مقالات

أدباء أرمن سوريون أبدعوا بلغتهم الأم وبالعربية

استعادة تراثهم الشعري والروائي وترجماتهم في ذكرى المجازر

بما كان أول ما تلامح من الأدب الأرمني في سوريا، هو ما ترجمه العلامة الحلبي خير الدين الأسدي (1900-1971) تحت عنوان “عروج أبي العلاء” ( 1940) للشاعر الأرمني أويديك إسحاقيان (1875-1957)، وجاءت هذه الترجمة بمساعدة بارسيخ تشيتويان. وقد عرفت هذه الملحمة السبيل إلى أهم لغات العالم، وجاءت في سبعة فصول حمل كل منها اسم (سورة). وظن معروف الرصافي أن هذه التسمية هي للأسدي. لكن نظار ب. نظاريان (1932-1991) الذي سيعيد ترجمة النص تحت عنوانه “ملحمة المعري” ( 1976) أخذ بالتسمية نفسها وعللها برغبة إسحاقيان إضفاء الروح الشرقية والعربية على نصه.

من الملحمة بترجمة الأسدي: “أنت تلعن جسد المرأة الظافرة/ في سعير شهواتك ولا ترتوي/ آه يا جسد المرأة/ لقد غدوت أبغض الحب/ إنه قاس كالموت… حارق أبداً”. وقد بلغ أويديك إسحاقيان العالمية بهذه الملحمة. وأشار نظار ب. نظاريان إلى أن إسحاقيان لا يتقيد بتاريخية المعري، وهذا ما لامه عليه المستشرق كراتشوفسكي.

في سجل القرن التاسع عشر يسطع اسما أديبين من أصل أرمني. الأول هو رزق الله حسون (1825-1880) من حلب، صاحب الجريدة العربية الأولى غير الرسمية “مرآة الأحوال”. وهو سليل عائلة حسونيان، ومنها عمه بطريرك الأرمن الكاثوليك في لبنان أنطون حسونيان (1809-1884). أما الثاني فهو أديب إسحاق من دمشق (1856-1885) واسمه الأرمني أديب زالماتيان، وقد انتقل مبكراً إلى بيروت فمصر.

مسار أدبي أرمني

إذا كان موقع هذين الرائدين في الأدب العربي، فقد تأخر حضور الأدب الأرمني في سوريا إلى أن جاء خير الدين الأسدي. ولم يتوطد هذا الحضور حتى سبعينيات القرن الماضي. ومن ذلك كانت ترجمة نظار ب. نظاريان لـ “أنشودة الخبز” ( 1970) للشاعر طانيل واروجان. وكانت هذه الترجمة المرفقة بدراسة فاتحة الصداقة بيني وبين نظار أثناء إقامتي في حلب (1972-1978). وفي سيرته أنه ولد في كسب على الحدود السورية- التركية، ومنها قدم إلى حلب. وبعد انتقالي إلى اللاذقية دأب على موافاتي بجديده في الشعر وفي الترجمة، ومن ذلك “صلاة أمام عتبة الغد” لواهان تكيان، و”نصب لذكرى أمي وسفر التكوين” لهوانيس شيراز، و”الجماهير المجنونة” ليغيشه شارنتس، ولنظار نفسه مسرحية “الأبواب”. وقد ترجم قبيل رحلته أيضاً مجموعة قصصية أرمينية ورواية “سفر الوقائع” لسيرو خانزاديان، والتي واجهت الستالينية. وما زلت أذكر بناءها المميز من خمسة فصول على غرار الأزقة الخمسة لبلدة الكاتب كوريس، كما أذكر تحوّل الشخصية إلى لقب، والراوي الزّبال، والأرملة الصبيّة التي قُتلتْ في الغابة.

يقول المؤرخ الطبيب الحلبي ألكسندر كشيشيان إن في حلب أكثر من مئة أديب أرمني أبدعوا في اللغة العربية. توسع كشيشيان في صفة الأديب لتبلغ هذا العدد، ذلك أن جمهرة من الذين عبروا بأرض الأدب فرقهم الشتات في الأمصار، وكذلك الصحافة، حيث بلغ عدد الصحف الأرمينية في حلب 115 بين عامي 1918 و1978. وأقرب الشتات هو ما كان من حلب إلى بيروت، كما وقع لأنترانيك زاروكيان (1913-1989) الذي نشأ في ميتم حلبي، ودرس في بيروت، ثم عاد إلى حلب مدرساً وأسس مجلة انتقلت إلى بيروت. ومن رواياته المترجمة إلى العربية “أناس بلا طفولة ” (1952)، وروى فيها نشأته في المتيم، وثنّاها بجزء تابع فيه سيرته الحلبية، وهو “حلب في الحلم “( 1979).

من الصداقات الأرمنية التي أورثتني إياها حلب، أذكر الكاتبة لوسي سلاحيان التي كتبت بالعربية وبالأرمنية، وتقيم حالياً في الولايات المتحدة، حيث أصدرت كتابها الموسوعي “أدباء سوريون معاصرون”. وقد قيض لي في تسعينيات القرن الماضي أن أشرف على نشر عدد من ترجمات الصديق الحلبي مهران ميناسيان في سلسلة روائع الأدب الأرمني، وكذلك في عدد من الكتب التاريخية والوثائقية المتعلقة بالمجازر الأرمنية التي ارتكبها العثمانيون.

ترجمات شعرية

من ثمرات ذلك التعاون أذكر رواية “الحياة على الدرب الروماني القديم” لفاهان توتوفينتس (1894-1938) ترجمة هراج ساهاكيان، وللرواية ترجمة أخرى تالية، وسِمَتُها الغالبة هي السيرية مثل رواية “سفر الوقائع” والكثرة من الروايات الأرمنية.

من غرر الشعر الذي ترجمه مهران ميناسيان في كتاب “أقنعة ومرايا: مختارات من الشعر الأرمني الحديث” نقرأ للشاعر هوفهانيس كريكوريان تحت عنوان “صلاة”: “أربع خطوات إلى الأعلى/ إنها الحدود/ أربع خطوات إلى الأسفل/ إنها الحدود/ إلهي: كم هذا الوطن صغير! / أرمينية… كم هي صغيرة!/ حقاً إنها قماط طفل/ وأنا أحتضن هذا القماط/ يا إلهي: أنا أقف حائراً/ قل، افعل: أين أذهب؟”. ومن قصيدة “قداس وجناز بمشاركة عدة أحزاب” نقرأ لكريكوريان هذا الشعر المقطّر على رغم أنف السياسة، والذي أحسب أنه كتبه لأحزابنا العربية أيضاً: “الحزب الأول يحب الشعب/ وهو يناضل بحماسة/ كي يرفع من مستوى الشعب/ الحزب الثاني يحب الشعب كثيراً/ وهو يناضل ضد الحزب الأول بحماسة/ كي يرفع من مستوى الشعب/ الحزب الثالث يحب الشعب كثيراً جداً/ وهو يناضل ضد الحزبين الأول والثاني بحماسة/  كي يرفع من مستوى الشعب/ الحزب الرابع يجب الشعب أكثر من الآخرين/ وهو يناضل ضد الحزب الأول والثاني والثالث بحماسة/ كي يرفع من مستوى الشعب/ وها هو الشعب البائس بالكاد يُرى من بين الأكاليل الملونة الأنيقة/ مغلقاً عينيه إلى الأبد/ وهو الذي لم يبق منه سوى العظام/ محاطاً بحب الأحزاب الشامل”. وللشاعر ناهابيد كوجاك من القرن السادس عشر نقراً: “أخذت لون عينيك من البحر/ أما حاجباك فمن الغيم الأسود/ ووجهك وبشرتك/ من أوراق الورد الأحمر (…) ألم توصي أمك حين ولدتك/ ألّا تحرقي العالم/ فلتمتد النار من السماء/ إلى الأرض، ولتحرقها/ لأنها تبعدك عني/ وتحرمني من رؤياك”. وفي مجموعة (حبة رمان: مائة قصيدة حب) هذه القصيدة لناهابيد كوجاك أيضاً: “أنا العين وأنت نورها يا روحي/ والعين عمياء بلا نور/ أنا السمكة وأنت الماء يا روحي/ ولا حياة للسمكة من دون ماء. وهذه المجموعة هي مختارات من نوع من الشعر الأرمني عُرف بالهاييرين، ومنه: “ولدتك أيّلة جبلية شرود/ وغذتك الشواهين الأنوفة/ ومن صدره سقاك القمر منير/ وغذتك الشمس بلبانها”. ومن بدائع الشعر قصيدة “شجرة الخوخ” للشاعر زاهراد (1924-2007) وقصيدة “اللغم” للشاعر الفيلسوف زاريه خِراخوني، ويرسم فيها نفسه مرة لغماً جوالاً، ومرة لغماً متنكراً، ومرة .. إلى أن يقول: “أنا قنبلة على شكل إنسان”.

من الشاعر الأرمني الكبير باروير سيفاك (1924-1971) يختار مهران ماسينيان ديوان “ليحل النور” وقصائد “الإنسان في راحة الكف”، وقد كتب عن هذه القصائد أن الشاعر فيها “يفتح قشرة الإنسان طبقةً طبقة، ويتعرف إلى خباياها وأسرارها”.

يتمحور شعر سيفاك حول الحب، وهذا مثال: “مر الربيع ولا أراك/ مر الصيف ولا أراك/ والخريف ولا أراك/ الشتاء سيمر ولن أراك/ في أي فصل من السنة أراك؟/ الخامس؟”. ويذكر المترجم في مقدمته الضافية لديوان “ليحل النور” أن ذروة أعمال سيفاك الملحمية هي “قبة الجرس الذي يقرع دائماً” (1959). والملحمة مجبولة بمجازر 1915 عبر حياة وأعمال الموسيقار الراهب كوميداس. وفي “ليحل النور” صبوة إلى عالم النور حيث يتحرر الإنسان، ومخاطبة الشعراء والمفكرين. ومن ختام الديوان نقرأ: “لقد أصبحت سبحة بين أصابعكم/ تلهون بي/ وتعدون حباتي/ ومع هذا تريدون مني/ ألا أرفع صوتي عالياً”.

ربما لا يباري مهران ميناسيان في سوريا وفي سواها، في الوصل بين الأدب الأرمني وبين العربية إلا الصديق الراحل نزار خليلي (1925-2019)، وهو العربي الذي أتقن الأرمنية وترجم عنها الكثير كما عن الجورجية. وقد بدأ مساره الأرمني عام 1955 بترجمة قصص وأشعار تراثية عربية. وبلغت مدونته الأرمنية خمسة وثلاثين كتاباً منها مسرحية “المتسولون والشرفاء” لهاكوب بارونيان، وقصص “قلوب حائرة” للوسي سلاحيان، وقصص “صوت من جبال كسب” لزوهراب عنتبليان، ورواية “الذبيحة” للأرمني اللبناني آرام سيبيتجيان، والكتاب الأرمني المقدس “المراثي”. وقد كتب نزار خليلي الشعر والقصة والسيرة. وفي حمأة ما عاشته حلب بعد 2011 اضطر إلى مغادرتها إلى كسب، وفيها كان مثواه، فكان مثله في التهجير مثل أرمن حلب الذين عاشوا تغريبة جديدة، ومثل أرمن كسب الذين اضطروا إلى النزوح إلى اللاذقية عندما سيطرت جبهة النصرة على كسب شهوراً من عام 2014.

لقد أثمرت الصداقة والتعاون بين هؤلاء الثلاثة (الأرمني مهران ميناسيان والعربيان نزار خليلي وأنا) عن رفد المكتبة العربية بأكثر من ثلاثين كتاباً، أغلبها أدبي، وأصدرتها جميعاً دار الحوار باللاذقية، وكان ما ترجمه مهران بالتعاون مع اللجنة الثقافية لنادي الشبيبة السوري في حلب. وكان نزار خليلي قد جمعني بالشاعر الأرمني بافيل بنوكي سركسيان، والذي سمّى “إفقا” باسم نبع “إفقا” الذي يروي تدمر، كما سمى المؤسسة التي يديرها “زنوبيا”، وكل ذلك هياماً بزنوبيا بعد ما بلغ الخمسين. ولها كتب ملحمته الشعرية في 650 رباعية ضمّنها تاريخه هو لقيصرة تدمر الشرق كما لقب زنوبيا. ومن الملحمة: “أنت لون الفضة الذي ينقشه الفجر (…) الشعر العنبر المنسدل على الأكتاف/ كالشآبيب المتناثرة (…) عيناك كيف استطاعتا خطف البريق من الشمس!”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
arArabic

تم كشف مانع الإعلانات

رجاء تعطيل مانع الإعلانات لكي تدعم موقعنا شكرا
%d مدونون معجبون بهذه: