مقالات فكرية

أدباء .. لكن فقراء بقلم سمير المطيعي

سمير المطيعي

************

  تقاسموا المعيشة الصعبة منذ ولادتهم، وبعضهم عانى في فترة الصبا والآخر عاش شظف الحياة من المهد إلى اللحد.

 طفولتهم  قاسية بلا أبجديات متطلبات الطفولة، فهل يعقل أن طفل يترك نفسة لعنان الأحلام وفي نفس الوقت يحلم أنه يأكل قطعة خبز يابس؟ هل من المنطق أن يقتني لعبة يلهو بها كباقي أقرانه حتَى وإن ملك بضعة قروش ؟ هل من المنطق أن يشتري قلمًا وكراسًا ليكتب بدلا من رغيف خبز يسند به قلبه؟

نعم يمتلك معظمهم الذكاء المفرط والعقل الراجح والتفكير السويّ ولكن ماذا تعمل الإمكانيات العقلية في غياب الإمكانيات المادية؟ وماذا تفيد الموهبة في عدم وجود وقود الحياة ؟ وكيف يعمل العقل وينجب إبداع في جسم مبدع ذى معدة خاوية ؟ فالخبز أولا.

إلا أن الأدباء في معظم الأحيان يكونوا مختلفين؛ فنري أن معظمهم  وقف أمام الأمواج العالية وحطموا جبال الفقر وحواجز الفشل بالصبر وقوة الإرادة، ولكن غالبيتهم لم يُكتب له أن يرى نجاحه أو يقطف ثمار جهده وفكره إلا بعد رحيله إلى العالم الآخر ليجني الأبناء والأحفاد ثمار جهد الآباء والأجداد.

فهذه الأريكة المتواضعة الموجودة أمام تلك المنضدة المتهالكة وعليها محبرة وريشة وكومة من الأوراق بجوار بنورة صغيرة تتوسطها شمعة للإضاءة في ذلك البيت المتواضع الذي تحول إلى متحف صغير تخليدًا لاسم ذاك الأديب، نرى بعرض الحائط مجموعة من الرفوف تُكون مكتبة مكتظة بالكتب والمراجع مختلفة اللغات، و في الجانب الآخر من الحجرة نرى سريرًا متواضعًا كان يستلقي عليه المفكر لينال قسطًا من الراحة بعد جهد القراءة والكتابة .

تزور لترى أين وكيف كان يعيش هذا البائس وكيف كان يقضى أيامه ولياليه بين تلك الجدران وأين كان يتريض يوميًا في ذاك الحي الفقير المتواضع .

 نشاهد هنا نُزُلا أو فندقًا رخيص من الدرجة الخامسة كان يلجأ إليه الأديب حينما يُطرد شر طردة نتيجة تراكم الديون عليه وعدم مقدرته على دفع إيجار حجرته لعدة شهور.

لعلي كنت أحدثكم عن فيودور ديستيوفسكي ؛ الذي كان يعاني أيضًا من مرض الصرع وحار فيه الأطباء وأيضًا كان قد ابتليَّ بآفة لعب القمار.

تلك العادة الكريهة التي جعلته في حالة دين مستمر؛ لدرجة أنه كان يكتب رواياته على فصول متقطعة على أمل أن يحصل على قليل من المال من الناشر ليسد احتياجات بيته بعد تسليم كل فصل على حدة .

 أنقلك عزيزي القارئ إلى أديب آخر أشد بؤسًا، أديب عانى عذاب اليتم منذ نعومة أظفاره بعد أن مات والده، فتركته أمه إلى جده وجدته لتتزوج مرة ثانية، ولكنها كانت غير سعيدة في زواجها الثاني وقد عبر في كتاباته عن حالة أمه قائلا ” أشعر بشقاء والدتي وأدرك بؤس حياتها في دار أبيها  فكان لابد أن تغادر هذا البيت لتتزوج وتتركني لجدٍ قاسٍ”.

 نري الجد السكير القاسي جدًا على الطفل اليتيم يرغمه على الذهاب معه لمساعدته في دكان الأصباغ طوال اليوم، وعند الرجوع إلى البيت نجد الجد وقد شرب كثيرًا من الخمر الردئ الرخيص الثمن ووصل لذروة السكر فيضرب الصبي لأنه لم يحفظ المزامير ولم يعرف كيف يقرأ حروف الهجاء.

وفي وسط هذه الأجواء تموت أمه المسكينة؛ليصبح الطفل يتيم الأبوين، وتزداد أحزانه وآلامه ومعاناته في بيت جده ولكن الله الذي يرعى اليتامى ولا ينساهم، هيأ جدته ؛ لتكون خير معين له فكانت تشجعه بعبارات التفاؤل والصبر على الفقر ومواجهة المعاناة، وعوضته عن اليتم ولو قليلا ؛ فكانت تحكي له الحكايات والقصص التي كانت سببًا أساسيا في تكوين خياله ومشاعره .

وهنا لابد أن نقر أن الفقر والمعاناة وبؤس الحياة وقسوة اليتم وضرب السوط على الظهر الطفولي الرقيق بيد الجد القاسي أظهرت وأخرجت أحسن ما عند هذا الأديب من تفاصيل التفاصيل حينما كان يكتب .

إِنه مكسيم جوركي،الذي قضى طفولته بين حجري الرحي، بين جد قاس لا يعرف الرحمة، يضربه ويضرب جدته أيضًا حينما كانت تحاول أن تدافع عنه، وبين يتم من الوالدين حيث لا يملك مكانا آخر ولا مصدر رزق ليأكل منه، فعاش بين عذاب الضرب وقسوة اليتم.

 كان جده بلا شك مريضًا نفسيًا (شيزوفرانيا ) فبينما كان يشرب الخمر ويسكر، كان يعلم الطفل بالسياط قراءة الكتاب المقدس وبالضرب المبرح أيضا كان يجبره على حفظ المزامير .

لعلنا نرى أن هذه الحياة الجافة عوضًا عن أن تخرج لنا شخصية معقدة، أدت إلى ظهور شخصية رقيقة حساسة إذ يقول مكسيم عنها ” ومنذ ذلك الحين قام عندي ذلك الإنتباه والقلق العميق نحو المخلوقات البشرية، فكأنما الجَلدَة من سياط جدي على جسمي كانت تمزق عمق قلبي فأصبح قلبي حساسا بصورة غير مألوفة لا تكاد تصدق حيال الإمتهانات والآلام التي أعانيها أو يعانيها سواي من البشر” .

       لقد أبدع مكسيم في كتاباته وأبدع أكثر في رسم صورة جميلة لجدته، التي زرعت في جوفه بذور الإبداع الأولى من خلال حكاياتها الجميلة وتعاليمها الدينية وطريقتها في التعامل مع الله، لقد كانت رقيقة بسيطة مما جعل اليكسي مولعا بها.

    هنا يصور مكسيم ببلاغة وعمق، التناقض بين معاملة الجد وجدته إذ يقول ” هذا التناقض جعلني أتصور بوجود إلهين، إله لجدي وآخر لجدتي، فأنا أخاف إله جدي وأكرهُه لأنه يتصيد أخطاء البشر، ويبتهج كثيرأ إذ ينزل العقاب الصارم بهم، أما إله جدتي .. صديق كل مخلوق حي علي الأرض،  أبهي وأفضل من كل شئ آخر يحيط بي .”

ثم نجد الجد القاسي يطرد الطفل اليتيم من منزله ويقول له من الآن أنت مسئول عن طعامك .

    يمرض مكسيم كثيرًا ويصف هذا بقوله ” كانت أيام مرضي إحدى المراحل الهامة الرئيسية في حياتي “، وتستمر حياة مكسيم من شقاء إلى شقاء فيعمل في دكان لبيع الأحذية،وعلى ظهر مركب تحمل المساجين وعتاة الجناة من سجن إلى آخر،  فتعلم كثيرا من قسوة الأيام .

ألا توافقني عزيزي أن المواهب والإبداع والمشاعر معظمها يولد من رحم الآلام .

 


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا