قصة قصيرة

” أهلا بالمرض والموت ربح” بقلم سمير المطيعي

      سمير المطيعي

     ” عندي ألف قضية، وكل قضاياي مع الحياة،

       قضاياي لا يحلّها القانون، يحلّها الموت ”

                         غازي عبد الرحمن القصيبي   

************

فى أحد الأيام من عام 3500 بعد الميلاد خرج علينا الدكتور ( إسمارتر)   SMARTER أكبر وأمهر وأذكى أطباء العصر ببيان علمى مفاده أنه توصل مع فريق أبحاثه لدواء جديد يستطيع أن يقاوم كل الأمراض، فلا بكتيريا ولا فيروسات ولا أمراض تستطيع أن تؤثر على الإنسان بعد استخدام هذا الدواء الجديد.. إنه الدواء محطم ومصارع كل أنواع المرض حتى الشرايين والأوردة حينما تُقطع، ستندمل الجراح ويتوقف النزيف فورا بمجرد تناول كبسولة واحدة من هذا العقار الجديد.

خرجت جحافل وجماهير البشر من كل صوب وناحية فى كل بلاد العالم بمظاهرات الحب والترحاب بهذا الدواء الجديد مُصارع الأمراض. هلل الجميع بحياة دكتور اسمارتر منقذ العالم من ويلات الأمراض.

أغلقت معظم العيادات فلم يعاود الناس الأطباء.. وأغلقت المستشفيات والصيدليات وأكتفى الفرد بكبسولات ( ضد المرض ) التى كانت متوفرة في كل الأسواق وقلت معدلات الوفيات نتيجة استخدام هذا الدواء الجديد.

لم يمض وقت طويل حتى خرج علينا عالم آخر فاق الدكتور اسمارتر بعبقريته ألا وهو البروفيسور « جينياس « GENIUS  بعقار جديد لم يخطر على بال ولا أحلام أى من البشر إنه عقار (ضد الموت )، أوضح البروفيسور « جينياس « في حديثه الصحفى عبر كل وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية أن عقاره الجديد فعال وتمت تجربته بنجاح على فئران التجارب وعلى عينة كبيرة من البشر،  وهنا خرج العالم أجمع.. ملايين البشر استقبلوا هذا النبأ  بالطبول والزغاريد والأفراح قائلين: لا موت بعد اليوم.

أقاموا تمثالا للدكتور جينياس فى كل دولة ومدينة وقرية، وكتبوا تحته الرجل الذى بكبسولته نتحدى الموت.

العالم كله لا كلام له إلا عقار وكبسولة وإختراع الدكتور جينياس، حتى أن أحد الحكماء قال : بكبسولة واحدة أصبح الغد دهرًا،  وقال آخر.. لسنا فى حاجة إلى طعام ولا شراب ولا زراعة ولا صناعة ولا إنتاج لا حاجة للعمل لأننا لن نمرض ولن نموت.

سنترك البهائم فى الحقول لتأكل من عشب الأرض، لا ولن نجهد أنفسنا للحصول على غذاء لنا وللحيوانات. دع البهائم تأكل من إنتاج الأرض وليس من إنتاجنا.

إكتشفنا نحن البشر أن الموت لم يعد يؤثر فينا حتى ولو أطلق عدونا علينا طلقاته النارية أو ضرب أعناقنا بحد سيفه.. بكبسولة جينياس تتحدى أجسادنا نزيف الدماء، وتندمل الجراح فورًا.

يالها من سعادة،  أصبحت الحياة سخية،  فسنأخذ الحياة، سنأخذ كل

شئ من هذه الأرض ولا نعطيها شيئـًـا في المقابل.

يالها من معادلة تُظهر أنانيتنا  بعد أن ضرب الكسل كل الأبدان.

إنس يا ابن آدم ما قاله لك أبوك وجدك عن الموت، من الآن فصاعدا  لا تحيك لك أكفانـًـا ولا تبنى قبورًا لأنك خالد على الأرض..

عظيم أنت أيها العالم،  وما أكرمك يا دكتور جينياس لأنك أخفيت الموت من أمامنا.

إضحك واهنأ أيها الفتى، غنى وأرقصى أيتها الجميلة لأنكم ستحتفظون بفتوتكم وعافيتكم وسيبقى جمالكم إلى الأبد على الأرض. افعلوا ما تريدون يا بشر؛ فلا موت سيؤثر عليكم من قريب أو بعيد.  اجترفوا ذنوبـًـا قدر استطاعتكم..

عيشوا أو عيثوا وابذروا فسادا  أمام الجميع.. قولوا وغنوا أغنية ” لا موت بعد اليوم “، غنوا أنشودة ” لا حساب بعد اليوم “، لقد أصبحت الدينونة فى كتب الأساطير وحواديت ما قبل النوم. ابنوا متاحف لجماجم آبائكم وأجدادكم لأن أجيالكم من الآن فصاعدا سوف لاتنتج هذه الجماجم. عرفوا أحفادكم وعلموهم كم كان الموت قاسيـًـا.

لا تخافوا من عدوكم، حتى لو قذفكم بحرابه فى سويداء  قلوبكم، فكبسولة واحدة ستضمد جراحكم.

ومرت سنوات  بلا مرض ولا موت، مرت كئيبة ثقيلة؛ العالم لا ينتج إلا أطفال جدد، يدخل من أبوابه البشر، ولا يخرج منها  أمواتهم، تزاحمت الأرض بمن عليها، فأصبح الإنسان ثقيلا على قشرتها الهشة.

ظهرت حروب من نوع آخر لم يعرفها العالم من قبل؛  كل فرد يقول هذا مكانى،  لقد أخذت موضع قدمى،  شجار هنا وصراخ هناك،  شاخ الشجر لأننا لم نعد فى حاجة إلى ثماره.. إنحنت فروعه لأننا لم نقطف أثمارها وخيراتها، فتمرد وامتنع عن إعطاء ثمارًا جديدة، فأنت لم تأخذ ثماره القديمة.

وقفت دورة الحياة الطبيعية لأنها لم تكتمل،  فلم يعد البشر يموتون.

سئم الناس هذه الحياة،  حياة بلا أحلام، بلا آمال وبلا آلام، بلا شكر لأن المرض والآلم والموت ينتج فضائل كثيرة  أولها الشكر والرضا.

نسى البشر أن هناك دينونة ويوم حساب لأنهم اعتقدوا وآمنوا بعقار  ضد الموت، وتحولت الحياة إلى نار. إلى جهنم.  نعم لقد نقلنا بعقولنا وابتكاراتنا النار والعذاب من الأبدية إلى حياتنا على الأرض.

انتبه العالم إلى الكارثة.  لا موت يصيبنا. يا لها من كارثة.

احزن أيها الإنسان عوض كل أفراحك عندما تتناول كل كبسولة. استيقظ أيها الإنسان.. فأحفادك ليس لهم مكان على الأرض المزدحمة بأجساد البشر..

إنتبه أيها الإنسان فمولودك الجديد مكانه الوحيد فوق أمواج البحار لتأكله الحيتان. نعم حيتان البحار وقروش المحيطات أذكى منك يا إنسان لأنهم لازالوا على طبيعتهم.. فسوف يأكلون أولادكم بكل سرور.

انتبه الجميع بعد أن ضاقت بهم الدنيا.. نادى الجميع : أين الموت.. خرجت نفس الجموع بصراخ وحروب نفسية، حرب بين التشبث بالحياة، و بين من لا يريد أن يعيش. كانت الكبسولة فى جيوبهم وبين أطراف أناملهم وبكل عصبية تناولوها وابتلعوها وقالوا إنها آخر مرة وسنموت، ويأتى ميعاد الكبسولة التالية فلا يستطيعون إلا الخضوع والخنوع، وبهزيمة نفسية منكسرة يأخذونها كما لو كانوا مدمنين أمام مخدرهم.. يحاولون الإقلاع وأين السبيل، إنه المستحيل.

لا.. أين الإرادة؟  لن نأخذها من اليوم.. باءت المحاولات بالفشل.. لابد أن هناك حلولاً.. نعم وجدنا الحل، خرج الجميع وحطموا تمثال مخترع هذه الحبوب والكبسولات، بل خرجوا عليه فى معمله وأحرقوا كل إنتاجه، وألقوا بكل كبسولاته وأبحاثه فى وسط الميدان وأحرقوها، ومع ذلك رحب بهم مستر جينياس وقال : نعم لقد أخطأت.. مرحبـًـا بالموت،ومن تلك اللحظة لم يعد العالم به كبسوله واحدة،  فوصل قطار الموت بعد أن فتح له البشر إشارة الترحاب.. وأصبح على أبواب كل بيت ومع أنين كل إمرأة أثناء ولادة مولودها، و مع صرخات كل طفل جديد خارج من رحم أمه إلى معركة رحم الحياة،  نسمع صرخات وداع أحد أبناء البشر ليفسح مكانًا ومجالا لذلك الوليد الجديد.

مع صرخات وآلام الميلاد الجديد، وموت الشيخوخة ترقص الطبيعة لإستقبال أنفاس جديدة مملوءة حياة وأمل، وتراب سوف يضاف  لأديمها، فتتجدد الطبيعة، وتتجدد حيويتها ونشاطها.

أيها البشر.. إستعدوا  للموت.. إنه الأمل رغم أنه مملوء بالألم.. إنه الحلم وبه العلم أيضـًـا. علم ما وراء السحاب وما أبعد من السماء.

فحينما تفكر فى الموت.. فلا بأس. إنك تفكر فى الحياة.. العدل.. الرحمة.. العمل… الميزان، فأهلا به حينما يأتي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: