و”الموال” و”الميجانا” و”العتابا” مرهونا بقيام دار للأوبرا! أو أن التطور الموسيقي السوري المرتقب والذي سينطلق من هذا الإرث يشترط وجود دار للأوبرا!

لو أن فنون مصر والعرب كانت بحاجة ل “أوبرا” لأقامتها وأنشأتها قالبا فنيا، لكن الحقيقة أن غناء “الأوبرا” لم يشغل المصريين أو أي من العرب، ومصر لم تضف إلي قوالبها التسع أوبرات… لم تضف أوبرات حقيقية ولا أضافها قطر عربي ولا نظر عربي واحد لهذا بعين الجدية أو حفظ من نماذجها الأوروبية لحنا واحدا!

لم يكن الموال المصري بحاجة للأوبرا ولا التقاسيم ولا القصيد ولا الموشح، بل كانت كلها بحاجة لقاعات العرض الأبسط مساحة والأكثر انفتاحا والأقل كلفة وصرامة

ولا بأس من إقامة مسرح ما لتقديم أوبرات أوروبا في مصر ولكن ليس بهذه الكثرة وهذا الإنفاق، إذ ليس من بين المصريين أو العرب من يذهب لأوبرا أو يتذكر أسماء أوبرات! ببساطة لأن الأوبرا غناء مصطنع يصدر من الحلق بينما غناء مصر وبلاد الشرق “طبيعي” يصدر من الصدر كالكلام!

إننا لن نستطيع أن نبتكر أو نؤلف أوبرات حقيقية أبدا، فالفن لا يستورد، وهو ليس سلعة صناعية قابلة للتبادل! بل هو منتج روحي، والمنتج الروحي لا ينتقل هكذا من شعب إلى آخر! ثم لماذا نضع أوبرات مع إنها ذبلت وتوارت في أوروبا ذاتها منذ حوالي نصف القرن!

لاشك إن من سعي لوضع أوبرا عربية إنما كان عليه أن يعمل بدلا من هذا على إنماء النشيد والطقطوقة والقصيد والموال والحوار الغنائي المصري، وأن يظل ينسج منها جميعا حتى يتخلق لديه شكل جديد ارفع من الغناء… شكل كتبادل الألحان بين عدة مطربين أو حوار المطربين أو جماعية الغناء لمطربين مختلفين! كان على الحالم بالأوبرا أن ينظر للداخل – لفنون مصر – قبل النظر للخارج – لفنون أوروبا! وأن يكف عن هذا التباهي

فتحي الخميسي

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: